من أوراق كتابي (المنسيون).4!

أبو علاء منصور.
رافقتُ الأسير المحرر نسيم عبد الجليل “أبو العز” إلى مدينة الرمثا، لزيارة الأسير المحرر الرمثاوي محمود طويط. على بوابة المدينة نبهني أبو العز: انظر الحدود السورية! تطلعتُ فأحيا مشهد التلال المترامية شمالاً ذكرياتي. من هنا عبرتُ الحدود متهرباً. ماض جميل وواقع مرير. طويط رأس أشيب وروح فدائية متألقة. تكاد تلمح في عينيه طفلاً يتسلق شجرة رمان باحثاً عن عش حسّون. يركض نحو الرابعة والستين من عمره بحيوية قلب طفل. قال ونحن نجلس في مطعم حلويات قصر الشمال الذي يُديره: التحقتُ بفتح وأنا في الخامسة عشر من عمري، كنت طالباً في المرحلة الإعدادية. اعتقلتُ في العام 1970 واعتقل معي إبراهيم أبو حليوة شقيق المناضل أبو خالد هاشم. حُكمنا سبعة عشر عاماً، وباعتبارنا أحداثاً، جرى توقيفنا في الإصلاحية في مدينة معان. بعد عام ونصف هربنا واجتزنا الحدود إلى سوريا والتحقنا بقواعد الفدائيين. عام 1974 قدتُ دورية عسكرية إلى الأرض المحتلة، فاعتقلتُ وحكمتُ أربع مؤبدات وعشر سنين. أضاف طويط موجهاً كلامه لي: في السجن جمعتني رياضة الكراتيه بشقيقك جمال. بعد تحرري في صفقة العام 1985 اعتاد الناس تسميتي “اليهودي”. يريدون التعرف على المفرج عنه من سجن اليهود.
في زيارة ثانية لطويط، رافقتني الباحثة في المركز العربي للتحاليل والدراسات منى عوض الله، والأسير المحرر محمد طه الذي قضى ستة عشر عاماً في الأسر. وما زال بمرتبة تنظيمية (3\3)، رتبة تعادل ملازم أول. في الطريق راح طه يسرد قصصاً من تجربته: كان عمري سبعة عشر عاماً حين اعتقلتُ عام 1969. دخلتُ السجن أُمياً، أبصم بإصبعي، وتحررتُ منه بما أفتخر به من وعي اليوم. وُجد السجن لقمع نفسية المناضل وقتل روحه المعنوية، لكن من يتسلح بقضية عادلة وإرادة صلبة وموقف إنساني يتغلب على كل شيء. كنتُ ألتهم الكتب التهاماً. وكان محمد كمال الكادر المتقدم في الجبهة الشعبية ملهمي. عن التحقيقات مع المشبوهين قال: كانت ضرورية وجرت بروح مسؤولة. قلت: لكني سمعتُ عكس ذلك! قال: في سجن عسقلان كنتُ مسؤول الأمن، وأنا بالغريزة مولع بالتعرف على ما يدور في رؤوس البشر وأسباب تحولاتهم. كان يُقلقني تساؤل: لماذا انحرف فلان الذي قطع النهر فدائياً؟ ما الضغوطات التي هزمته؟ كنتُ أفكر في والدته! ماذا تقول عائلته التي تفخر به كفدائي! وعن ظاهرة المتدينين قال طه: حاولنا استيعابهم. ندعوهم للإضراب فيردوا: (أنتم مناضلون من أجل الوطن ونحن نقاتل في سبيل الله). التطرف وسيلة لتأكيد الذات والضعيف يتهور. عن لحظة ضعف مر بها قال: في إضراب سجن عسقلان عام 1970 كان الفصل شتاء والوضع إرهابياً! وكانت هذه أول مرة أُشاهد فيها الشرطي يدخل بربيش الزوندا -بربيش بطول 75 سم- في حلق المناضل ويسحبه بلا شفقة! ذعرتُ. لكني استقويتُ بموقف ناجي القواسمي الذي خيّره الشرطي سليم وهو يهودي من أصول مصرية، بين شرب كأس الحليب أو البربيش فرد بالبصاق في وجهه! كان فعله بطولة. عن مشاعره لحظة دخوله الزنزانة قال: الرهبة وغموض المصير أصعب ما يواجه المعتقل في فترة التحقيق! تشوش وارتباك! هل أصمد؟ هل أتحمل التعذيب؟ الخوف من الاعتراف مصدر قلق رهيب! وفي مجتمعنا الفلاحي للسمعة وزنها. كانت من ضمن خليتنا امرأتان أم أحمد المدني من مخيم قلنديا والحجة وردة والدة مسؤول خليتنا نمر عدوان! أين أضع رأسي إن اعترفتُ عليهما! كانت هذه مصدر رعب. عن مشاعره حين علم بصفقة التبادل قال: اضطراب وكلما اقترب التحرر تفاقم التشوش! سمعتُ اثنين من زملائي – محمد عسكر من الجبهة الشعبية وصلاح السيد من فتح – يتناقشان: كبرنا في السجن، هل سنجد فتيات يقبلننا أزواجاً؟ هل سيحببننا؟ عن أهم المشاكل التي يواجهها الأسير قال: في سجن عسقلان عشنا أوقاتاً مريرة. تختلف منظمة التحرير مع النظام السوري في موقف سياسي فتحصل مشكلة بين أسرى فتح وأسرى منظمة الصاعقة التابعة لحزب البعث! تلتبس علينا الأمور فلا نعود ندرك أننا جميعاً أسرى وأن السجان لا يميز بيننا. ومن الناحية العاطفية يضطر الرومنسي لكبت مشاعره. ما قيمة الإنسان دون مشاعر؟ كانت قوانيننا الداخلية صارمة، لا مجال للتساهل وإلا فالرخاوة والفوضى. لكننا لاحقنا قضايا شخصية وهامشية وبالغنا في تفسيرها. خوف الأسير من ذاته ومما يحب أخطر من السجن والسجان! سنوات السجن الطويلة تقطع الأسير عن المجتمع! كثيرون من الأسرى المحررين تراهم يجلسون صامتين! إنه الشعور بالغربة وفقدان الأمان! وضع تطغى فيه المثالية على الواقعية بما في ذلك العلاقة بالزوجة التي يُنظر إليها كمناضلة وليس زوجة. يتسبب السجن بتراجع النواحي الإنسانية، هنا يجدر التمييز بين نفسية السجين ونفسية المقاتل! واقع السجين مغلق، أما المقاتل فيعيش في الجبال، انقطاعه عن المجتمع مؤقتاً.
قال طويط عما استفاده من تجربة السجن: البعض يقول إنني ضيعتُ نفسي! أنا أقول إنني كسبتُ نفسي! منحني الإحساس بأن الثورة لي قوة حمتني. قال لي محمد طه ذات مرة: أنت دائماً تضحك. قلت: الضحك دواء، لولاه لانقرضنا. أضاف طويط عن تجارب لافتة: تسببت مبارزة بالكراتيه مع شقيقك جمال بجرح في وجهي! في مستشفى سوروكا بمدينة بئر السبع وأنا مقيد اليدين وموثوق القدمين، ابتسم الطبيب وقال للشرطيين المرافقين لي: من هذا الشاب الجميل؟ أجاب أحدهما: إنه مخرب. رد الطبيب بطردهما وقال: لا تهتم ثم أجرى لي عملية جراحية واقتادني إلى الساحة! ثلاث ساعات وأنا أُمتع ناظري بفلسطين التي حلمت بأن تطأ قدماي أرضها. أضاف طويط: في غرفة رقم 6 في سجن بئر السبع ضرب الأسير علي حلايقة شرطياً، دقائق وهجم علينا الشرطة، وأشّر أحدهم عليّ فأخرجوني مع أولاد الدردوك الذين قتلوا ضابط إسرائيلي في نابلس بالسكاكين، بسام وكمال وجمال. وانهالوا على رؤوسنا بالعصي، نجوت لأنني كنتُ أقصرهم واختفيتُ بينهم. قفز شرطي من شدة غيظه فوق الطاولة وراح يضربني! عُدنا إلى الغرفة نضحك! كنا نضحك على مأساتنا. أضاف: في سجن عسقلان كان هناك أناس تثمن بالذهب، كان محمود حسين حسن نصر الله الملقب (أبو حنفي) من قرية بيت فوريك يناديني بلهجة قروية: (يا مناظل، يا أخ طويط، بنِّد هالشباك -أغلقه- الدنيا برد). من الطبيعي أن يبرد أبو حنفي، ففي جسمه رُجُم شظايا من آثار المعركة التي خاضتها دوريته مع جنود الاحتلال عام 1968. بين فترة وأخرى كانت تُستخرج من جسده شظية. كان أبو حنفي ينادي شقيقيه حامد وخميس: (تعال يا حامد تعال يا خميس لنناقش طويط). كان ينضم إلينا الشاب المبتسم والصامت كَرَم، ورفيقي الغزّيّ من بداية الاعتقال هشام عبد الرازق. ثم يبدأ المزاح والعراك فيصرخ أبو حنفي: بس عاد، خلينا في الجد. كان الأشقاء الثلاثة المؤبدين يحظون باحترام الجميع.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا

2020-05-23