أغيار أم أشقاء؟
د.ع.الصمد بلكبير.

بمناسبة جائحة (ذات القرون) يتداول المتعاطون للتواصل الإجتماعي قصيدة محمود درويش (فكر في غيرك)، والراجح أن المبادرين إلى الترويج مثلهم في ذلك مثل صاحبها، يتصورون أنهم بترديدها ونشرها يصنعون جميلا حداثيا أفضل من الخطاب (التقليدي) الموروث. والحقيقة غير ذلك. إن مفهوم (الاخر) أو (الأغيار) هو في أصوله يعود إلى (ما قبل التاريخ) علاقات القطعان البشرية والقبائل.. في زمن التوحش حيث الفرد (أو القطيع) اما أن يبادر إلى قتل (الغير) أو أنه سيغتال من قبله (الاخر).
الدين القويم أو (دين الفطرة) أنتج تصورا و علاقة أخرى بين البشر، يوثقها ميثاق وحدوي ـ توحيدي يعتبر البشر جميعا إخوة، عيال الله من أب واحد (ادم) ومصدر واحد (التراب)، ومن قتل نفسا لذلك فكأنما قتل الناس جميعا و (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) والله محبة ورحمة… هذه هي الفطرة الإبراهيمية و الحنيفية…
اليهودية المحرفة او التلمودية، اللاحقة لموسى عليه السلام، ارتدت نحو زمن الهمجية. وبالتالي العنصرية، معتبرة أتباعها (قبيل) مختار من قبل الرب دون الاخرين (الاغيار) والذين هم مخلوقات وجدت لخدمتهم ! هذا ما ثار عليه اليهودي القح السيد المسيح عليه السلام (ثم الاسلام لاحقا).
ترى من أين تسرّب هذا المفهوم الرجعي و اللاإنساني لوعي ونصوص أكثر الادب العربي المعاصر. والذي يدعي (حداثة) (غالبا)، وعلى رأسه محمود درويش.
ربما تم ذلك من خلال تلقيه تكوينه الدراسي في التعليم (اليهودي) في الأرض المحتلة والذي لا علاقة له بالعلمانية وأحرى بالحداثة. وممهداتهما في التنوير وقبل ذلك في النزعة الإنسانية لعصر النهضة البورجوازي العظيم.
ورغم أنه اشتراكي في تكوينه الأدلوجي والسياسي، إلا أن أثر ذلك يوجد معكوسا في مثل هذا النص، والحال أن الاشتراكية السديدة تحافظ وتنمي جميع فضائل المروءة و الفطرة الموروثة عن المؤسسيين والبُناة في التاريخ الانساني.
أرجح، أن ما تصوره درويش وأمثاله (الحداثة) هو في حقيقته (ما بعد الحداثة) مقنعة صوريا بـ (حداثة زائفة). وهي ردة ادلوجية رجعية من قبل الرأسمالية الربوية والاستعمارية المتوحشة اليوم، مقارنة برأسمالية النهضة و الثورة و حتى الاستعمار القديم نفسه، وهذا هو بعض سر عدميتها تجاه الدين، وخلطه مع التدين ومع الايديولوجيا الدينية. ومن تم أيضا معاداتها للوطنية لمصلحة العولمة فضلا عن شعبويتها وفوضويتها وتهافتها رغما عن تفاهتها.

2020-05-22