المؤتمر القومي العربي حول قانون “قيصر” الأمريكي لإحكام الحصار على سورية:

احتمالات التنفيذ وسبل المواجهة..

أدلى الأمين العام للمؤتمر القومي العربي أ. مجدي المعصراوي بما يلي:

مع اقتراب موعد بدء تنفيذ قانون “لحماية المدنيين السوريين” المعروف بقانون “قيصر”. بعد أن صوت الكونغرس الأميركي عليه بأغلبية ساحقة في نهاية العام الفائت، ووقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهو قانون هدفه تضييق الخناق على سورية بحجة “حماية المدنيين السوريين” وذلك لمساءلة ومحاسبة الدولة السورية، وكأن الدولة السورية قاصرة، أو الشعب السوري قاصر وبحاجة إلى من يحميه! لكن بعيداً عن الحجج الواهية لذلك القانون إلاّ أنه يستدعي الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى هي أن ذلك القانون، إذا ما طبّق فسيكون بمثابة جريمة حرب وجريمة بحق الإنسانية لأنه يستهدف الشعب السوري كله الذي يزعم القانون حمايته. وبالتالي يمكن مقاضاة الإدارة الأميركية في محكمة لاهاي وحتى في المحاكم الأميركية حيث القانون يخالف الدستور الأميركي بالاعتداء على الدول الأخرى وهذا ما يشكّله القانون من عدوان على سورية بدون مبرّر. فالرئيس الأميركي نفسه ندّد في وقت سابق بالوجود الأميركي في سورية وقال أنه لا جدوى من ذلك وبالتالي يفقد القانون الأرضية الدستورية لتطبيقه. هذا القانون، كما سائر إجراءات الإدارة الأميركية هو فقط لخدمة الكيان الصهيوني وبالتالي فاقد لأي شرعية قانونية حتى لو أقرّه الكونغرس الأميركي.

الملاحظة الثانية هي أن القانون يجرّم كل من يتعامل مع سورية وبالتالي هو إعلان حرب على جميع الدول التي تتعامل مع سورية وأو التي تريد التعامل معها في المستقبل القريب. فلبنان والعراق والأردن كالصين وروسيا على سبيل المثال ممنوعون من التعامل مع سورية وإلاّ لتعرّضت لعقوبات أميركية قاسية.

الملاحظة الثالثة هي أن هذا القرار أحادي أي أنه لا يحظى بإجماع دولي أو حتى أكثرية دولية. فلا مجلس الأمن للأمم المتحدة ولا التحالف الدولي الذي أقيم في 2011/2012 لمحاصرة سورية، بل للعدوان عليها مصدر لذلك القانون. وبالتالي قد يتعرض للفشل بسبب عدم التزام العديد من الدول بذلك القانون بما فيه لبنان. فاذا التزم لبنان فعلاً به كما تريد الإدارة الأمريكية، فذلك يشكّل ضربة قاصمة لجهود النهوض من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة. فحاجة الوجود والبقاء ستفرض على لبنان عدم الالتزام بذلك القانون. وكذلك الأمر بالنسبة لدول الجوار كالعراق والأردن وحتى تركيا التي تفكرّ في مرحلة ما بعد الحرب القائمة في سورية.

الملاحظة الرابعة هي أن تهديد مصالح الدول المتعاملة مع سورية وأو التي ستتعامل معها فاقد للواقعية. فجائحة الكورونا وجّهت ضربة قاسية للاقتصاد الأميركي الذي لن يتعافى بسهولة كما حصل بعد الأزمة المالية سنة 2008. وبالتالي ستنهمك في إعادة الحياة والنشاط لاقتصادها وقد تكون بحاجة إلى مساعدة الدول التي تستهدفها العقوبات كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي. وبالتالي ليس بمقدور الولايات المتحدة تنفيذ تهديداتها على العالم أجمع خاصة وأن دول الكتلة الاوراسية ستسرّع في إيجاد منظومات مالية موازية أو بديلة من نقد، ونقد رقمي، ومؤسسات توازي المؤسسات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. فالعزلة الأميركية ستكبر وقد تكون شاملة باستثناء الكيان الصهيوني ودولة ميكرونيسيا. حتى دول الخليج ستحاول التهرّب من ذلك القانون لأنها ستكون بحاجة إلى استقرار في المنطقة الذي لن يتم إلاّ بالتفاهم مع ايران وسورية والعراق، خاصة بعد الإخفاق الأميركي في توفير “الحماية” لدول أصبحت على شفير الإفلاس.

الملاحظة الخامسة هي أن سورية والعراق ستكونان مسرحا لنهضة اقتصادية وورشة إعادة إعمار لا تستطيع الدول الأوروبية تجاهلها ولا دول الخليج، لأنها هي أيضا أصبحت بحاجة إلى تسويق سلعها والاستفادة من الاستثمارات في البنى التحتية التي ستقدم عليها كل من سورية والعراق. فهذه الدول قد تتمرّد على الإرادة الأميركية، إذا ما اعتبرت الضعف الاقتصادي والمالي الأميركي ضعفا بنيويا وليس ظرفياً، للحذر من خسارة مصالحها هناك. لذلك ستلتفت إلى الشرق وخاصة الكتلة الاوراسية التي يدعو إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لذلك لا نعتقد أن ذلك القانون قد ينجح في تحقيق أهدافه فقانون معاقبة سورية سنة 2004 لم يؤدي إلى تحقيق النتائج المرجوة، وذلك قبل الحرب الكونية على سورية. فظروف الولايات المتحدة حاليا أسوأ بكثير مما كانت عليه في مطلع الألفية والمسار المرتقب هو المزيد من السوء والتدهور في الحالة الأميركية، ولعل في اختراق ناقلات النفظ الإرانية للحصار الأمريكي على فنزويلا هو دليل على هذا التغيير في موازين القوى.

إن المؤتمر القومي العربي الذي تصدى منذ تأسيسه لكل المؤامرات والمخططات التي تتعرض لها الأمّة في كل أقطارها، سواء من خلال الحرب أو العدوان أو الفتن أو الحصار، حذّر منذ سنوات من مخاطر ما يحاك لسورية العروبة، بعد العراق ولبنان من فتن وحروب وحصار تستهدف دورها وموقعها ومواقفها الداعمة لكل حركات المقاومة والتحرر في الأمّة، ودعا بالتعاون مع المؤتمرات والاتحادات والهيئات الشعبية العربية إلى عقد الملتقيات والمنتديات رفضاً للعدوان والعقوبات على سورية، ودعماً للحوار والإصلاح فيها، يتوجه اليوم إلى كل أعضائه في أرجاء الوطن العربي الكبير والمهاجر إلى أن يساهموا في إطلاق حملة شعبية عربية وعالمية لإسقاط مفاعيل هذا القانون الجائر، وأن يتواصلوا مع كل شرفاء الأمّة من أحزاب ونقابات وهيئات بهدف تشكيل لجان مساندة للشعب العربي السوري في أقطار الأمّة كافة، ومع أحرار العالم بوجه هذا الحصار الإجرامي.

كما يتوجه المؤتمر القومي العربي أيضاً إلى كل المؤتمرات والاتحادات والهيئات العربية والدولية للتحرك على مختلف المستويات لمواجهة هذه الحرب المستمرة على سورية، والتي يشكل “قانون قيصر” الأمريكي آخر عناوينها.

ويتوجه المؤتمر القومي العربي كذلك إلى جامعة الدول العربية التي شاركت قراراتها السابقة بإدامة هذه الحرب على سورية، وشجّعت أعداء سورية والأمّة على استباحة هذا البلد العربي الجريح، من أجل مراجعة جذرية لسياساتها تجاه سورية والاعتذار لشعبها عما ارتكبته بحقه، وأن تقود حملة واسعة في المنتديات والمحافل والمؤسسات الإقليمية والدولية لإسقاط هذا القرار، ولتسقط بدورها كل قرار اتخذته الجامعة سابقاً بحق عضو مؤسس فيها، ولتعمل على تطبيق كل المواثيق والاتفاقات والمعاهدات التي أقرتها، وفي مقدمتها معاهدة الدفاع العربي المشترك، التي تعتبر أن أي عدوان على أي بلد عربي هز عدوان على الأمّة كلها..

كما أن منظمة التعاون الإسلامي أيضاً مدعوة إلى الاضطلاع بواجباتها تجاه دولة مؤسسة فيها، ودفاعاً عن قيم الإسلام الحنيف والمبادئ الإنسانية السامية برفض هذا القانون الجائر وإنهاء تعليق عضوية سورية فيها، كما إلى العمل على إعادة العلاقات الكاملة بين بعض دولها وبين الجمهورية العربية السورية.

كما يدعو المؤتمر القومي العربي هيئة الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان ومبادئ العدالة الدولية، بأن تتحرك لإسقاط هذا القرار الأحادي الجانب والذي يعرّض، فيما يعرّض، الأمن والسلم الدوليين للخطر، لأن مفاعيله لا تصيب سورية وحدها بل كل الدول التي تتعامل معها وتساندها في مواجهة الإرهاب والفتن.

التاريخ: 22/5/2020