من كتابي (المنسيون) .3!

أبو علاء منصور.

المعلمة..
حين اندلعت حرب حزيران في العام 1967 كانت فريال سمعان حنا سالم طالبة بكلية الآداب في جامعة الجزائر، وتسبب احتلال الضفة الغربية بفقدانها حق العودة، لكنها عادت بعد خمس سنوات من خلال لم شمل العائلات. هذا ما حصل معي أنا -أبو علاء منصور- كذلك، وشاءت الأقدار أن نصبح زملاء في مدرسة بنات رام الله الثانوية عام 1972. كلانا في التنظيم السري لحركة فتح دون أن يعرف أحدنا عن الآخر. بعد ثلاث سنوات من انكشاف خليتي انفجرت عبوة بين يدي فريال فأصيبت بجروح خطيرة واعتقلت.
قالت فريال وهي تحكي روايتها: تسبب خطأ بانفجار عبوة ناسفة أثناء تجهيزها، فاستشهد سليم حنا مرزوق قائد خليتي الذي كان طالباً بجامعة بيروت العربية، وأُصبتُ أنا بجروح خطيرة تسببت بفقد عيني اليسرى وبحروق وإصابات عميقة في وجهي، وبكسرين في الساقين. وأصيبت رفيقتي روضة بصير بجروح، وهي خريجة إحدى الجامعات الإيطالية، وكانت تعمل في مركز للصم والبكم في بيت لحم، وكذلك رفيقنا سعيد خليل مدرس الرياضيات. صحوتُ من الغيبوبة بعين مضمدة وشعر حليق ووجه مشوه! لم أتخيل أنني فقدتُ عيني. عرفت شقيقتي أنني في سجن المسكوبية فجاءت تبحث عني. سمعتُ صوتها تنادي: (فريال). حملتني سجينة جنائية من قرية عناتا على كتفيها فشاهدتُ شقيقتي من الشباك المطل على الشارع، سمعتْ صوتي فعرفتني وقالت: (سليم مات). ربما أرادت أن تقول: (لا تخشوا اعترافه). بناء عليه قلنا للمحقق أننا ضحايا انفجار غامض.
أستمع لفريال ويمر بخيالي ما قالته المحامية فيلتسيا لانغر في كتابها من مفكرتي: تقف النساء بسلالهن أمام السجن في ساحة المسكوبية، كالأمس وكل يوم، وجوه قلقة. تقترب مني إحداهن وهي العجوز بينهن: “ألا تذكرينني يا فيليتسيا؟!”. بالطبع أذكرها فقبل خمس سنوات دافعتُ عن أحد أبنائها. لقد هزلت كثيراً منذ تلك الفترة وتغضن وجهها. “أخذوا آخر من بقي يا حبيبتي، حفيدي”. هذا ما قالته واغرورقت عيناها بالدموع. طلبت مني أن ألتقيه في سجنه: “بالله ديري بالك عليه، أستحلفك بحياتك وحياة ابنك ميخائيل”
واصلت فريال سرد روايتها: نُقلنا إلى سجن الرملة وحكم على كل منا ثماني سنوات سجن. كنا كل ثلاثة أو أربعة في غرفة والغرف منفصلة عن بعضها بعضاً. بعض الأسيرات كن يعملن مقابل أجور زهيدة. كان لدينا برامج تثقيفية ودورات تعليمية ورياضة وتمثيليات، وقد برعت الأسيرة سونيا نمر في مجال التمثيل، وأتحفتنا زكية شموط بمواويلها. وكنا نحصل على الكتب عبر الصليب الأحمر والمحامين. أذكر كتاب النقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق جلال العظم، وكتب أخرى لجبران خليل جبران ومجلات. أُفرج عني في صفقة تبادل عام 1979 بعد عاميّ اعتقال. في اليوم التالي زارتني المحامية اليهودية ليئا تسيمل. وتقاطر أهالي القرية لتهنئتي ولرؤية ما حلّ بي نتيجة الانفجار. قيل كثير من الكلام المحبط: ما الذي استفادته؟ ضيعت نفسها! في هذه الصفقة أفرج عن 76 أسيراً بينهم 12 أسيرة منهن عائشة عودة، رسمية عودة، تيريز هلسة، ريما طنوس، مريم الشخشير، إيمان الصمادي، إيمان الخطيب، سامية مصطفى، وابتسام الشمة، مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي أبرهام عميرام. أما روضة بصير وسعيد خليل رفاقي في الخلية فتحررا في صفقة تبادل العام 1985 التي أنجزتها الجبهة الشعبية -القيادة العامة- كذلك. عن الأسيرات قالت فريال: كنا أربعة وخمسين أسيرة أذكر منهن: ربيحة ذياب، ناديا الخياط، حنان امسيح، عطاف يوسف، فاطمة قنداح، وماجدة السلايمة، والهولندية ليدوين يانسن من جماعة وديع حداد، وتيري الأمريكية وهناك أسيرة فرنسية وأخريتان هولنديتان. تدخلت القنصليات في تخفيف أحكام الأسيرات الأجنبيات. في سجن المسكوبية تعرفتُ على الأسيرة فاطمة الجعفري. حين أنجبت ماجدة السلايمة طفلها فلسطين رفضت الإدارة التسمية لكنها عادت ورضخت أمام إصرار الوالدة.
عمّا خسرته من السجن قالت: شوفة أهلي وحريتي. لكن هذه ليست خسارة مقابل كسبي لنفسي وما تعلمته. لقد تعلمتُ التعاضد وأسلوب العمل الجماعي. حين كانت تعود أسيرة محبطة من الزيارة بسبب لوم أهلها لها، كنا ندعمها ونساندها ونطلب من أهلنا زيارة أسرتها. ومنحتني التجربة كثيراً من الجرأة والصراحة. كان وعي الأسيرات وصلابتهن يثير غيظ الشرطيات فتلجأ بعضهن للتنكيد علينا. كانت إحداهن تستهزء بي باللغة العبرية قائلة: (شالوم بلا عين). وتعني: (السلام أيها العوراء). كنت أرد عليها: (بعيني الواحدة أرى أكثر مما ترينه بعينيك). يوم الإفراج حشرونا -اثنتا عشرة أسيرة- في غرفة ضيقة من الصباح حتى المساء. ثم كلبشونا ونحن معصوبات العيون وكل واحدة مقيدة مع مجندة. قضينا الليل في ثكنة عسكرية، وفي الصباح نقلونا في سيارات الصليب الأحمر إلى بيوتنا. ونُقل المبعدون بالطائرة إلى ليبيا. اشترطت الجبهة الشعبية القيادة العامة أن يخرج المبعدون بلباس عسكري أو وهم يرتدون الكوفية، أفرج عنهم وهم يرتدون كوفيات. مريم الشخشير التي اعتقلت وهي في التوجيهي لم تتمكن من التعرف على بيتها في نابلس بعد عشر سنوات سجن. ماذا أقول لأهل روضة؟
عن وضها بعد التحرر قالت فريال: كنتُ مفصولة من عملي لأسباب أمنية فعملتُ في مدرسة خاصة في بيت حنينا -المدرسة النظامية-. وبتدخل الصليب الأحمر ومؤسسات إنسانية وجمعيات خيرية سافرتُ إلى فرنسا عام 1983. حزّ في نفسي أنه لم تشارك في استقبالي جهة فلسطينية رسمية -السفارة مثلاً- وأنني عولجتُ بتبرعات إنسانية كمسيحية فقيرة وليس مناضلة! اغتنمتُ فرصة وجودي في فرنسا فحصلتُ على شهادة ماجستير، لكنني لم أجد عملاً حين عدت إلى فلسطين. اضطررت للعمل في مدارس الروم الأرثوذكس ودير اللاتين في قريتي الطيبة. في العام 1984 تزوجتُ، تأخرتُ في الحمل فدارت أسطوانة اللغو: (بكفيش إنها سجينة وعورة، كمان بتخلفش). بعد ثلاث سنوات أنعم الله عليّ بحبيبة قلبي نبال. ورغم وفاة زوجي المبكرة بنيتُ بيتاً، تخرجت نبال من الجامعة، وتزوجت وزينت حياتي بحفيديّ الجميلين غازي وحنا.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا

2020-05-22