من أوراق كتابي (المنسيون) .2!

ابو علاء منصور.

امرأة من صُوّان.

قالت الأسيرة المحررة إيرينا المولودة في مدينة نيكولاشيف بأوكرانيا عام 1977، والتي ترعرعت في كنف والديها نيكولاي مهندس السفن وفلنتينا طبيبة الأطفال: في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي عمت الفوضى بلادنا وانتشرت المخدرات وعصابات الإجرام، فأضحت الهجرة حلماً. في صيف العام 1996 أنهيت الثانوية العامة، وسافرتُ في رحلة سياحية لزيارة الأراضي المقدسة في إسرائيل، حتى ذلك الحين لم أكن سمعتُ بفلسطين، فقد أزيل الإسم من الخرائط منذ إقامة دولة إسرائيل. في اليوم قبل الأخير لانتهاء زيارتي التي استمرت أسبوعين، هبطتُ إلى البلدة القديمة في القدس لشراء هدايا لأبناء عائلتي وأصدقائي. كنتُ أجادل صاحب محل تجاري حين هبّ شاب فلسطيني وساعدني، ثم دعاني لتناول الفلافل في مطعم بباب العمود. عرّفني على نفسه -إبراهيم سراحنة- وأباح لي بأنه أُعجب بي ويرغب بزيارة أوكرانيا. راقت لي شخصية الشاب الثلاثيني وأنه رجل أعمال. في اليوم التالي ودّعني في المطار وأهداني جاكيت جلد، وزودته برقم هاتفي الأوكراني. بعد مدة أبلغتني والدتي أن شخصاً يتكلم الإنجليزية اتصل وسأل عني. أسبوع وكنتُ ووالدتي بانتظار إبراهيم في المطار واستضفناه في منزلنا، وعلى مدى شهر جلنا مناطق سياحية، وأبلغني أنه يرغب بخطبتي. أكبرته حين صارحني بأنه متزوج ولديه ولدان وابنتان. وافق والدي أما والدتي فاشترطت أن نسكن في أوكرانيا. كذبتُ وقلت أننا سنفعل ذلك. احتفلنا بزفافنا والتحقتُ بالجامعة، وأنجبت ابنتي ياسمينة. أنهيتُ دراستي الجامعية وانتقلتُ إلى فلسطين. قدم لي إبراهيم معاملة لم شمل، ولأنه يحمل هوية مقدسية فقد تنقلنا في السكن بين القدس وتل أبيب، وتعلمتُ اللغتين العبرية والعربية. وقت قصير واندلعت انتفاضة الأقصى، وجرى اجتياح بيت لحم وحصار كنيسة المهد. بهدف تغيير الجو حجزنا في فندق -الشمس- في حي بات يام لثلاثة أسابيع. أبلغني إبراهيم أننا سنساعد شباناً في الوصول إلى ريشون لتسيون، أنهم سيسيرون خلفنا بسيارتهم. حملتُ ابنتي غزالي -عام ونصف- وفي الطريق افترقنا عمن ساروا خلفنا وواصلنا السفر إلى بات يام. وضعنا أمتعتنا في الفندق ونزلنا للتسوق. اشترينا ملابس وأدوات سباحة، فنحن في بداية فصل الصيف، وبعد خمسة أيام، في السابع والعشرين من شهر أيار سأحتفل بعيد ميلادي. في المساء استقبل إبراهيم اتصالاً تلفونياً فقال لي: (سنعود إلى ريشون ليتسيون لإعادة فتاة من هناك إلى بيت لحم ثم نعود إلى الفندق). بدت الفتاة المقصودة حين التقطناها من الشارع مرعوبة وفي غاية الارتباك، كانت ترتدي شورت وتضع على وجهها مكياج بصورة مبالغ فيها، وتريد معرفة كل شيء عنا. ظهر اليوم التالي دهمتنا الوحدات الخاصة الإسرائيلية في الكنيون، وانهالوا علينا ضرباً مبرحاً واعتقلونا. فقدتُ وعيي ولم أستفق إلاّ في سجن المسكوبية بالقدس. ما الذي جرى؟ لماذا؟ أين طفلتي وزوجي؟ في التحقيق عرفتُ أن سيارة أصدقاء إبراهيم كانت تقل شاباً وفتاة من كتائب شهداء الأقصى، وأنهما قصدا تنفيذ عملية استشهادية مزدوجة في ريشون ليتسيون. فجّر الشاب نفسه فقتل ستة إسرائيليين وأصاب أربعين، أما الفتاة فتراجعت واتصلت بمن كلفها بالمهمة طالبة إعادتها إلى بيت لحم، ولما خشيت من اتهامها بالجبن، تخيلت أن خلاصها في تسليم نفسها للجيش الاسرائيلي. ربما أن زوجي كان يعرف بما تنويه المجموعة؟ لقد ضحى بي وبطفلتنا؟

بكت إيرينا: بعد خمس وثلاثين يوماً نقلتُ إلى سجن الرملة، ولأنني روسية وأتكلم العبرية ولا أعرف شيئاً عما جرى، لم تصدق الأسيرات روايتي، ولم تنفعني رسائل دعم كريم يونس ومروان البرغوثي. حكمتُ ثلاثة أعوام ونصف، وحكم زوجي ستة مؤبدات وأربعين عاماً، وحكم شقيقاه خليل وموسى مؤبد وعشرون عاماً لكل منهما. قبل ثلاثة عشر يوماً من الإفراج عني استأنف النائب العام الحكم فحكمتُ عشرين عاماً. في السجن كنت ألتقي زوجي ساعتين كل ستة أشهر، في زنزانة وبوجود مجندة. واعتادت والدتي وابنتي ياسمينة زيارتي مرتين في العام، في العطلة الصيفية وعيد الميلاد، وكانت طفلتي غزالي تزورني برفقة جدتها والدة زوجي. بعد تسعة أعوام ونصف أفرج عني في صفقة وفاء الأحرار بشروط مقيدة: عدم مغادرة بيت لحم لثلاث سنوات، ومنعي من زيارة زوجي سبع سنوات، ومن السفر للخارج عشر سنوات. بعد خمس سنوات من تحرري اكتشفتُ أنني مصابة بالسرطان -ارتفاع في صفائح الدم- ويوم السادس من شهر كانون الثاني عام 2019 دفعتُ لسائق سيارة خمسمئة شيقل لإحضار والدتي وابنتي من المطار وكانتا قادمتين من أوكرانيا، لكن جهاز الشاباك أعادهما، ومنعهما من دخول البلاد لخمس سنوات قادمة.

أضافت بأسى: لم تتفهمني الأسيرات، وتصرفت معي السجانات من أصول روسية كخائنة، وضغط عليّ المحققون للتعامل معهم. لكن أكثر ما آلمني قسوة الأسيرات! قضيتُ عامين في سجن الرملة ونقلتُ إلى سجن الشارون. حالة رعب! إن ذهبت أسيرة للطبيب اشتبهت بها زميلاتها، وإن تأخرت في المحكمة كذلك! سجن فوق سجن. الآن أحاول تعويض ابنتي غزالي ونفسي عما خسرناه، لقد حرمتُ من لمسها ومن احتضانها وتمشيط شعرها وإعدادها للذهاب إلى المدرسة، أجتهد لملئ الفراغ العاطفي عند كلينا، عملية أعيد فيها بناء نفسي وشخصية ابنتي. قبل موعد الزيارة بأسبوع كنتُ أقضي الليالي وأنا أتخيلها: كيف شعرها؟ ماذا أشتري لها؟ ماذا ستقول لي؟ كيف ستستقبلني؟ كيف أصبح شكلها؟ كيف عملت في امتحاناتها؟ وفي كل زيارة كنتُ أجهز لها ولصديقاتها هدايا من أعمالي اليدوية، وأشتري من الكانتينا شوكلاتة، بسكوت، كورن فلكس، ومكسرات. كانت بعض زميلاتي يلمنني: كل شيء موجود في الخارج. كنتُ أريد أن أُفرحها وأن تقول لصديقاتها: هذه هدية من ماما. كنتُ أريد أن أعطي حباً لطفلتيّ! إنني ممتنة لشرطية من أصول روسية تعاطفت معي، وفتحت الباب أحياناً لابنتيّ وسمحت باحتضانها! نعم لابنتيّ جدات يعتنين بهن، لكن لا شيء يغني عن الأم، وفي مرحلة المراهقة يحتاج الفتى والفتاة لصندوق يفرغ فيه أسراره. كنتُ أريد أن تكبر ابنتاي بعيداً عن عقدة الفقد والغياب. أن لا يمرضن بمشاعر الغربة، وأن يكن فخورات بأمهن إيرينا سراحنة. مع الأسف استخدمت بعض الأسيرات حوائج الأطفال لتهريب كبسولات وشرائح هواتف فألحقن أضرار بالغة بأمهات حرمن من احتضان فلذات أكبادهن.

من أي نبع تستمد إيرينا قوتها فتبتسم؟ أي طاقة إنسانية تملك وهي تأتي من بيت لحم لزيارة رفيقة سجنها عبير في رام الله محملة بالهدايا: طنجرة محشي كوسا وورق دوالي، حرام، مكسرات، باقة أزهار، ووو. تأتي ومعها ابنتها غزالي وقطتهما عزيزة. إيلينا وعبير تقطران إنسانية ونبلاً، لكنهما غارقتان في بحر ألم. في كليهما طاقة داخلية هائلة وموهبة فذة من جهة، وهموم متراكمة من جهة ثانية. سألتُ إيرينا عن المصادر التي تستلهم منها قوتها فقالت: لدي إيمان، وأستمد قوتي من ابنتيّ، لا أريد أن أنكد عليهن، هذه مسؤولية وهما أمانة في عنقي مع ذلك أنا لستُ جبلاً. أحلم بإيصالهما إلى أعلى الدرجات. رفعت غزالي رأسي حين حصلت على معدل 92% في الثانوية العامة، آمل أن أراها محامية شهيرة.

في السنوات الأخيرة أضحت دمعتي -أبو علاء منصور- قريبة للغاية! أهو تقدم العمر أم النضج الإنساني أم الكتابة في النواحي الإنسانية القاسية؟! لكني مع إيرينا وجدتُ نفسي متماسكاً! لقد شحنتني بقوتها الاستثنائية! كانت الابتسامة العريضة تملأ وجه السيدة التي قضت سنوات طويلة من زهرة شبابها في السجن، محرومة من ابنتيها وزوجها المحكوم مؤبد. كيف واجهت هذه الأهوال وبقيت تقف على رجليها! امرأة جبارة تجاوزت ألمها بفولاذ وعيها ومتانة روحها. تنهدت إيرينا وقالت في نهاية اللقاء: ألمي ليس من السجن والسجان. ألمي من رفيقاتي اللواتي لم يفهمنني ولم يراعين غربتي. ثم إنني غاضبة ممن اعترفوا عليّ من الشباب لمجرد أنهم رأوني في بيتي، لماذا قالوا أنني معهم في التنظيم؟ أضافت: السجن غابة! نأكل بعضنا بعضاً ونتظاهر في الشعارات كأبطال! انفصام.

عن وضعها بعد التحرر قالت: أتقاضى راتب عقيد في الأمن الوطني. استخرجتُ رخصة قيادة واشتريتُ سيارة بالتقسيط. مشكلتي أنني لا أملك هوية وكذلك ابنتاي. الآن أسكن أنا وغزالي في مخيم الدهيشة، ضُرتي في الطابق السفلي ونحن في الطابق العلوي. حين ارتبطتُ بإبراهيم تخيلتُ أن أحلامي تحققت، السفر وتعلم اللغات والعيش في الخارج وزوجي يحبني. ست سنوات هناء مع إبراهيم وقطع السجن حبل أحلامي. أشعر بالوحدة والغربة، لكنني لا أطلب مساعدة. فقط أريد من يفهمني. تكاد أن تقتصر صداقاتي على الأسيرات، ليس لأننا تجرعنا معاً مرارة السجن، إنما لأن حياتنا اليوم متشابهة. نعم فرحتُ بتحرري لكن كل شيء يُذكرني بالسجن. الفراش، اللباس، الأكل وكل شيء. أنت في الخارج وعقلك في السجن. حين تحررت كان عمر بناتي 11و13 سنة، في هذا العمر تحتاج الفتاة إلى أم تشحنها بالحنان. أنا لا أشعر بالندم ولا بالفخر بهذه التجربة.

قالت الأسيرة المحررة عبير عودة ونحن نتناول الغداء في منزلنا برفقة زميلتها في الأسر إيرينا وابنتها غزالي طالبة الحقوق بجامعة بيت لحم الأهلية: ماذا لو لم تلتق إيرينا بإبراهيم سراحنة في تلك الظهيرة؟ ماذا لو لم يهبّ لمساعدتها؟

مع تحيات ابو علاء منصور

يتبع غدا

2020-05-21