يوم خسِر جدّي قريته الفلسطينيّة..!

تعريب: لينا الحسيني.
تعرّضت قريةٌ فلسطينيةٌ، صغيرة وجميلة تسمى بيت دراس لهجمات المليشيات الصّهيونية في شهر آذار من عام 1948.
بعددٍ قليلٍ من البنادق القديمة وسكاكين المطبخ، قام أهل القرية بصدّ الغارة الأولى والثّانية، إلّا أنّ الهجوم الأخير على القرية المسالمة بعد اعتماد استراتيجيّة الأرض المحروقة، خلّف عشرات الشهداء والجرحى، وتسبّب بهروب أهل القرية بأكملها.
من بين آلاف الفلسطينيين الذين تمّ تطهيرهم عرقيًا في بيت دراس، كانت عائلة مكوّنة من ستّة أفراد، من بينهم رضيع، أخذت بعض البطانيات القديمة وبعض الإمدادات وذهبت للبحث عن مكان آمن، على أمل العودة إلى منازلهم في غضون أيامٍ قليلة. ما يقرب من مائة من ذريّتهم لم يعودوا بعد إلى بيت دراس منذ 72 عامًا.
“لماذا تريدين نقل الأغطية الجيّدة على ظهر حمار، وتلويثها بالتراب، بينما نعلم أن الأمر سيستغرق أسبوعًا أو نحو ذلك قبل أن نعود إلى بيت داراس؟” قال محمد لزوجته القلقة زينب. بعد سنوات عديدة، كرّرت الجدة زينب هذه القصّة بضحكة، وهزّ الجد محمد رأسه بمزيج من الحرج والحزن.
لا يمكنني تحديد اللحظة التي اكتشف فيها جدي، ذلك الرجل العجوز الجميل ذو اللحية البيضاء الرّقيقة والسلوك المتواضع، أنّ “بطانياته الجيدة” قد اختفت إلى الأبد، وأنّ كلّ ما تبقى من قريته كان ركيزتان من بيت مهدّم وأكوامٌ من الصّبار.
بيت دراس كانت واحدة من بين ما يقرب من 500 قرية فلسطينية تمّ تطهيرها عرقيًا وتسويتها بالكامل خلال سنوات الحرب 1947-1949.
بالنّسبة للصّهاينة، كانت بيت دراس مجرّد تلّة تمّ غزوَها!
لم يتعب أجدادي من استعادة ذكرياتهم في قريتهم الحبيبة. كثيرًا ما سخر جدي من نفسه لأنّه فشل في فهم عمق مأساته، من خلال إصراره على حماية “البطانيات الجيّدة”، على أمل العودة.
أتذكره مسندًا الراديو إلى أذنه، منتظرًا خبرًا طال انتظاره: “إلى أهل بيت دراس: تمّ تحرير أراضيكم، عودوا إلى قريتكم”
توفي جدي، والراديو مستلقٍ على الوسادة بالقرب من أذنه علّه يعلن الخبر الذي انتظره طويلاً.
لقد فهم حرمانه باعتباره خللاً بسيطًا في وعي العالم ومن المؤكد أنّه سيتم تصحيحه وتصويبه في الوقت المناسب.
لم يكن مدركًا توازنات القوى والجغرافيا السياسية الإقليمية أو غيرها من الأمور التافهة.
رفض رفضًا قاطعًا قبول أي نقاش من شأنه اعلان الطلاق الأبدي مع الماضي الذي شكّل كيانه. بالنسبة له، كان التفريط ب”البطانيات الجيٌدة” يعني نهاية الأمل ونهاية الإيمان ونهاية الحياة.
(من مقالٍ نُشر بالإنكليزيّة للكاتب والصّحفي الفلسطيني الدكتور رمزي بارود/ الصّورة لقرية بيت دراس يوم احتلالها)
#Nakba72

Bilden kan innehålla: en eller flera personer, utomhus och natur

‎2020-‎05-‎17