لاءات إيران النووية .. و طلقة أردوغان الأخيرة

المهندس : ميشيل كلاغاصي

 

منذ عامين و الملف النووي الإيراني يحتل صدارة العناوين .. و تقلّبت صفحاته على نار ٍ هادئة تارة ً , و على أتون ٍ ملتهب ٍ تارة ً أخرى .
بالتأكيد هو الملف القديم – الجديد .. فعمره يزيد عن ثلاثون عاما ً , و لطالما شكّل تحقيقه هاجسا ً للإيرانيين , فقد بدأ العمل به منذ عهد الشاه , و تعثّر إبان الثورة الإسلامية .. و تابع طريقه عبر مسيرة صعبة , عانت فيها الأمة الإيرانية صعوبات ٍ جمة .
لقد دفعت إيران أثمانا ً باهظة كي تصل عبره إلى امتلاك الطاقة النووية السلمية , متابعة ً تقدمها العلمي و بنائها الذاتي المتطور .. و لا يستطيع أحدا ً أن يعتبره منة ً أو امتيازا ً و قد مُنح لها .
و ها نحن اليوم نقف في اللحظات الأخيرة و الحاسمة لتوقيعه , على إيقاع حروب المنطقة و اجتياح الإرهاب المنظم للعديد من دول الشرق الأوسط .. تداخلت ملفاته و كثُرت ارتباطاتها بتعقيدات ملفات المنطقة .. و للحظات ٍ كثيرة شعر البعض أن الحلم سينتهي , بفضل التاّمر الخليجي – الإسرائيلي كتحالف ٍ شيطاني أدى إلى إحداث شرخ ٍ كبير في أولويات المنطقة و تحالفاتها , لدرجة أصبح فيها أعداء الأمس أصدقاء اليوم .. و تخلّى بعض العرب عن عدائهم لإسرائيل و استبدله بعدو جديد ألا وهو الدولة الإسلامية الإيرانية .
فقد سقطت أقنعة المال و الحقد و النسب , و أثبت البعض صهيونيته أكثر من الصهاينة أنفسهم .. و لولا سورية و بعض شرفاء المنطقة من شعوب ٍ و أحزاب و قيادات و شخصيات عربية ممن يحملون الهم القومي للأمة العربية , لنسي العرب صراعهم مع العدو الإسرائيلي و حولوه إلى تحالف ٍ معه ضد الدولة الإيرانية .
و هناك من يعتقد ارتباط الملف الإيراني بالحرب على سورية .. و يعتبر أن مراحل التفاوض مرت بأخاديد الحرب و خنادقها .. و خضع ملفها برمته إلى المساومات و التسويات و نتائج الحرب .. لكننا نعتقد أن الحقيقة تبقى غامضة , وتحتاج لسنوات ٍ كي تصبح متاحة للجميع .
و بالرغم من كل الصعوبات و التحديات , حافظت إيران على علاقتها الاستراتيجية بحلفائها , و تعاونت معهم في تشكيل محورا ً مقاوما ً مركزه قضية فلسطين , و رأس حربته سورية .
لقد خضع ملف إيران النووي للتدويل و تدخلت فيه الدول العظمى , و تم تشكيل مجموعة من دول الدائمة العضوية , لتكون الطرف المقابل في اتفاق ٍ أممي يفرض شروطه وفق موازين القوى في المنطقة و العالم .
تعثرت المفاوضات مرارا ً لكن إيران كانت دائما ً تتحلى بالحكمة و التأني , مدعومة ً بالمستوى العلمي الباهر لعلمائها , وربحت أغلب الجولات العالقة .. و أصبح الهاجس الدولي و خاصة ً الأمريكي , القبول بالتوقيع اليوم , و الذي يعتبر أفضل منه في الغد .
اقتنع الطرف الأمريكي .. وواجه الصعوبات في إقناع شركائه و حلفائه في المنطقة , و لم يستطيع تبديد مخاوف الإسرائيليين و السعوديين – خاصة ً – و حدث شرخ ٌ – ظاهري – فيما بينهم , على الرغم من التأكيدات الأمريكية في كل مناسبة على ضمان أمن إسرائيل .
أخيرا ً تم الإتفاق المبدئي و حُدد موعد التوقيع في نهاية حزيران 2015 .. مرت الأيام سريعة ً و جاءت اللحظات الحاسمة .
إذ أصبح الإتفاق شبه منجز , و طبعت مسودته في 20 صفحة , و تمت صياعتها .. في حين اقتصرت نقاشات اليوم الأخير على بعض تفاصبل ملحق الإتفاق .
ظهرت بعض العراقيل التي وضعها الأمريكان .. لكن الإيرانيون تسلحوا ب " لاءات " مرشد الثورة الإيرانية .. و التي لن بكن بمقدور أي مسؤول إيراني الخروج عنها .. و تمثلت ب :
1- لا لتأخير رفع العقوبات و بشكل كامل .
2- لا لتفتيش المنشاّت العسكرية و الأمنية الإيرانية .
3- لا لإستجواب العلماء النوويين الإيرانيين .
و يشعر الإيرانيون أن الهدف من أغلب المطالب الدولية تُخفي تحتها الرغبة في التجسس على أنظمة الدفاع الإيرانية , أكثر منها ما يتعلق بضمان التزام إبران بالإتفاق النووي .
إن وصول علي أكبر صالحي و محمد جواد ظريف و حسين فيدون , و الوزير لافروف .. البارحة إلى فينا , أعطى المؤشر على إمكانية التوقيع الفورية .
و لكن ما حصل و بشكل مفاجىء هو الإعلان عن تأجيل التوقيع ل \ 7 \ أيام , و على وقع تصريحات كيري ليلة 29 \6 " أنه من المبكر القول أن المفاوضات ستنجح " , وسط تأييد رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية " يوكيا أمانو " .
في حين صرح ظريف " أن المحادثات بلغت مرحلة ً حساسة , و يمكن للإتفاق أن يتم " .. أما لافروف فقد أكد أن الإتفاق يسير بالإتجاه الصحيح , و أن التوقيع النهائي مسألة ٌ اجرائية .
في الوقت الذي تحدثت تسريبات عن صفقات سرية حول الملف السوري .. أما على الجانب الإسرائيلي فتعالت تهديدات رئيس هيئة الأركان .. الذي سارع إلى تعيين فريقا ً لدراسة الخيار العسكري إزاء إيران .
يبدو أن إيران قد حصنت موقعها التفاوضي كما يجب و لا يضيرها أن تتراجع خطوات صغيرة هنا أو هناك , في تفاصيل الإتفاق .. على طريق الوصول إلى هدفها و غايتها .
في حين ربط البعض مهلة ال \ 7 \ أيام , بالتحرك العسكري التركي في الشمال السوري لفرض منطقة عازلة .. بحجة تأمين الحدود التركية ضد داعش , و اعتبر البعض أن هذه المهلة بمثابة الطلقة الأخيرة لتركيا – أردوغان , الذي لم يأن جهدا ً في استعراض عضلاته و ارساله عددا ً من الدبابات الى الحدود .. وسط تصريحات مجلس الأمن القومي التركي بوضع دراسة إمكانية تنفيذ عملية عسكرية و فرض المنطقة العازلة .
أما واشنطن فلم تكن يوما ً مهتمة بمصالح أو أطماع أردوغان .. و قللت من قيمة التحركات التركية , و خرجت اليوم بقرار صادر عن البنتاغون و الجيش الأمريكي و قوات التحالف الدولي لا ترى من خلاله ضرورة لإنشاء منطقة عازلة في سورية .. فمن غير المعقول للإدارة الأمريكية , أو لأي طرف ٍ دولي أن تسمح لرئيس ٍ هو في حالة موت ٍ سريري سياسي .. أن يفرض هكذا وضع خطير و ما سيترتب عليه لاحقا ً , و أن الإطاحة أو الدفع بإقامة " الدولة الكردية " لا يخضع لرغبة أردوغان .
و يبقى للسيد " المجرم " أردوغان أن يستخدم طلقته الأخيرة و الوحيدة على طريقة السيد هتلر .

1\7\2015