لمصلحة من يتم تجاهل التلوث الاشعاعي في العراق؟؟

(حول تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئه لتقييم المناطق الملوثة في العراق)

اعداد عزام محمد مكي.

Uruk34@ntlworld.com

www.duiraq.org

الجزء الاول

—————————

“انا أُقف بقوة الى جانب استخدام الغازات السامة ضد الاقوام الغير متحضرة. ان التأثير المعنوي سيكون جيدا …. وسوف تؤدي الى نشر رعب واضح” ( ونستون تشرشل معلقا على استخدام بريطانيا للغازات السامة ضد العراقيين بعد الحرب العالمية الاولى.)33

“اذا قاموا بتشغيل اجهزة الرادار التي لديهم فسنقوم بضرب صواريخ سام اللعينة التي بحوزتهم( صواريخ ارض- جو). انهم يعرفون باننا نملك بلدهم. نحن نملك سمائهم……. نحن نقرر لهم الطريقة التي يعيشون بها ويتكلمون. وهنا تكمن عظمة اميركا الراهنة. انه شئ جيد خاصة بوجود الكمية الهائلة من النفط عندهم والتي نحن في حاجة لها”( تعليق الجنرال الامريكي وليام لووني على عمليات القصف التي كانت تشن على العراق في أواخر التسعينات والذي كان يقودها. مقابلة مع الواشنطن بوسط / آب 1999)31،32

” في بداية القرن الماضي كانت الفلبين بالنسبة لنا محطة الوقود لاسطولنا البحري التي ساعدتنا لان نبقي على تواجد كبير في المحيط الهادئ. وهذا هو بالضبط المطلوب الان من العراق ان يصبح للعقود القادمة من السنين، محطة الوقود التي ستسمح بتواجد كبير لنا في منطقة الشرق الاوسط”( الجنرال الامريكي جاي غارنر- حاكم العراق الاول بعد الغزو- في مقابلة مع مجلة ذي ناشونال 2004 ، يقارن بين الاهداف الامريكية في العراق والقواعد العسكرية الامريكية في الفلبين)3

———————————

استعراض سريع للتقرير

بمشاركة وزارة البيئة العراقية وبتمويل من الحكومة اليابانية قام برنامج الامم المتحدة بادراة وتنفيذ مشروع دراسي لتقييم المناطق الملوثة في العراق. وبعد عمل استغرق الفترة من كانون ثاني 2004 الى تموز 2005 تم اصدار التقرير الخاص بنتائج المشروع.

في تقديمه للتقرير يبين المدير التنفيذي لبرنامج الامم المتحدة للبيئة، بان الوضع البيئي في العراق يمثل تحدي كبير. حيث اتضح منذ الزيارة التقييمية لفريق الامم المتحدة الحاجة الى تقييم عاجل لمستوى التلوث الناجم في بعض المناطق الصناعيه، ويؤكد على ضرورة اتخاذ الاجراءات العجلة لاحتواء الكميات الهائلة من المواد الكيمياوية السامة والمتروكه بدون رقابة او حراسة.

ادناه استعراض لأهم ماجاء في التقرير.

من ملخص التقرير يتضح بان المشروع التقييمي شمل تحديد المناطق التي يحتمل وجود تلوث بها بالاضافة الى بناء الامكانيات المادية والبشرية لاجراء الفحوصات الموقعية والتقييم التفصيلي لخمسة مواقع تعتبر ذات اولوية بالاضافة الى التقييم الاولي لتلوث التربة في العراق ككل .

فبسبب الظروف الامنية، يقول التقرير، لم يستطيع اي من خبراء الامم المتحدة السفر للعراق للقيام بالعمل الميداني، لهذا تم ادخال ممثلين عن وزارة البيئة العراقية وعن بعض الوزارات الاخرى دورات تدريبية مكثفة في عدد من البلدان ومن ضمنها الاردن والمملكة المتحدة.

لقد كان امام وزارة البيئة العراقية خمسين موقعا لتأخذها بالاعتبار من اجل دراسة وتقييم التلوث الذي تعاني منه نتيجة الحرب التي شنت في عام 2003. لكن الوزارة واخذا بمبدأ الاولية اختارت خمسة من هذه المواقع. معظم هذه المواقع تقع في محيط بغداد.

واولى هذه المواقع هو مرفق القادسية لطلاء المعادن. يقع هذا المرفق على مسافة 30 كم جنوب بغداد على منطقة منبسطه بين دجلة والفرات. لقد كان هذا الموقع مجمع لتصفيح المعادن وصناعة الآلات بالاضافة الى صناعة الاسلحة الصغيرة. بسبب القصف الذي تعرض له الموقع خلال الحرب في 2003، وطريقه تفكيكه العشوائيه تحول الموقع الى مجمع للنفايات الخطرة والمبعثرة بدون مراقبة او حماية من الدخلاء. ومن اخطر هذه النفايات هي سيانيد الصوديوم التي قدرت كمياتها بعدة اطنان. تعتبر هذه المادة ذات سمية عالية حتى على مستوى 1 غم. لقد قدرت كمية تنظيف هذا الموقع ب 900 الف دولار.

الموقع الثاني الذي تمت دراسته هو مستودع خان ضاري للبتروكيمياويات والذي يقع على بعد 30 كم غرب بغداد. لقد وجد ان المستودع يحتوي على آلاف الاطنان من المنتجات البتروكيميائية. خلال آذار 2003 تعرض الموقع لعمليات تخريب بالاضافة للحريق الذي حصل فيه. لقد وجد التقرير بانه نتيجة التخريب والحريق حدثت اضرار كبيرة للبراميل التي تخزن بها هذه المواد الكيمياوية، مما ستوجب تهديم البنايات المتضررة وازالة البراميل المتضررة قبل بدأ عملية التشغيل.

ان موقع عويريج، وهو الموقع الثالث، فهو يقع في منطقة سكنية تبعد 15 كم جنوب بغداد. لقد اصبح هذا الموقع منذ عام 2002 المستودع الرئيسي لمخلفات الحرب، من اسلحة ومعدات عسكرية مدمرة. تشمل هذه هذه المخلفات( الخردة) المئات من المواد التي تمثل خطوره كبيرة، من دبابات وصواريخ وغيرها من المواد القابلة للانفجار، ومواد كيمياوية اخرى، مما يجعل هذا الموقع مصدر خطر حقيقي على السكان والعاملين في الموقع. وينصح التقرير بضرورة ان تكون عملية ازالة المخلفات العسكرية منفصلة عن عمليات ازالة بقية المخلفات.

اما الموقع الرابع وهو مجمع مستودعات الصويرة للمبيدات الزراعية، فقد كان يستخدم لمدة اكثر من 30 سنة لخزن ومزج مختلف انواع المبيدات الزراعية الحاوية على مركبات الزئبق والزنك والكالسيوم بالاضافة الى مركبات حاوية على فوسفات وكلوريد اوركانو مثل د.د.ت وغيرها. في آذار 2003 تعرض الموقع الى التخريب مما ادى الى اضرار لحقت بالحاويات مما ادى الى انتشار المبيدات. مع ذلك يوضح التقرير بان الخطر الناجم من هذا الموقع قليل بسبب وجود الحراسة.

واخيرا مجمع مناجم المشراق للكبريت جنوب الموصل. يعتبر هذا المنجم واحد من اكبر مناجم الكبريت في العالم. في حزيران اندلع حريق هائل في المنجم ادى الى احتراق مامقداره 300,000 طن من مخزون الكبريت. حسب التقرير لايشكل المنجم في وضعه الحالي اية خطر على الصحة العامه، ولكنه يدعو الى ضرورة تطوير المنجم للتمكن من اعادة تشغيله.

بالاضافة الى المواقع السالفة الذكر، يتطرق التقرير الى التركة الثقيلة من المواقع الصناعية والعسكرية التي تعاني من نسبة تلوث كبيرة والتي لازالت تشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة. تشمل هذه المواقع تلك التي كانت مسرح للعمليات العسكرية، او الترسانات العسكرية التي كانت هدف للتدمير او مواقع الصناعات النفطية. ويشير التقرير الى النقص الملحوظ للمرافق الخاصة والمصممة للكشف ومعالجة المناطق الملوثة.

الكلفه المقدره لمعالجة التلوث

يقدر التقرير كلفة الاجراءات اللازمة لمعالجة التلوث وتقليل المخاطر الناجمة عن وجود النفايات الخطرة في المواقع الأسؤ حالا بما مقداره 40 مليون دولار، تشمل اقامة مرافق لمعالجة النفايات (22 مليون دولار)، ادارة الصناعات النفطية للمواقع الملوثة التابعة لها (10 مليون دولار) وغيرها. ويحدد التقرير الاجراءات العاجلة والمستوجب اجرائها على صعيد المناطق ذات الاولية، ومن ضمنها نقل نفايات السيانيد من موقع القادسية وخزنها بشكل امين، أزالة التلوث من مستودعات الصويرة بالاضافة الى تطوير الامكانيات اللازمة للكشف عن مناطق التلوث الاخرى ومعالجتها.

هذا هو ملخص لما جاء في تقرير الامم الام المتحدة الذي اشار ايضا الى وجود خطة لانجاز التوصيات التي نص عليها التقرير والمفترض ان يبدأ العمل بها من ايلول 2005.

مع التقدير الكبير للجهود الكبيرة التي بذلت لانجاز هذا التقرير من قبل فريق الخبراء العراقيين(30 خبير)، مع ذلك اجد من اللازم من اثارة التساؤلات التالية:

فبحسب التصريح الصحفي لبرنامج الامم المتحدة للبيئة، فأن المواقع الخمسة التي تم تشخيصها من اجل التقييم الميداني، هي في الحقيقة جزء من الارث الثقيل للتلوث الذي خلفته الحروب التي شنت على العراق وآخرها حرب 2003. انها في الواقع لاتمثل سوى قمة جبل الثلج العائم في البحر. فالسؤال هنا قد يدور عن المعايير التي تم بموجبها اختيار هذه المواقع.

ماهي المعاييرالمستخدمه

فبعد آذار 2003 قام برنامج الامم المتحدة للبيئة بدراسة الوضع البيئي للعراق واصدر على ضؤ هذه الدراسة تقريره في تشرين ثاني 2003. في هذا التقرير تم تحديد المناطق ذات الاولية بالنسبة الى مستوى التلوث الحاصل بها والتي شملت موقع المشراق، مجمع القعقاع، مجمع التويثة للابحاث الذرية، مصفى الدورة بالاضافة الى قطاعات صناعية اخرى حدث فيها تلوث مثل مصانع الاسمنت ومخازن المبيدات. فمن خلال قراءة هذا التقرير يتبادر الى الذهن عن سبب عدم اعطاء الاولية الى تلك المواقع ذات الخطورة العالية مثل مجمع التويثة للابحاث الذرية.

مجمع التويثة للابحاث الذرية

ان الذي جرى في مركز التويثة بعد آذار 2003، اثار مخاوف الكثير من الجهات المهتمة بالبيئة بالاضافة الى الامم المتحد ومنظمة السلام الاخضر العالمية. يمتد المركز على مساحة تقدر ب 50 كم2 ويحتوي على اكثر من 100 بناية. يشمل النشاط في هذا المجمع على عدد من المفاعلات النووية، عمليات فصل البلوتونيوم بالاضافة لعمليات تخصيب اليورانيوم وغيرها من الانشطه النووية. وقد قدر خبراء وكالة الطاقة الذرية العالمية، الذين زاروا المركز في 7 حزيران 2003، كمية المواد النووية التي يحتويها المركز ب 1.8 طن من اليورانيوم قليل الخصوبة و500 طن من اليورانيوم الخام. يقول تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئة، الآنف الذكر، بانه بعد ان اصبح العراق تحت سيطرة قوات التحالف، فشلت هذه القوات بتأمين الحماية الضرورية لموقع التويثة، مع وجود امكانية كبيرة لحدوث تلوث اشعاعي يشمل المناطق المحيطة.

ففي نيسان 2003 وبعد عمليات التخريب التي حصلت للمركز، تم احاطة وكالة الطاقة الذرية العالمية بحدوث هذه العمليات والتي شملت حاويات اليورانيوم، وتم تسجيل مستوى اشعاع عالي في مناطق مجاورة للمركز. كما وجد ان الكثير من الحاويات اما مفقودة او تم تفريغ محتوياتها. كما وجدت مساحات واسعة من الموقع وقد غطيت بمركبات اليورانيوم. لقد تبين بعد ذلك بان الذين سرقوا البراميل استخدموها للاغراض المنزلية (خزن الماء والغذاء) وذلك بعد تفريغها من اليورانيوم ودفنه في اماكن مختلفة. وفي الحملة التي قامت بها منظمة السلام الاخضر، لاسترجاع هذه البراميل من الاهالي، والمقدر عددها 3000، قامت هذه المنظمة بتعويض الاهالي ببراميل نظيفة مقابل تسليمهم البراميل الملوثة. في اليوم الاول لهذه الحملة تم استلام 17 برميل، وجد بانها كانت حاوية على ما يعرف بالكيك الاصفر(يورانيوم قليل الخصوبة).

ويشير تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئة، الى الدراسة الميدانية التي قامت بها منظمة السلام الاخضر من حزيران الى تموز من عام 2003. وقد شملت هذه الدراسة السكان حول مجمع التويثة. حيث تم تسجيل مستوى اشعاعي اكثر بمائة مرة من المستوى الطبيعي المقبول. وفي احدى المدارس الابتدائية سجل مستوى للاشعاع اكثر بثلاث آلاف مرة المستوى الطبيعي للاشعاع المقبول. ويؤكد تقرير الامم المتحدة على الاهمية القصوى التي يجب ان تولى الى مجمع التويثة لما يشكله من مخاطر كبيرة على المناطق المحيطه به على صعيد الصحة العامة والامن. وقد تمت الاشارة من قبل التقرير الى الجهد المشترك والذي من المفترض انه قد تم من قبل كل من وزارتي الصحة والبيئة العراقيتين، لبحث ماتم تسجيله من وجود تأثير آني على الصحة العامة. حيث من المفترض انه قد شمل 500 من سكان المنطقة المحيطة بمجمع التويثة.

ومن المواقع الاخرى التي اولاها تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئة في 2003، الاهمية القصوى هو مجمع القعقاع الذي يقع في اليوسفية جنوب بغداد والذي استخدم لعدة عقود خلت من اجل صناعة مختلف الذخائر بالاضافة الى مواد اولية للصناعة مثل حامض النتريك والكبريتيك. و يشمل المجمع مستودعات محصنة ومكشوفة. ومع ان التقرير يؤكد على تعرض المجمع الى القصف المباشر اثناء حرب الخليج 1991، لكنه لايستطيع ان يؤكد او ينفي بان التخريب الذي حصل للمجمع في حرب 2003، كان نتيجة القصف المباشر او الغير مباشر. ولكن التقري يؤكد على الخطورة البيئية الكبيرة التي يشكلها المجمع على كل من الهواء، التربة والمياه الجوفية وذلك من خلال مايتسرب منه من اكاسيد النتروجين والكبريت ورذاذ الاحماض وغيرها من المذيبات. فقد تشكل هذه الانبعاثات مصدر تلوث كبير للتربة والمياه الجوفية. كما ادى العطل الذي اصاب مصنع معالجة المياه الى تسرب الاحماض والمذيبات والمنتجات الاخلرى الى النهر مما قد يكون سبب تلوث لمياه الشرب للمناطق الواقع اسفل مجرى النهر. يؤكد التقرير على الحاجة الماسة لاجراء مسح تقييمي للمجمع واتخاذ الاجراءات الضرورية لازالة عواقب الاضرار التي اصابت المناطق المحيطة.

ومن مصادر التلوث الكبرى والتي ابتلى بها العراق ارضا وشعبا، هو اليورانيوم ” المنضب” والذي دخل العراق من خلال الدبابات والطائرات وغيرها من اسلحة الدمارالامريكية والبريطانية، في الحرب التي شنت ضد العراق في 1991 و2003. ومن الملفت للنظر والمستغرب كذلك هو عدم تطرق تقرير برنامج الامم المتحدة للبيئة في ،2005 لهذا الموضوع رغم ان تقرير المنظمة في 2003 وضعه ضمن الاولويات التي يجب تتخذ بشأنها الاجراءات العاجلة. فيذكر تقرير المنظمة في 2003 بان كمية اليورانيوم “المنضب” التي القيت خلال حرب 1991 تم تقديرها بنحو 300 طن استقرت في البيئةالعراقية على شكل غبار ودقائق صغيرة. اما بالنسبة لحرب 2003، يقول التقرير بان السلطات الامريكية والبريطانية اقرت باستخدام ذخائر اليورانيوم “المنضب”. فقد اطلقت بابات تشالنجر البريطانية مامقداره 1.9 طن من قذائف اليورانيوم في معارك الدبابات غرب وجنوب غرب البصرة. وتعادل هذه الكمية ضعف مااستخدمته القوات البريطانية من هذه القذائف في حرب 1991. وعلى عكس وزارة الدفاع الامريكية، زودت وزارة الدفاع البريطانية برنامج الامم المتحدة للبيئة بالمعلومات الخاصة بالاماكن التي استخدمت ضدها ذخائر اليورانيوم بالاضافة للاستشارات اللازمة لاجل تقدير المخاطر الناجمة من اليورانيوم على المناطق السكنية، وكذلك مخاطره البيئية طويلة الامد. وبسبب امتناع وزارة الدفاع الامريكية عن تزويد المنظمة بالمعلومات الخاصة بكمية ذخائر اليورانيوم التي استخدمتها القوات الامريكية، والمناطق التي استخدمت ضدها هذه الذخائر تبقى هذه المعلومات مجهولة للمنظمة. ولكن المعروف للمنظمة بانه قد استخدمت كبييرة من ذخائر اليورانيوم في المناطق القريبة من المدن حيث يعيش الناس ويعملون. ولهذا يطالب تقرير المنظمة (2003) باجرائات عاجلة وملموسة لتحديد المناطق التي تم استهدافها باليورانيوم واجراء مسح صحي للسكان. وبسبب عدم وجود وعي بين السكان، للمخاطر التي يمكن لليورانيوم ان يسببها يطلب التقرير باجراءات عاجلة لتعريف الناس بهذه المخاطر وادخال الاجراءات الوقائية ومنع دخول الناس الى مناطق السكراب التي تخزن فيها الدبابات والاليات الاخرى التي دمرت اثناء الحرب.

مما تقدم يتضح بجلاء بان العراقيين يعيشون في مواجهة اخطار متعددة الجوانب من التلوث الكيمياوي والاشعاعي. فأن التركة الثقيلة من هذا التلوث المتعدد الانواع ترجع بدايتها من من الحرب العراقية الايرانية مرورا بحرب الخليج/الكويت لتصل الى الحرب الاخيرة 2003 (والتي لازالت مستمرة). وهذا ماتكلم عنه مدير برنامج الامم المتحدة للببيئه (UNEP) في مقدمته لتقرير المنظمة (2005). ولكن الشئ المستغرب حقا ويصدم كل انسان عاش في هذه الفترة هو اوردته وزيرة البيئه العراقية ( السيدة نرمين محمود)في مقدمتها لنفس التقرير المقدم. ففي مقدمتها هذه تقول الوزيرة مانصه( بان رغم قسم من التلوث الحاصل في العراق هو نتيجة الصراع ولكن القسم الاعظم راجع الى سؤ ادارة النظام السابق للمنشآة الصناعية). لمصلحة من يصدر مثل التصريح ومن جهة حكومية عراقية؟ فاي قارئ للتقرير الانف الذكر يستنتج ببساطة بان التلوث الحاصل في المواقع الخمسة المذكورة ، حصل فقط بشكل مباشر او غير مباشر نتيجة الحرب الاخير وماسبقتها. الم تكن الوزيره مطلعة على التقرير؟ قد تتضح لنا خلفية هذا التصريح اذا تذكرنا جواب جلال الطالباني، اثناء ما كان الرئيس الدوري لمجلس الحكم، لسؤال صحفي عن مخاطر اليورانيوم المنضب على الصحة العامة، حيث كان جوابه بان لاوجود لمثل هذه المخاطر وكل ما يقال عن ذلك يصب في باب الدعاية (ضد من؟). فلااعرف ان كان يوافق جلال الطالباني رئيس الجمهوريه الحالي، ان يضع في جيبه واحدة من بقايا طلقات اليورانيوم التي استخدمت. او ان يضع في احدى غرفه الخاصة واحدة من هذه القذائف تذكره بشهامة اصدقائه الامريكان. هل حاول جلال الطالباني وهو الذي دعى العلماء والاساتذة للذهاب الى السليمانية لحمايتهم، وتجشم عناء تفقد تلك المناطق التي نكبت باليورانيوم وتفقد الاطفال وهم يذوون للموت بسبب هذه المعدن الخسيس (اليورانيوم المنضب)، ام هل اطلع على ابحاث وجهود العالم الجليل د. جواد العلي في مجال مكافحة آثار اليورانيوم؟؟

ولنرجع الى تصريح السيدة وزيرة البيئة، والتي يفهم منه محاولة لتبرئة المجرم الحقيقي لماجرى ويجري لحد الآن على الشعب العراقي. في البداية لابد من التاكيد بان ادارة المنشآت الصناعية لم تكن تجري وفق المعايير المطلوبة للمحافظة على بيئة نظيفة وهذا كان ينطبق على كل مايتعلق بحياة وصحة البشر والشجر. فلم تكن هنالك وجود لآليات للتعامل مع النفايات، فنحن نعرف جيدا بان النظام السابق ورأسه كان مشغولا بادارة الحروب التي شنها نيابة عن اصحاب المصالح الحقيقية من اشعالها. كما ان الوزيرة تتناسى او تغفل الحصار الظالم والغير الشرعي الذي فرض على على الشعب العراقي لمدة تزيد عن 10 اعوام وما سببه من ايقاف وعرقلة لعجلة الاقتصاد وحرمت ابناء الشعب العراقي من ابسط مقومات الاستمرار بحياة طبيعية. في عام 1996 اقرت مادلين اولبرايت وزيرة خارجية اميركا آنذاك، بمسؤلية الحصار عن وفاة نصف مليون طفل عراقي. لقد جاء اعترافها هذا خلال برنامج على احدى محطات التلفزيون الامريكية (برنامج 60 دقيقة). لكن هذا الرقم كان في عام 1996 فكم اصبح عند انتهاء الحصار وكم اصبح الان؟؟ من المؤكد ان الحصار الاقتصادي مما سببه من نقص للمواد الغذائية وانتشار للامراض ساعدت بالاضافة الى عوامل التلوث التي نتجت من الحرب ومخلفات حرائق النفط كلها مجتمع كانت وراء العدد الهائل في الوفيات.

ولنعد مرة اخرى الى تقرير برنامج الامم المتحدة في 2005، فرغم اهمية المواقع الخمسة التي تمت دراستها وكذلك التوصيات الخاصة بها، مع ذلك فان هذه الدراسةاهملت عوامل ومواقع اخرى اعطاها التقرير الاول في 2003 اهمية اكبر.

ومن اهم هذه المواقع على الاطلاق هو مجمع التويثة للابحاث النووية بالاضافة عامل التلوث الخطير اليورانيوم “المنضب”.

مجمع التويثة للابحاث النووية

بدأ العمل في المجمع منذ ستينات القرن الماضي. يحتوي المجمع الآن على اكثر 100 بناية موزعة على مساحة تقدر باكثر من 100 كم2. يعتبر هذا المجمع قلب برنامج التسلح النووي العراقي. وقد تضمنت نشاطاته السابقة عدد من مفاعلات الابحاث، وعمليات فصل البلوتونيوم ومعالجة النفايات بالاضافة الى العمل على عدد من طرق تخصيب اليورانيوم. بعد حرب الخليج 1991، وتطبيقا لقرار مجلس الامن الدولي 687، قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بازالة كل المخزون في مجمع التويثة من المواد النووية القابلة للاستخدام في التسلح. وقد ابقت الوكالة على بقية المواد ذات الطاقة الاشعاعية ومن ضمنها اليورانيوم. وطبقا لمعاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، قامت الوكالة باخضاع مجمع التويثة لمراقبة دورية سنوية استمرت لحد كانون اول 2002. وحسب الوكالة فان مخزون المجمع من المواد النووية في هذا التاريخ متكون 500 طن من “الكيك الاصفر”* و 1.8 طن من اليورانيوم القليل الخصوبة بالاضافة الى المئات من المواد عالية الاشعاعي. كل هذهالمواد كانت محكمة الاغلاق ومختومة رسميا. في 9 نيسان 2003 وبعد ان اصبح العراق تحت سيطرة قوات الاحتلال الامريكية، لم تقم هذه القوات، وحسب القوانين الدولية، بتأمين الحماية اللازمة لمجمع التويثة ومواقع نووية اخرى عكس ماقامت هذه القوات بالنسبة المنشئآت النفطية ووزارة النفط، حيث تم تامين الحماية الفورية لها من قبل هذه القوات. ولاداعي للتذكير هنا، بان السبب المعلن من قبل الحكومتين الامريكية والبريطانية وراء غزوهما العراق كان البحث عن اسلحة الدمار الشامل!! وياللمهزلة ان يترك المكان المفترض انه كان مركز برنامج التسلح وهدف اساس وراء شنهم الحرب النووي، عرضة للتخريب وتركز القوات الامريكية حمايتها الى حيث النفط الذي تدعي اميركا بانه ليس ضمن اهدافها في الحرب.

لقد اصبح معروفا بانه بسبب عدم توفر الحماية اللازمة عرض المجمع لعمليات تخريب

وسرقة والتي جلبت المخاطر الهائلة لمرتكبيها. حيث تمت سرقة الكثير من البراميل والحاويات من اجل استخدامها للاغراض المنزلية من خزن الماء والغذاء وغيرها. ورغم مناشدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للقوات الامريكية، بقي المركز مفتوحا واستمرت عمليات النهب لمحتوياته قائمه والتي ادت الى توزيع المواد النووي المشعة على مساحات واسع حول المركز. ان العثور على مواد نووية مسروقة من العراق في كل من هولندا وتركيا يدل على حجم العبث الذي حصل في المركز الذي من المفترض انه كان تحت حماية قوت الاحتلال حسب ماتنص عليه اتفاقية جنيف.

لقد قامت منظمة السلام الاخضر العالمية (ﮜرين ﭙـيس) بارسال وفد الى بغداد في آيار 2003 لزيارة مركز التويثه وتقييم مدى التلوث الحاصل به. ومن اهم نشاطاتها الحمله الكبيره لجمع البراميل من الناس باستبدالها ببراميل نظيفة، وكذلك قيامها بحملة لتنظيف الموقع وتأمين اجراءات السلامه به بالاضافة الى مسح المنطقة لمعرفة مستوى الاشعا ع. وقد وجدت ان نسبة الاشعاع في احدى المناطق كان عشرة آلاف مرة اكثر من المعدل الطبيعي المقبول. كما وجدت البعثة حاوية خلاطة بحجم سيارة صغيرة تحتوي على كمية كبيرة من اليورانيوم المعروف ” الكيك الاصفر” كانت متروكة وبشكل مكشوف في احدى المناطق السكنية لمدة عشرين يوما. لو حدث هذا، تقول منظمة السلام الاخظر، في احدى المدن البريطانية او الامريكية او غيرها من البلدان، لتم اجتياح المنطقه بالعديد من الخبراء والمختصيين بازالة التلوث ولاعتبرت منطقة كوارث نووية وتم فحص جميع السكان.

وقد وجد فريق السلام الاخضر ان مستوى الاشعاع في احدى المدارس الابتدائية كان بحدود 3000 مرة اعلى من المعدل، بالاضافة الى شواهد على وجود حالات مرضية غير طبيعية بين السكان.

وبعد مناشدات عديدة من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية ومنظمة السلام الاخظر، سمحت قوات الاحتلال لخبراء من الوكالة الدولية للطاقة النووية بزيارة موقع التويثة مع صلاحيات محدودة لجرد بعض المواد المخزونة في مكان محدد وبدون السماح لهم بالبحث عن عواقب التخريب الذي حصل للمركز على البيئة والبشر في المنطقة المحيطة ولم يسمح لهم كذلك البحث في الاقسام التي حصلت فيها عمليات التخريب.

لقد افترض بان اجتياح العراق قد تم لضبط اسحة الدمار الشامل والحيلوله دون انتقاله بدون رقابة الامم المتحدة. فهل كان الفشل في تأمين سلامة مجمع التويثه سببة قلة الكفائة ام دليلا على اولوية المصالح ؟ فبدلا من السماح لخبراء وموظفي وكالة الطاقة النووية بجرد كامل لمركز التويثة، قامت الولايات المتحدة الامريكية وبشكل سري بنقل كميات كبيرة من المواد المشعة من المجمع الى الى اراضيها.

لقد قامت منظمة السلام الاخضر بمناشدة الحكومة العراقية من خلال تصريحها في 07 تموز 2004 بالسماح للوكالة الدولية الدخول الى مركز التويثة واجراء ما تراه مناسبا لتقييم التلوث وتاثيره على المحيط البشري والبيئه. فماذا كان او سيكون جواب الحكومة العراقية على ذلك؟؟

يتبع

——————————————————–

* منتوج وسطي لعملية معالجة اليورانيوم الخام

المراجع

  1. Assessment of Environmental “Hot spots” in Iraq (http://www.unep.org/Documents.Multilingual/Default.asp?DocumentID=468&ArticleID=5029&l=en)

  2. Environment in Iraq: UNEP PROGRESS report (http://www.earthscape.org/r1/ES15054/UNEPIraqProgress.pdf)

  3. Tuwaitha (http://www.greenpeace.org/international/campaigns/no-war/tuwaitha)

  4. Radioactive barrel swap in Iraq (http://www.greenpeace.org/international/news/radioactive-barrel-swap-in-ira)

  5. Greenpeace takes Tuwaitha radiation to heart of U.S. administration in Iraq (http://www.greenpeace.org/international/press/releases/greenpeace-takes-tuwaitha-radi)

  6. Deadly waste returned to US forces (http://www.greenpeace.org/international/news/radioactive-waste-delivered-to)

  7. One year on, UN takes up Greenpeace Iraq warnings (http://www.greenpeace.org/international/news/vanishing-nukes-in-iraq)

  8. US administration served Iraqi yellowcake (http://www.greenpeace.org/international/news/us-administration-served-iraqi)

  9. Secret airlift of nuclear material from Iraq (http://www.greenpeace.org/international/news/secret-airlift-of-nuclear-mate)

  10. US Breaching Geneva Conventions Over Iraq Nuclear Plant: Greenpeace (http://www.commondreams.org/headlines03/0704-01.htm)

2020-04-07