اليورانيوم المُنضب هل هو برئ من دم اطفال العراق؟

عزام مكي.

أوردت جريدة طريق الشعب في العدد 10 المؤرخ 13 – 19 تشرين الاول 2003، خبرا عن البيان الذي اصدرته الجمعيةالخيرية لانقاذ اطفال العراق، تكشف فيه واحدة من جرائم النظام الدكتاتوري السابق بحق الطفولة واطفال العراق، الا وهي “قيامه بحقن الاطفال بمادة تسبب الشلل في نفس الفترة التي توفى فيها واصيب بالعاهات اكثر من 700 الف طفل” كما ورد في الجريدة. كما تورد الجريدة عن البيان بان النظام وجلاوزته استغل التشييع الجماعي للاطفال وعرض الاطفال المحقونين في المستشفيات لتبرئة ساحته “والادعاء بانهم مصابون بالاشعاعات الناجمة عن استخدام قوات التحالف لاسلحة وقذائف تحمل اليورانيوم المُنضب في حين اثبتت دراسات عالمية ان تأثيرات هذا اليورنيوم محدودة ولاتصل الى اكثر من بضعة امتارمن منطقة الضربة …..). في الوقت الذي نثمن وندعم جهود هذه الجمعية في كشف جرائم صدام فأن هذا لايعني التغاضي عن جريمة استخدام اليورانيوم المُنضب وتبرئة ساحة استخدامه. فرغم المساعي المستمرة من قبل الجهات المسؤولة في الحكومتين الامريكية والبريطانية لنفي اي مسؤولية لاستخدام اليورانيوم المُنضب عن مايسمى باعراض عاصفة الصحراء، وكون اسستخدامه لايشكل اي تهديد للبيئة والصحة، مع ذلك نجد ان آخر دراسة يقوم بها برنامج الامم المتحدة للبيئة يدعو الى تقييم علمي للمناطق التي تم ضربها باليورانيوم المُنضب. هذه الدعوة اتت بعد ان اكتشف البرنامج (برنامج الامم المتحدة للبيئه) حديثا وجود تسرب لليورانيوم المُنضب الى مصادر المياه في البوسنيا. هذا ماذكره مقال بعنوان “الجمعية الملكية تحذر من المخاطر الناجمة من اليورانيوم المُنضب” نُشر في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) في عددها الصادر في 3 آيار 2003. وتشير المجلة الى الإستنتاج الذي تضمنته دراسة حديثة لبرنامج الامم المتحدة للبيئة عن العراق، والذي يذهب الى القول : ” بان الاستخدام المكثف لاسلحة اليورانيوم المُنضب، قد يكون سبب تلوث للبيئة لايمكن تحديد نتائجها اللاحقة الآن1.  

أن الادارة الامريكية نفسها، من خلال مديرية الطاقة الامريكية، تقر بخطورة اليورانيوم المُنضب الاشعاعية والكيميائية، على الصحة والبيئة. وهنا بودي ان اورد بعض ماجاء في خلاصة التقرير المقدم من ادارة (مصلحة ) الطاقة للولايات المتحدة الامركية حول الاستراتجية البديلة لادارة واستخدام اليورانيوم المنضب على المدى البعيد2، من نقاط حول الخصائص الكيميائية والاشعاعية لليورانيوم المُنضب:

  1. أن اليورانيم المُنضب هو ناتج عرضي من عملية تخصيب اليورانيوم. حيث تؤدي هذه العملية الى انتاج اليورانيوم الغني باليورانيوم 235 (من 2-5% لليورانيوم المستخدم للمفاعلات النووية التجارية الى 95% بالنسبة للتطبيقات العسكرية). أما ما يسمى باليورانيوم المُنضب فيحتوي على نسبة 0.2-0.4 % من اليورانيوم 235.

  2. يصف تقرير مديرة الطاقة الامريكية اليورانيوم المُنضب علىانه مادة مشعة يحمل مخاطر صحية كبيرة. ولهذا فان هذه المديرة تقوم بخزن هذه المادة الخطرة والبالغة كميتها حوالي 739 الف طن متري في اسطوانات من الفولاذ سمكها 0.79 سم.

  3. ان عملية الخزن هذه والتي ابتدأت منذ خمسينات القرن الماضي تجري في ثلاث مناطق خزن رئيسية، في الولايات المتحدة، تحت ادارة ومراقبة مشددة لتلافي اية امكانية لحدوث تسرب من اليرانيوم الى المحيط . ويضيف التقرير على ان هذا اليورانيوم ( المخزون في الاسطوانات المحكمة)، يعطي نسبة منخفضة من اشعاعات ﮔاما واشعة النيترون.

  4. يحذر التقرير انه في حالة تسرب اليورانيوم المخزون لاي سبب، من هذه الاسطوانات، فانه سيتفاعل مع بخار الماء الموجود في الهواء مكونا فلوريد الهيدروجين(HF) و مركبا معقدا هو فلوريد اليورانيول UO2F2)) والتي هي مركبات سامة.

  5. أن اليورانيوم مادة ثقيله، وبالاضافة الى كونه مادة مشعة ، يمكن ان يكون له تأثير كيميائي سام (بشكل اساسي على الكلية) اذا دخل الى مجرى الدم عن طريق قناة الهضم او التنفس.

  6. بسبب الكلف العالية لعمليات التخزين والصيانة لليورانيوم المُنضب، فان هنالك توجهات و خطط تقوم بها الادارة الامريكية للتعامل مع هذ اليورانيوم المخزون وايجاد بدائل لعمليات التخزين الحالية. ان احدى هذه البدائل هي استخدام اليورانيوم المُنضب للاغراض العسكرية.

لقدتم اختيار اليورانيوم المُنضب لصنع القذائف المضادة للدروع وذلك بسسب كثافته العالية وامكانياته على اختراق جدران المدرعات كما تخترق السكين الزبده. لقد تم تصميم هذه القذائف بحيث عند اصطدامها بالهدف يحترق اليورانيوم مولدا طاقة هائلة تسبب اختراق الهدف واحتراق مابداخله. و من الصفات المغرية الاخرى لهذه المادة هو امكانية الحصول عليها مجانا او بكلفة قليلة !!

لقد تم توثيق المخاطر الناجمة من استخدام اليورانيوم المُنضب في حرب الخليج الاولى والحروب في كل من البلقان وافغانستان في العديد من البحوث والدراسات العلمية. ففي كتاب “معدن الخسة- استعمال اليورانيوم المُنضب في حرب الخليج”3 والصادر عن مركز النشاط العالمي في نييورك (IAC)، تقول العالمة الفيزيائية هيلين كولديكوت الناشطة في مجال حظر استخدام الاسلحة الذرية والمرشحة لنيل جائزة نوبل عام 1985، بان معدن اليورانيوم المحترق نتيجة الاصطدام سيتحول الى غبيرات صغيرة (اقل من 5 ميكرون) قابلة للاستنشاق تنتقل بغعل الرياح.

في احدى احدث الدراسات المنشورة، يقول Asaf Duraković من مركز ابحاث اليورانيوم الطبي – واشنطن ( Uranium Medical Research Center, Washington D.C., USA) في الدراسة المعنونة ” الامراض الغير مشخصة والحرب الاشعاعية”4   بانه قد نتج عن حرب الخليج الاولى 350 طن من اليورانيوم المُنضب ترسبت في المحيط و 3-6 مليون غرام من غبيرات اليورانيوم المُنضب تم اختلاطها في الهواء3.(نشرت هذه الدراسة في سنة 2003 في المجلة الطبية الكرواتية العدد 44 ص 520).

يعود بداية الاهتمام بموضوع استخدام اليورانيوم المُنضب ومخاطره (كما يُذكر في كتاب معدن الخسة) الى سنة 1991 عندما نشرت جريدة الاندبندنت البريطانيه تقريرا تسرب من وكالة الطاقة الذرية البريطانية يقر فيه بالمخاطر المحتملة من انتشارالغبار المشع لليورانيوم المُنضب في المناطق المحيط في مناطق القتال ودخوله الى سلسلة الغذاء والماء. ويقول جون بيلجر (في مقالته “العراق: التغطية الكبيرة”والمنشورة في النيوستيتسمان 2\01\2001)5 بان هذه الوكالة (وكالة الطاقة البريطانية) حذرت باحتمال موت 300,000 انسان عند استنشاق 8% من غبار اليورانيوم المُنضب الذي استخدم. مع العلم بانه في ذلك الوقت   تم تقدير كمية اليورانيم المستخدمة في الحرب 40 طن، بدلاً من الكمية المقدرة الآن وهي 350 طن!!!

ان بقايا القذائف وخراطيش اليورانيم و المنتشرة في المناطق الجنوبية من العراق، تحولت الى لعب بايدي الاطفال في هذه المناطق. ولتبيان خطورة هذه <الالعاب> يورد اريك هوسكين في مقالة له “الضحايا الأوائل في الحرب”6 والمنشورة في النيوستيتسمان 29\01\1993 قصة مديرمعهد “البرت شويتزر” الذي وصل الى برلين حاملا معه واحدة من هذه القذائف جلبها معه من العراق، الذي اوقف حال وصوله المطارمن قبل السلطات الالمانية، بتهمة حيازة مواد مشعة!!

في احدى الحالات حدث ان شاهد احد الاطباء الاجانب طفلا في مدينة البصرة يلعب بعدة قطع من قذائف اليورانيوم. وطفلا آخر من نفس المدينة اصيب بالليوكيميا، عرف عنه انه كان يلعب بعدد من هذه القذائف7.

أن اليورانيوم المُنضب، بالاضافة الى ما يسببه من تلوث للمناطق المحيطة، فأنه عندما يحترق يتحول الى غبيرات صغيرة ،تحملها الرياح الى مناطق بعيدة. أن هذه الغبيرات تنتقل الى البشر أما مباشرة عبر جهاز التنفس أو بشكل غير مباشر عبر سلسلة الغذاء والماء.

يقول Asaf Duraković في مقالته المذكورة سابقا، بان الكثير من الدراسات التجربية الحديثة اكدت ماذهبت اليه الدراسات السابقة بأن الاعضاء التي يستهدفها اليورانيوم بعد دخوله الجسم هي الكلى والعظام، بالاضافة الى اجهزة التنفس، اللمفاوي والتناسلي والجهاز العصبي المركزي.

ان التأثير المرضي لليورانيوم ينجم عن خصائصه كمادة كيميائية سامة بالاضافة الى خصائصه كعنصر مشع. أن مجموع الاعراض الناجمة هي مااصطلح عليه ب”مرض حرب الخليج” او متلازمة عاصفة الصحراء ( Desert Storm Syndrome). أن هذه الاعراض تشمل : الاجهاد وعدم القدرة، آلام في الجهاز العضلهيكلي والمفاصل، صداع، اضطرابات عصبية ونفسيه، تشوش، اضطراب في الرؤية، اضطراب الحركة والمشي، ضعف الذاكرة، تغيرات عاطفية، التهابات الغدد اللمفاوية، ضعف الجهاز التنفسي، العجز الجنسي، تغيرات على وظائف وتركيب قناة الجهاز البولي.

ان الدراسات الحديثة تؤشر على ان التغيرات التي يحدثها اليورانيوم على التركيب الجيني للخلية، موت الخلايا، التغير الكروموسومي و التولد السرطاني هي من مظاهر ترسب الاشعاع في نواة الخلية. وتسجل واحدة من هذه الدراسات العلمية الحديثة التحول السرطاني لخلايا العظم في الانسان نتيجة تأثير اليورانيوم المستفذ8.

أن اعراض عاصفةالصحراء لم تظهر فقط على سكان العراق وخاصةالمناطق الجنوبية، وانما كذلك على عشرات الالوف من المجندين الامريكان والبريطانيين وغيرهم من الذين شاركوا في حرب عاصفة الصحراء وكوسوفو. ليس هذا فحسب فحتى التشوهات الولادية لاطفال هؤلاء المصابين باعراض عاصفة الصحراء، من الجنود الامريكان وغيرهم ، لها نفس خصائص التشوهات الولادية المسجلة في مستشفيات العراق2!!. والجدير بالإهتمام هو ان المصابين باعراض حرب الخليج من الأمريكان او البريطانيين، لم يتعرضوا لإستخدام اليورانيوم المُنضب كضحايا. ولم يعيشوا ضمن البيئة الملوثة به. كما انهم لن يستهلكوا المياه او المحاصيل الملوثة به. ان كل الذي حصل بالنسبة لهم، هو انهم كانوا على مقربة منه قبل تفجيره، او مكثوا فترة قصيرة جداً، ضمن البيئة التي حصل فيها استعماله، رغم كل الإحتياطات المتخذة من اجل سلامتهم اثناء تصنيع هذا السلاح.

مع ذلك نتسائل هل اليورانيوم المُنضب هو المسؤول الوحيد لما حصل ويحصل وسيحصل للشعب العراقي واطفاله بشكل خاص؟ الجواب بالطبع كلا فهناك الاسلحة الكيمياوية التي استخدمها صدام في حربه ضد ايران وضد الشعب العراقي. قصف القوات الامريكية للمنشآت النووية، البيولوجية والكيمياوية، الشئ المحرم من قبل اتفاقيات جنيف ومن قبل قرار الجمعية العامة للامم المتحدة (04\12\1990)3؛ بألاضافة الى الحصار الجائر واللاخلاقي الذي فرضته امريكا وبريطانيا عن طريق الامم المتحدة والذي تسبب عنه وفاة مالايقل عن 500 الف طفل عراقي(الى عام 1996) كما اقرت بذلك مادلين أُلبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة في برنامج 60 دقيقة في عام 1996. ولانعرف كيف سيضيف ماحدث للمنشآت النووية والبيلوجيه نتيجةالعمليات العسكرية التي صاحبت احتلال العراق الى الكارثة الصحية والبيئية؟؟

عزام مكي

جامعة مانشستر

مانشستر- المملكة المتحدة

تشرين الثاني 03

azzam.maki@man.ac.uk
المراجع

 

  1. Peter Moszynski ” Royal Society warns of risks from depeleted uranium” British Medical Journal Volume 326 May 2003.

  2. U.S Department of Energy “Programmatic Environmental Impact Statement for Alternative Stratigies for the Long-Term Management and Use of Depleted Uranium Hexafluoride.” April 1999

  1. International Action Center- “Depleted Uranium How the Pentagon Radiates Soldiers & Civilians with DU Weapons” Depleted Uranium Education Project.

  1. Asaf Durakovic” Undiagnosed       Illness and Radioactive Warfare” CMJ 44(5) 520-532, 2003.

  2. John Pilger “Iraq: The Great Cover-Up” The New Statesman 2001, 22 January.

  3. Hoskins E, et al The first Casualties of war” New Statesman 1993 29 January, 16-17

  4. Ian Doucet “Desert Storm: Sick soldiers and Dead Children?” Medicine And War, 10, 183-194, 1994.

  5. Alexander C. et al. “Transformation of Human Osteoblast Cells to the Tumoriginic Phenotype by Depleted Uranium-Uranyl Chloride” Enviromrntal Health Perspectives. 106 (8) August 1998.

04/06/2020