موقف خالد بكداش من القضايا الوطنية والاجتماعية !

علي رهيف الربيعي .
فؤاد الشمالي الشخصية المركزية في الحزب الشيوعي السوري ، وهو عامل تبغ سيقود الحزب حتى عام 1932 . ولد في عام 1894 لفلاح ماروني فقير في قرية سهلية في كسروان ، وهي منطقة إلى شمال الشرقي من بيروت . شكل أول لجنة مركزية استلمت القيادة من عام 1925 حتى اعتقالها على يد الشرطة الفرنسية في عام 1925 ) بسبب نقل الأسلحة السري والمنظم إلى الثائرين في جبل الدروز ) ، من اصل فلاحي (1) . وكذلك كان ثلاثة من الأعضاء الخمسة في اللجنتين المركزيتين الثانية والثالثة ، وهما اللتان قادتا الحزب في فترتي (1928- 1930) و (1930- 1932) على التوالي . كما كان الشيوعي الأبرز من الداخل السوري ، ناصر حدة ، وكان حينها طالبا ، وصار لاحقا مدرس رياضيات للمرحلة الثانوية في حمص . وقد أدى حدة ، الذي صعد في الحزب حتى بات مركز الحزب في عام 1930 ، دورا في إقناع خالد بكداش (2) بالشيوعية في السنة ذاتها وكان هذا الأخير طالبا دمشقيا في الثامنة عشر من العمر وابن موظف عثماني كردي وصار الأمين العام للحزب منذ عام 1937 فصاعدا . ورأى فؤاد الشمالي ، في صعود بكداش إلى المركز الأول وقوعا للحزب في قبضة ” المثقفين ” .
تحت قيادة خالد بكداش ، الذي تسلم القيادة في المرحلة الأولى من وجود الحزب القانوني فترة 1936 – 1939 – أصبح الخط الزراعي للحزب الشيوعي غامضا وإصلاحيا على نحو مهادن . وفي عام 1942 ، عندما دخل الحزب مرحلته القانونية الثانية ، كان بكداش يرتد إلى الوراء ليكسب ود ملاك الأرض في سورية ، مؤكدا لهم أن الحزب لا يطالب ، ولن يطالب بمصادرة أملاكمهم … كل ما يطلبه هو الرأفة بالفلاح وتخفيف بؤسه (3) . وكان من مبررات هذا التخلي عن موقف الحزب الطبقي فرضية أن سورية ما زالت في ” مرحلة التحرر الوطني ” التي اقتضت تشديدا على ما يوحد ” أبناء الوطن الواحد ” أكثر من التركيز على ما يفرقهم (4) .
كان استقبال هذا الخط الجديد استقبالا سيئا بين الشيوعيين في منظمات الحزب المنطقية التي كانت تعي المشكلة الزراعية وتعرفها معرفة مباشرة ، لكن اعتراضات هؤلاء وضعت جانبا .
لكن كثيرا من الدعم الذي كسبه الشيوعيون في الريف والمدن تبخر غداة التصديق غير الشعبي لقيادة الحزب ( خالد بكداش ) على قبول الكرملن في عام 1947 خطة تقسيم فلسطين وما أعقب ذلك من حظر الحكومة السورية للحزب في عام 1948 . واستنادا إلى شيوعيين سابقين بارزين ، تركا التنظيم في عام 1957 ، ان قوته هبطت بحدة في عام 1949 إلى ” بضع مئات ” في كل من البلدين ( سورية ولبنان ) (5)
تعرض خالد بكداش حينها لنقد شديد في جريدة الحزب السرية نضال الشعب ممن عارضوا موقفه من المسألة الفلسطينية وتوجهاته الزراعية والاجتماعية . واستنكروا في هذا الموضوع الأخير ما قام به الحزب من تضحية ببعض المواقف الأساسية لا لشيئ إلا ليسترضي دوائر برجوازية معينة ، واحتجوا على أسلوب بكداش في القيادة ، مؤكدين أن قرارات الحزب كانت غالبا تأتي من الأعلى على شكل تعليمات يجب تنفيذها من دون مناقشتها مسبقا في منظمات الحزب المختلفة … أما الرفاق الذين قدموا ملاحظات فكانوا يقابلون بطريقة عجيبة في الإقناع تمثلت بالرد الجاهز والقاطع : هذه وجهة نظر اللجنة المركزية ! (6) . كما دعا هؤلاء إلى التخلص من الدكتاتورية داخل الحزب (7) . لكن سرعان ما استعاد بكداش قبضته على كوادر الشيوعيين ، فكتم أصوات منتقديه أو أبعدهم عن التنظيم أو لم يترك لهم أي خيار سوى الخروج منه .
لكن أيا تكن المكاسب التي حققها الشيوعيون فقد أثبتت أنها عابرة . ففي عام 1958 دفعوا إلى العمل السري ، وضعفوا نتيجة موقف خالد بكداش السلبي من الوحدة المصرية – السورية وقانون الإصلاح الزراعي ، وهاذا ما جعلهم يعانون انحدارا شديدا آخر ، لم ينهضوا منه ثانية إلى أي دور جدي في حياة الفلاحين أو القطر عموما .
إن العوامل التي أدت إلى فقدان الحزب الشيوعي تأثيره وقوته المعنوية تبقى واضحة ، إذا ما نظرنا إليها الآن نظرة ارتجاعية . ومن ذلك أن التقلبات المتكررة وغير المتوقعة والمتناقضة في موقف قيادة الحزب من قضايا وطنية واجتماعية مهمة وعدم انسجامها مع ظروف الحزب كانت محيرة ومحبطة لا للفلاحين والعمال في صفوفه فحسب ، بل ولمثقفيه أيضا . وقلما كانت التبريرات التي تقدمها القيادة للخطوط غير الشعبية التي تبنتها مقنعة ، بل كانت أحيانا سخيفة ، ولا تتفق مع الحقائق : فعلى سبيل المثال ، حاجج خالد بكداش في معارضته قانون الإصلاح الزراعي في عام 1958 بأن المستفيد الرئيس منه هو ” البرجوازية المصرية الكبرى (8) ” واستنادا ألى زملاء بكداش القدامى وخصومه الحاليين ، فإنه ” لا يتصل بالقواعد ، ولا يزورها ، كما لا يزور منظمات الحزب ، ولم يكن يعرف سوريا ، ولم يقم عمليا بزيارات للتعرف على أوضاع الجماهير الشعبية والكادحة ” (9) . وأصبح الاستياء من قيادته أكثر حده نتيجة عدم تحمله أبسط نقد ، ورعايته لهالة من العصمة ، وتحويل إرادته الذاتية إلى قانون للحياة الحزبية ( كما عبر خمسة من الأعضاء السبعة في المكتب السياسي للحزب في عام 1972 ) ، وعدم قابليته الواضحة للتخلي عن منصب الأمين العام للحزب ، وإذعانه ( حتى عام 1986 ) للقيادة السوفيتية التي قطعت ، عمليا وليس كلاميا ، مع التقليد الشيوعي الثوري . وأدت هذه الأمور كلها في السبعينات والثمانينيات إلى انقسامات متكررة بين الأنساق الأولى كما في صفوف الحزب ، وهو ما أضعف الحزب مزيدا من الضعف ، وأدى إلى ” خسارة ألوف الشيوعيين الصادقين ومئات الكادرات الحزبية والعمالية والفلاحية المجربة ” ((11) .
المصادر :
(1) دكروب ، جذور السنديانة الحمراء ، ص 265 .
(2) أكد أرتين مادايان ذلك في ” ملاحظات عن تاريخ الحزب ” ( على شكل مخطوطة ) ، انظر : دكروب جذور السنديانة الحمراء ، ص453 ، النهج العدد 22 نوفبر 1973 .
(3) خالد بكداش ، الحزب الشيوعي في سورية ولبنان : سياسته الوطنية وبرنامجه الوطني ( بيروت 1942) ص 23-24 .
(4) لمعالجة أوسع لسياسة بكداش انظر كتاب : حنا بطاطو : فلاحو سورية ، ترجمة عبد الله فاصل – رائد النقشبندي ، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات ،ص 236 .
(5) محمد علي زرقا والياس مرقص ، صفحات مجهولة من تاريخ الحزب الشيوعي في سورية ولبنان ( دمشق 1959 ، ص 95 و 150 .
(6) نضال الشعب ، العدد 49 نيسان / أبريل 1949 .
(7) خالد بكداش ، لأجل النضال في سبيل السلم والاستقلال الوطني ، دمشق 1951 .
(8) خالد بكداش ، حول قضية الاصلاح الزراعي في سورية 1960، ص 42 ، والحزب الشيوعي ، قضايا الخلاف في الحزب الشيوعي السوري ص 395- 396 .
(9) الحزب الشيوعي السوري ، وثائق المؤتمر السادس 1987 دمشق ،1988 ص 208 .
(10) رياض الترك وابراهيم بكري وظهير عبد الصمد وعمر قشاس ودانيال نعمة في تصريح نشر في نيسان 1972 ، انظر النهار ( بيروت ) 1972/4/7 ، العضوان الآخران في المكتب السياسي هما خالد بكداش ويوسف فيصل .
(11) الحزب الشيوعي السوري ، وثائق المؤتمر السادس ، ص 152 . 

Bilden kan innehålla: 1 person

2020-04-05