كورونا: انقضاء الزمان ونهاية المجتمعات؟!


عبدالامير الركابي .
تشكل الغرب الحديث بصفته قوة دفع كبرى باتجاه تسريع حدة التناقض بين المنتجية والمجتمعية، واخطر ماكرسه موغلا في تسريع وتعظيم حالة الانفصام المتاتية عنه كلحظه صعود نوعي، عجزه عن اماطة اللثام عن الحضور الحيواني في الكائن البشري، الامر الذي جعل من المنجز التقني، ومايعرف بالعلمي يقترن بتسارع وتكثف غير عادي واستثنائي من فعل الأحادية البشرية الدنيا التكوينية، واهم ماجرى طمسه واغفاله الكلي بهذه المناسبة، العزوف القاصر دون القول بثنائية بنية الكائن البشري، ماقد منح الجانب الحيواني في الكائن “الانسايوان” حضورا تدميريا هائلا، وفي حين كانت اوربا تتغنى بالمنجزات الفكرية العظمى، وبالفلسفات وعلوم الاجتماع والنفس والفيزياء .. الخ، وفي الوقت الذي رفعت فيه الثورة البرجوازية النموذج والقمة شعار “الحرية، الاخاء، والمساواة” وظهرت الماركسية لتبشر بقرب الانتقال للاشتراكية وزوال الطبقات، فان شيئا على الصعد المنوه عنها والمبشر بها لم ليتحقق فعلا، بماجعل كل تلك المشاريع على مابدت عليه من ضخامة، تقع في باب الوهم والتوهم الذي يكرس عكسها، ويسهم أحيانا في تاجيج وتعظيم حضور فعل مايضادها التكويني البنيوي.
لم تتمكن الثورة الفرنسيه ولا فلاسفتها ومن ارسوا المنظور “الحديث”، من القول بان الكائن البشري الحالي ليس هو “الانسان” وانه مازال الى اليوم كائنا ازدواجي البنية والتكوين ( جسد/ عقل)، هذا ان لم يكن العكس هو ماقد حدث، فصار الكائن لبشري “عاقلا” و”ناطقا” و”اجتماعيا”، ليتوج باعتباره القمة الخلقية، واداة ادراك الطبيعة لذاتها، ما قد منح الحيوانية المودعة فيه طاقه غير عادية، استمدها من قوة ومضاء المنجز المادي والالي، فتضاعفت كوارث الحيوانية الكامنه فيه، وصارت الحروب يمكن ان تحصد 70 مليونا،كما حدث في الحرب العالمية الثانية، بينما الاستعمار وباسم “مدفعية السلعة التي تخرج الشعوب المتوحشة من جحورها الى العصر” تعمم المظالم على الكوكب، وبدل السيف ووطاته شبه المتعادلة، صارت الحيوانية اليوم تنتج الفاشية، ووهم الاشتراكية، والقنبلة النووية التي تسقط على رؤوس الناس لتبيدهم مثلما ابيد عدد مماثل لماابيد في الحروب الاوربية، بسبب الايديلوجيات الوهمية، وراء البحار، في القارة المكتشفة حديثا، فازيلت من على وجه الأرض حضارة ونمط حياة، وكائنات بشرية، يصل تعدادها الى مابين 60 /70 مليونا، وكل هذا كان من المفترض ان يراكم من الأسباب مايستوجب النظر الى مابعد، وماوراء، وتحديدا الى منطقة التفريق بين “زمن الانسايوان” والهدف المضمر في الوجود الحي للكائن البشري.
لا اشتراكية مادام الكائن البشري مايزال انسايوانا، ولاحرية مدعاة وقتها بالطبع، ولا مساواة، ولا توازن بين المنتجية وأسباب الوجود، الانسايوان يستبد، ويسعى الى الربح الأقصى، ويفتعل ويفعل المستحيل لاجل تموية الحياة والوجود خدمة لربحيته، وهو يقتل الطبيعة ويخرب أسباب الوجود، ويحول دعوى الحرية والمساواة الى مرض متات من ادمان التوهم الذي لااساس مادي وينيوي يبرره مادام الكائن البشري مزدوجا ومادامت الجسدية ماتزال هي العنصر الغالب ضمن الثنائية التكوينية.
مالذي يمكن ان يخطر لماركس وقتها غير الطبقات الانسايوانية، وافتراض زوالها، علما بانه سيتوهم متصورا مالا سبيل اليه الا بشرط زوال الحيوان من كينونة الكائن البشري، أي مايتعدى الطبقات والمجتمعية، بالمقابل مالذي يمكن ان يخطر لدارون غير كون الكائن البشري قد وصل الكمال، وان العضو البشري لم يبق امامه أي مجال للتطور الا بحسب الاستعمال زيادة او نقصانا من قبيل التضاؤل المستقبلي لليدين وتضخم الراس، فتوقف دون رؤية فصل الارتقاء الثاني مابعد الحيواني، أي طور النشوء والارتقاء العقلي الذي يبدا منذ انبثاق العقل في الجسد الحيواني، وينتهي بانتهاء المجتمعات، بعد المرور بها الزاما، وصولا الى انفصال وتحرر العقل عن الجسد بصفته من متبقيات الطور الحيواني.
العلوم وماتحقق اجمالا من قبل الغرب وحداثته، هو قفزة ولاريب ضمن مسار الانسايوان، وخطوة تنسب الى العنصر العقلي في الانسايوان وتزايد حضوره ضمن الثنائية والازدواج الجسدي العقلي، الا انها خطوة تبقى محكومه ماتزال لسطوة الحيوانية الجسدية وهيمنتها شبه الكلية، السابقة على لحظة، بداية تحرر العقل، واولى محاولات تملصه من سطوة الجسد معرفيا، اي ادراكيا كذات غائبة او متوارية، مستلبه، فالعقل البشري يظل منذ انبثاقه الأول، الى نهاية المجتمعيات، غير واع بذاته، عاجز عن النطق باسمها، خاضع لوطاة وغلبة شريكه الجسدي في الكينونة، الاقدم منه، والاعرق زمنيا ووجودا بمئات الاف السنين.
كل مااوحى به الغرب انهار وثبتت خاصيته التوهمية الأساسية، الاشتراكية انهارت، الحرية والمساواة، والاخاء، حصيلتها “الانسان ذو البعد الواحد” و قوة “الاستلاب”، وليس ثمة من وجود مطرد او تصاعدي لها، لافي سياقات تجربة الغرب، ولا في المستحصل منها، بينما الذي يظل قائما وشاخصا بلا منازع، هي المصلحة، والربحية، والانانية الذاتية والمجموعاتية، الفئوية والوطنية، الامر الذي تزيد في توطيده تجربة “الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ” وريثة اوربا، المبنية على ارض/قارة الغير وقد ” اكتشفت” على يد القتلة لتصبح ارض ارتكاب اكبر جرائم التاريخ التصفوية الابادية على الاطلاق.
حين ينظر الغرب الى نفسه مع ثورته الحديثة، وانقلابه الالي المصنعي وماواكبه وحايثة من منجز هائل كانسايوان ، لن يجد نفسه الا الأعلى والارقى، أي “النموذج”، ولأنه محمي بالقصور العقلي الكوكبي، فان مايدعية ويتصرف على اساسة يجد مايجعله مقبولا على مستوى المعمورة، وكل هذا لان الكائن البشري لم يبلغ بعد لحظة وحالة الاعتقاد بالمؤقتية الانسايوانية والمجتمعية، وبكون الانسايوان الحالي ليس “الانسان”، بل الانسايوان الخاضع رؤية وعقلا واحاسيس لقوة حضور وسطوة الجانب الحيواني فيه، المدعم بالمكرهات الوجودية الانتاجوية. ومثل هذه الحال مثلا تجعل من الممكن والمعقول اليوم، وبظل الجائحة، النظر الى العلاجية والطب، من منظور بنية ومايعرف بنظام الصحة، أي ذلك الفرع المسمى بالطب بكل بنيته المؤسساتية والدراسية ومستشفياته الخادعة، والتي تركز على “علاج” المتحقق فتحاكم مرض السكر على انه امر واقع وكانه كتاصل ملازم للانسايوان يتوقف عنده البنكرياس عن أداء وظيفته فجاة ومن دون اسباب، بلا جهد بحثي يقرا اثر المنتجية والتطور التقني وعلاقته بالكائن وسلامته العضوية، بحيث يطالب باخضاع المنتجية لاشتراطات الجسدية لا لعواهنية التقدم العمياء الخداعية، التي تقول للكائنات البشرية وتمرر بينها فكرة التقدم على حساب الكينونة، والامر ينطبق على كل وجوه المنتجية الراسمالية القاتلة للبيئة، وطبعا للكائن البشري بصيغته وكما كان ووجد عليه ابان نمط تكوينه وانتاجويتها اليدوية الأول، والاهم من هذا حتميات المسار الانتاجوي المدمر للطبيعة والمناخ، والذي يسير نحو قلب كل المعادلات واسس العلاقة بين الأرض كسكن، وساكنها، الى ان يفضي بحسب المسارات الراهنة الى انتهاء التوافقية الإنتاجوية المجتمعية، وحلول عصر العيش على حافة الفناء، الامر الذي سيتعاظم باطراد مناخيا، وفي جانب توليد وصناعة الاوبئه والمرض.
لسنا هنا بصدد نظرية مالثوس باسوأ طبعاتها، واخطرماترتبه، مع انها عنصر غير مستبعد مما نذهب اليه وما هو قائم ومعاش، كذلك لسنا ميالين للتذكير بالقياموية السماوية، والتبشير المعروف بنهاية العالم، فما نعتقده قائم جوهرا واساسا على العكس أي على فكرة ان العالم غير مهيأ للانتهاء، والكائن الحي البشري ليس مرشحا للفناء، لكن الانسايوان في طريقه للاختفاء،وان هذا هو محور وقانون التطور الأساس الأول الناظم للوجود المجتمعي، وهو ما سوف يكون من قبيل الانقلاب الاكراهي الذي هولازمه لايتغير الانسان من دونها وتحت طائلتها كما هو كائن طبيعة، الا ان ذلك لن يحصل من دون ان يكون المخرج الضروري قد صار بالمتناول، والمقصود التكنولوجيا العليا التي انتجها كطاريء عرضي ابتدائي الغرب المصنعي بالضد من تكوينه ونمط بنيته، وبقدر ماستتعاظم أسباب استحالة العيش على الكوكب، بقدر ماتتهيأ الأسباب على مستوى الرؤية، فتندغم بالوسيلة التحولية المادية، ويصير الازدواجان الفردي البشري ( جسد/عقل) والمجتمعي ( مجتمع الدولة اللادولة اللاارضي/ الاحادي) حاضرين باعتبارهما وحدة تحولية سائرة الى “فك الازدواج” ونهاية المجتمعات الذي هو هدف الوجود الخافي والمضمر.
نحن نقف على مشارف الانقلابه الكوكبية العظمى، حيث يعم الاضطراب والتناقض الأقصى شاملا علاقة الكائن الحي بالبيئة التي تزداد اقترابا من قانون الطرد، بجانب الاضطراب التناقضي المنتجي، متجليا من خلال إصرار الغرب ومتبقياته على حبس المنجز العرضي التكنولوجي داخل خيمة بنيته الطبقية الأحادية وممكناته المنتجية، ماقد وضع الانقلاب في الوسائل داخل بوتقة مناقضة، تكرس اليوم ازمة الغرب والعالم، بانتظار الثورة التكنولوجية التحولية التي تتظافر في صناعتها عوامل مترابطة متشابكة تحولية، تضع التكنولوجيا في باب مغادرة اسر المجتمعية واشكال نظمها، نحو صناعة الكائن المتحرر من الحاجات الجسدية، أي نمط ونوع اخر مغاير كليا من المجتمعية التحولية، الامر الذي ينتظر ان تبدا بواكيره واطلالته الأولى خارج الغرب، وفي موضع الازدواج المجتمعي التحولي، وليس غدا ولابين ليلة وضحاها.
لامتغيرات، ولاثورات وانقلابات، ولا تقدم انسايواني ادنى، وكل ماينتظم الحياة وتفاعليتها هو محطات زائلة، عرضية، ولازمه لخدمه الغرض الوجودي الأكبر، وتامين أسبابه ومكرهاته الضرورية، وصولا الى “التحول وزوال الانسايوان”، الهدف الأعلى، وفي خدمته وخضوعا لمقتضياته تجري تباعا وتتراكم مسارات وتعرجات وتقلبات الحياة.

2020-04-05