كورونا … القشة التي قصمت ظهر البعير!

ابو زيزوم.
عدا كونها وباءً كونياً فتاكاً وسريع الانتشار ، تكتسب جائحة كورونا بُعداً إضافيا يتأتى من اقترانها بمنعطف تاريخي في مسيرة البشرية ينذر بنهاية عصر وميلاد عصر آخر . العصر المنصرف هو عصر الهيمنة الغربية على العالم ، والعصر الذي تتجه نحوه الانسانية هو عصر التوازن بين الغرب والشرق . وكانت ارهاصات التحول بادية للعيان منذ سنوات . فالجنوح الغربي نحو اليمين والشعبوية مؤشر على فقدان الانسان ( الابيض ) ثقته بالحفاظ على موقعه العلوي . والحرب التجارية التي اعلنها ترامب على الصين ليست الا محاولة سافرة لإيقاف الزحف الآسيوي الخطير. وما يقال ويُنشر لدى كل الأطراف يؤكد حتمية المواجهة . وما يقال ولا يُنشر أدهى بالتأكيد . وبذلك جاءت كورونا ، وعلى افتراض انها ليست جزءا من الحرب ، جاءت لتعجل في نضوج الطبخة . وها هي تفعل فعلها المذهل في الميدان الرئيسي للصراع وأقصد به ميدان الاقتصاد. وعندما تنقشع سيكون أمامنا عالم مختلف في أمور كثيرها أهمها الخارطة الاقتصادية للدول .
الغرب بقيادة الولايات المتحدة الامريكية لم تتغير كثيرا هياكله او مبادئه منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم ، لذلك فإن حديثنا سيتركز على الطرف الآخر الذي تقوده الصين ثم نعقد مقارنة محددة بين الصين والولايات المتحدة .
أثناء الحرب الباردة وملحقاتها بين الرأسمالية الغربية والمعسكر الاشتراكي كان الاشتراكيون يشكلون تحديا عسكريا وسياسيا للغرب بالغ الخطورة ، لكنهم على الصعيد الاقتصادي يخدمون الغرب خدمة جليلة . وحسبهم في ذلك ان اخرجوا مجتمعاتهم تماما من المنافسة التجارية -عدا تجارة السلاح- . بل تحولوا الى مستوردين من الغرب لأغلب السلع . ولو جاز للباحث ان يعزل عناصر القوة عن بعضها لقلنا ان اكبر حماقة ارتكبها الغرب هي إسقاطه الأنظمة الاشتراكية . فالبلدان التي تحولت من الاشتراكية الى الرأسمالية انقسمت الى حالتين : حالة نجاح تنافس الغربيين على أسواقهم ، وحالة فشل أصبحت عالة على الغربيين من خلال دخولها الاتحاد الاوربي ، وهذا احد الأسباب الرئيسية لخروج بريطانيا من الاتحاد .
وهنا تستوقفنا ملاحظة هامة بشأن الدول الاشتراكية التي سقطت انظمتها الشيوعية وتلك التي لم تسقط حتى الان . جميع الدول التي فرضت عليها الشيوعية بدبابات الجيش الأحمر سقطت بمجرد ان سنحت لها فرصة الانعتاق . وجميع الدول التي اعتنقت الشيوعية عبر خيارات وطنية بقيت فيها الشيوعية حتى الان ، مع وجود استثناءين . فالصين وكوريا الشمالية وڤيتنام وكوبا ما تزال محتفظة بأنظمتها الحاكمة منذ أواسط القرن الماضي مع ادخال تعديلات نتطرق اليها لاحقاً . والاستثناءان روسيا ذاتها ويوغسلافيا ، فروسيا سقطت فيها الشيوعية مع انها دخلتها كخيار وطني ، وكذلك يوغسلافيا ، وفي الحالتين كان للعامل القومي دوره الحاسم ، فكلاهما إمبراطورية منوعة قوميا حان لها ان تتفكك امام تلك الموجة العاتية من المد القومي ذي المضامين الليبرالية ، فتفككت .
______ يتبع
( ابو زيزوم _ 829 )

2020-04-05