كورونا: انقضاء الزمان ونهاية المجتمعات؟/1 !

عبدالامير الركابي.

  مع الكورونا يصير من غير المعقول اغفال، او التغاضي عن تدرجات نموعملية الطرد، او الرفض والمعاكسة الأرضية لضيفها الكائن الحي البشري، بجعل وجودة اقرب للاستحالة، وكون ذلك خاصية أساسية وبدئية متضمنه سرالقوة التحولية البيئية داخل الظاهرة الاجتماعيه، وذلك بخلاف وحدانية وغلبة مفهوم الأرض المهياة لاحتضان الكائن الحي وحضوره، بتيسر سبل تدبيره وجوده، والتوافق مع حهده كما هو حاصل كمثال اول في المجتمع الأحادي النهري النيلي على وجه التخصيص، هذا بينما تلوح في الأفق اليوم مؤشرات انتشارقاعدة “العيش على حافة الفناء” وشمولها الكوكب الأرضي، ماصار يوجب اسقاط نمط الاحاديث الأحادية المستمدة من ترسانه القصور السابق على “نهاية الزمان” المقدرمدى بثلاث دورات تاريخية، تشارف اليوم على الانقضاء، ومعها بالطبع بنية من النظر، وطرائق التحليل العائدة للرؤية الصادرة عن، والمطابقة لحالة و مستوى ادراكية الكائن البشري بصفته ك “انسايوان”.
يتحول المرض الداهم الى جزء مكون أساس من شبكة نامية متداخلة وموازية للعملية الإنتاجية عند لحظة انعطاف تراكمية من نموها، يمكن التاريخ لبداية حضورها تحديدا مع القرن العشرين ومطلعه، الى منتصفه، مع ماعرف وقتها بامراض العصر، من القلب الى الضغط، الى السرطانات، قبل القفزة التي بدات معها تسارعات الوتيرة، من السكري الى السيدا، حتى الاشكال المتعددة من الأوبئة، واخرها كورونا الحاصل الان، والمتميز عنها بشموليته الأرضية، وعمق الهزة التي أحدثها في الثوابت والاعتيادات المجتمعية والاقتصادية.
وكما في كل مايتعلق بالحياة والمجتمعات وبنيتها، يلاقي هذا المتغير ضمن مسار الصيرورة الوجودية مايميزه، بتضمنه دلالات أوضح على نوع الخطورة الاستثنائية والتلازم العضوي،من زاوية ( جسد من الماضي/ جسد المستقبل) يظل اخطر تجلياته يتاتى من تكرارمحاولة اكراه الظاهرة المجتمعية على الخضوع لمنظور الثباتية والديمومة الازلية، وهو المعتقد الغالب مؤقتا لاسباب مصدرها حقيقة وطبيعة مسار العملية المجتمعية ومالاتها، فالذين يعالجون موضوع الكورونا اليوم، يذهبون مسارعين للاقتصاد ونوع التنظيم المجتمعي وحالة الدول، مع رفض وضعها ضمن سياق الظاهرة المجتمعية كحالة ذاهبة الى مابعدها، ولايريد هؤلاء الانتباه الى التناقضية المطردة بين مسارات الانتاجوية/ التقدم، وبنبة الكائن الحي البشري الجسدية المتاخرة المتحصلة موضوعيا، كمثال كون “الانسايوان” كان يمشي كمعدل 11 كيلومترا في اليوم، قبل ان يفرح متباهيا بتقدمه في مجال المواصلات والنقل الذي أوقف وبدل سيره البطئ، فغيره الى كائن اخر متضائل القدرة الجنسية، كليل النظر، معرض الكبد والعينين للعطب، ومن ثم لتآكل الاعصاب والموت، والسبب توقف البنكرياس عن أداء مهمته التي استمر يؤديها قبل قفزة الالة ووسائط النقل السريعة.
وليس هذا سوى مثال واحد من عشرات اشكال المتغيرات التي تنجم عن تراكمات وقفزات المنتجية ومساراتها، وانعكاسها على البينة البشرية الجسدية والعضوية من ناحية، وعلى البيئة الكوكبية من الناحية المقابلة، الامر الذي يقلب ويحول باطراد وكليا الأسس والقواعد الحياتية للكائن الحي، واشتراطات وجودة وديمومتة المجتمعية، وصولا الى مغادرة الطور المجتمعي الأول، كما كان قائما ابان الزمن اليدوي من تاريخ المنتجية، وبما انه لاوجود في عرف الانسايوان للمراحلية المجتمعية، ولاحتمالات الانتقال الى طور اخر مابعد مجتمعي مباين كليا، فلن يوجد مايدعو لتوقع مستجدات وحقب انتقال مقلقه تظل تتبلور مهيئة الأسباب، ومحفزة ودافعه كما كان عليه الحال على سبيل المثال التقريبي، بين أواخر، او الزمن الفاصل بين طور اللقاط والصيد، والطور المجتمعي التحولي المعاش الى الان. وحتى ذلك الحين فان الذهاب لحد الفصل بين طرفي المجتمعية، أي “التجمع” من ناحية، و “الانتاجوية” لن يوجد مايبرره، والأكثر من ذلك، مايركز الاهتمام على احتمال تناقضيته.
ومايزال الانسايوان بالطبع يرى الى المجتمعية بما هي حصيلة ارضوية منسجمه، محكومة بالأساس للتجمع/المنتجية، كعنصرين مترابطين ومتوافقين من دون فحص لتفاصيل العلاقة بينهما، واذا كان هنالك مايدعو او يستوجب اليحث عما يمكن تسميته احتمالات تصادمية المنتجية والاجتماع، وتنابذهما التكويني قبل انفصالهما، الامر الذي كان سيضع العقل امام امتحان هو غير مؤهل للخوض فيه في حينه، بالذات من ناحية وعلى صعيد ذهابه الى تدبر مسالة علاقتة وعلاقة حاملة الجسدي بالكوكب الأرضي، واذا كانت بالاصل وابتداء علاقة طرد ونفي، ام استقبال واحتواء سكني نهائي.
وتكمن هنا قضية أساسية من غير الممكن رؤية الوجود والصيرورة من دون اماطة اللثام عنها، هذا وهي باقية تظل تتاتى ـ كما سبق ونوهنا مرارـ من نقيصة العقل وقصورة الموضوعي بإزاء الظاهرة المجتمعية باعتباره عقلا ينتمي الى ماقبل مجتمعية، ومن هنا وسياقا فان تساؤلا من نوع او قبيل احتمالية “مجتمعية مابعد مجتمعية أرضية” لم ترد على بال من نظروا وينظرون في الظاهرة المجتمعية و “توينبي” في بحثه في الحضارات مثلا، وجد ان الكائن البشري بحسب المنظور”الحضاروي” قد صاغ حضاراته بحسب ماكان يجابهه من نوع تحديات من البيئة والطبيعة والموقع ومااليه، هذا من دون ان يخطر بباله الذهاب او محاولة التفكير في احتمالية او فرضية وجود مجتمعية لامجتمعية، بناء على نوع ونمط من التحدي الفائق للمعتاد.
لقد وجدت المجتمعات عند بداياتها المتبلورة الأولى في واديي مابين النهرين ووادي النيل فكانت مصر “هبة النبل” وعطيته، الامر الذي جرى القول به من أيام هوميروس المؤرخ الانسايواني، بينما لم يذهب احد الى اليوم، او يتمكن من تعيين صفة وحالة موضع نهرين هما الاقدم، وبالأخص كشف واماطة اللثام عن نمطهما المتعدي للطاقة العقلية، بصفته “ما يمتنع عن منحه النهران” وماكان يقتضي البحث في احتمالات ان يكون حالة من المجتمعية قائمة وفق اشتراطات اللامجتمعية، او بالاحرى في وضع لايتيح للمجتمعية التجسد ارضويا واحاديا/ نيليا، بمعنى نوع اخر ونمط مقابل، او وجه اخر من وجهي العملة المجتمعية، محركة واساس بنائه واستمراريته، اشتراطات دائمه من “العيش على حافة الفناء”، حيث كل شيء، وكل مايتصل بالحياة وتنظيمها واستمرارها، مضاد ومجاف ومنطو على تهديد.
وهنا نعود مرة أخرى فنصير امام ظاهرة ونمط، خارج عن طاقة العقل على الإحاطة، بالاخص ابان الزمن الذي لايكون عنده العقل قد ارتقى ضمن معارج صيرورته وتشكله داخل المجتمعية، الى خانه ودرجة “العقل المجتمعي” أي المتعدي لحدود ونطاق الأحادية القابلة للادراك والمعاينة الملائمة لممكنات “العقل ماقبل الناطق”، او ماقبل المجتمعي، كما ظل عليه الحال خلال دورتين تاريخيتين كبريين، وانقطاعين، مع ماقد مر الى الان من الدورة المعاشة الثالثة.
مااهم مايترتب على اكتشافنا للوجه الاخر، او الصنف غير المدرك من “المجتمعية” التي لاتتجسد ارضويا رغم حضورها المادي، فتكتفي بالتجسد المؤقت سماويا، وبالتساؤل البديهي عن دلالة ومغزي مثل هذا “الازدواج المجتمعي”، لابد ان يخطر لنا البحث عما هو كامن وراءمثل هذا الترتيب مافوق الأرضي، بالاخص لجهة مالات المجتمعية، وماهي مرشحة لان تذهب اليه وتصله، وبالذات وابتداء، اذا كان هذا الترتيب دال على نهائية وسرمدية الظاهرة المجتمعية او لا، والاهم من ذلك اذا كانت متحولة وخاضعه لقانون انتهاء الصلاحية، والى اين.
الفرضية التي نعتمدها هنا تقوم على القول بان علاقة البيئه المتحركة بالمجتمعية هي علاقة نفي تحولية، تبدا باشتراطات العيش على حافة الفناء المحدودة المقتصره على مكان محدد من المعمورة، وتنتهي بشمول الظاهرة للكوكب والمجتمعات كافة، وماعرفته وتعرفه ارض سومر جنوب ارض الرافدين بداية، وكنقطة دلاله على نضج الظاهرة المجتمعية وتبلورها تحوليا، لن يلبث وفي نهاية ثلاث دورات تاريخية، ان يصبح حالة عامة وشامله للكوكب الأرضي برمته، بغض النظر عن اختلافات شكل تحققه بين الحالتين، من المجافات البيئية والمكانية الشاملة والمدمرة، الى اشكال وعوامل تدميرية لشروط الحياة والوجود، تولدها المنتجية مع تحولها الى الالية، مايؤدي الى قلب أسس وقواعد التنظيم المجتمعي الوجودي، ويضع على بساط الاهتمام المصيري القسري، مقتضيات من نوع وطبيعة ماوراء مجتمعية وماوراء انسايوانية.
من البديهي عند بدايات، ومع احتدام بعض مظاهرحلول اخر الزمان المجتمعي، ان يعاد انتاج موضوعات العقل الانسايواني، فيتكرر بالمناسبة انتاج الموضوعات المجتمعية الثباتية والاحادية، فلا يتعدى مايراه العقل الموروث الايل للزوال، حدود النظرللجائحة من بعض جوانب الإنتاجية، بالاخص طبقيا، تحت طائلة أوهام التغيير اليوتوبي المجتمعي، خلال لحظة لايعود المجتمع نفسه بمكوناته وتقسيماته ابانها قابلا للاستمرار والوجود، وبالأخص نوع منتجيته كما هي ماثلة، وكل هذا متوقع، اذ كيف يمكن للعقل ان يذهب لحد التفكير بزمن عنوانه الانتقال، من منتجية إرضاء الحاجات الجسدية الحيوانيه، الى منتجية صناعة الكائن المتحرر من وطاة الحاحات الحيوية المادية الراهنة أي “الانسان”، خليفة “الانسايوان” المجتمعي الحالي.
ـ يتبع ـ
‎2020-‎04-‎03