كلمة الى المستقبل …!
صباح الخير يا شمران!

جمعة اللامي.
صباح الخير يا شمران . صباح المحبة والجمال والربيع والشعر والقصب والمنائر والمنافي والمتنبي والجواهري.. يا أيها العزيز!
في هذا الصباح، سأحمل وردة حمراء ، إلى مكان في هذا الخليج المكابر، فأنا لا أعرف مكان قبرك، وأغرس ساقها الأخضر في صخرة جلمود ، وسوف تتفتح مسامات تلك الصخرة ، وتستقبل وردتك الحمراء ضاحكة ، لأن الجماد الأصم يعرفك ، فكيف بالشجر والبحر والفصول الأربعة..؟ وعندما.يمرُّ عليَّ صيادو الشارقة وعجمان ورأس الخيمة والناس المتعبون في كل هذا الساحل العربي ، ويرون الصخرة الجلمود تتضوع عبيراً ساحراً، اذ تتعرف على وردتك ، سأقول لهم: من يعرف شمران لا فكاك له عن الحب!
وفي المساء سأوقد الشموع!
سأجمع أولادي الأربعة، وأحكي لهم قصة عمهم ، تلك الأسطورة الإنسانية والثقافية، وسأقول لهم: يا أولاد.. كان عمكم رجلاً شريفاً ، أحب الفلاحين ونذر حياته من أجلهم فبادلوه حباً لا يوصف، وأحب الطلاب والقصابين والعمال فحفظوا كلماته على صدورهم ، وأحب الاطفال فكبروا على رجولته ونموذجه في الكرامة والأصالة.
وسأقول للأولاد: عمكم يا أولاد، اسمه شمران الياسري من سلالة العرب الأماجد، كان شرفه في موقفه، فلم يبع كلمته، ولم يساوم عليها ولم يمدح حاكماً، ولم يتراخ أمام جبار ، كان إنساناً بكل ما تعنيه هذه الكلمة ، ولذلك كان يجد أوجاع الفلاحين العرب تلخص عذابات وحرمانات الفلاحين في كل هذه الكرة الأرضية ، فارتبط مع كل انسان صاحب قضية في مشارق الأرض ومغاربها!
وسأقول لهم: يا مستقبلي، واستكمال ماضيّ، كان عمكم، شمران، صورة الحياة وجوهرها، وحاضر الصراع ومستقبله، وقوة الكلمة واقتدارها الفائق على الصبر والصمود. وعندما يسألني الأولاد: “وأين يوجد عمنا، هذا، يا أبتاه؟” سأرد عليهم: في جذور النخيل، في لقاء العشاق، في بندقية كل مقاتل فلسطيني في الفاكهاني عندما كان يقاوم جنود شارون، في مذابح صبرا وشاتيلا، في أرق أغنية كتبها ايلوار، وفي صوت ناظم حكمت عندما يحول الشقاة إلى أبرع رسامي العالم!
ولن أطفىء الشموع، سأبقى أراقبها وهي تتوقد، تخلق مساحة من ضوء ونور في هذا الظلام القبيح الذي يحيطنا جميعاً ، وعندما يتقدم الليل، سأواجه البحر وأطلق صوتي بكل ما فيَّ من حيل:
يا شمران : ما أعظم الإنسان: يعيش حراً، ويموت واقفاً، ويقول كلمته ضد هذا الليل الرهيب.
يا شمران :
إنتفض يا شمران، وسر قدَّام قبائل كل العرب، وقل كلمتك “بصراحة” في وجه كل من يقتل الإنسان ويشرد المثقفين، ويغتال الحرية، في أي مكان من هذه الأرض، فلا عذر، بعد اليوم، لصامت، ولا تبرير لكل من يتوانى عن الإنضمام إلى معسكر الحرية والسلام!
يا شمران.. تزول المحيطات، وتندك الجبال الراسيات، وتنطبق السماوات على الأرض، لكن صرخة النواب ومحمود درويش ضد العسف، تنتقل من بيت إلى بيت!
وعندما يعلو صوتي، ويتجمع المارة تحت شرفتي، ويدخل الجيران والأصدقاء والمعارف والأعداء إلى بيتي الذي سأبقيه مضاء هذا المساء ، سأقول لهم بهدوء: أيها الناس، ان الربيع يحيط بكم من كل جانب ، والنشيد الرسالي العظيم يتعالى في كل أرجاء المعمورة ، والزهور تطلع اليوم من كل بيت مظلوم، لأن شمران لم يمت، ولأنه يطلق صوته الآن بنشيد الفرح العظيم ، معيداً ومؤكداً مسيرة البشرية باتجاه الحرية والشمس منذ اسبارتيكوس وحتى تعود البشرية إلى طفولتها وعذريتها!
سأقول للجمع كله: صباح الخير أيها الماضي.. صباح الخير أيها الحاضر.. صباح الخير أيها المستقبل.
جمعة اللامي

ــ الصورة : شمران بزيّ الفرات الأوسط.

Bilden kan innehålla: 1 person, närbild

جمعة اللامي بزيّ سجن نقرة السلمان

Bilden kan innehålla: 1 person

جريدة ( الخليج ) ذاكرة المستقبل – الشارقة
31 آذار 1983.