أسوأ ما تعلمت!

ابو زيزوم .
كنت اعتقد أن كل علم نافع ، فنهلت بنهم كل ما وقع تحت بصري من معلومات جديدة كي أضيفها لثروتي الثقافية . وما دار في خلدي اني سأندم على بعضها حتى سرتُ بأغنامي في قفر بعيد وأدركني الليل وسط خلاء فسيح لا يُسمع فيه الا حفيف الريح وتهامس النجوم . كنت ادري أن ذئباً او اكثر يقطن ذلك الربع النائي ويغير أحيانا على القطعان المهاجرة عندما تمسي هناك ، فيقتنص ما خف وزنه من الحملان ويفر بعيداً تطارده كلاب الرعيان . وها انا أيضا معي كلب اصيل إسمه ( طرّاح ) ضامر الخصر كأنه سلوقي ، لا يتوقف عن استعراض مهاراته الفائقة في الجري ويتبختر عند المشي بذيله الطويل . ومعي بندقية وخنجر وشومي مرصع الرأس بالمسامير . ومعي الى جانب كل ذلك رغبة متحفزة لخوض مغامرة باسلة امام ذئب جائع أضيف اليها من خيالي ما أضافه الفرزدق والبحتري الى ذيبيهما يوم واجه كل منهما الذئب وحيداً في صحراء كهذه الصحراء .
العدة التي بحوزتي تخص الراعي المجاز ، وقد تصادفت خلافتي له مع هذه النجعة البعيدة . وكعسكري قديم لا بد لي من اختبار جاهزية اسلحتي ، خصوصاً هذه البندقية الصدئة التي لا يدل مظهرها الخارجي على انها بخير . فألقمتها إطلاقة وضغطت الزناد فلم تنطق وبقيت هامدة كجثة ميت ، فسرت في أوصالي برودة خيبة شاملة . رخاوة الزناد تشير الى انفلاته من المطرقة ، وهجوم جحافل الظلام يحول دون محاولة التفكيك لتدبّر الامر ، وإذن فأنا أعزل الا من السلاح الابيض والكلب !.
كان في نيتي قبل بروز هذا العارض ان أوقد ناراً واصنع شاياً وأتناول وجبة الرعيان المعتادة ، لكن فقداني أهم أسلحتي أفقدني الرغبة في الطعام . فأقعيت بين المراييع على مقربة من بوز الحمار الواجم ، وكأنما انتقلت عدوى الخوف من صدري الى المواشي فتجمعن حولي مثل جمهور حفيّ يتدافع حول المنصة لسماع كلمة رئيس الحزب . وبسط طرّاح ذراعيه امامي وراح يرقبني بألفة مهزوزة كذيله الطويل . وكلما اشتد الظلام تقاربنا أكثر أنا والكلب والأغنام .
الكلب عند الغربيين فرد من العائلة له ما لهم او أكثر من الحب والدلال . أحبوه للتعويض عن النقص الحاد في العواطف المتراجعة تحت ضغط العمل ومشاغل الحياة . والعرب الذين أنزلوا الكلب ذات المنزلة إنما فعلوا ذلك على مجرى التقليد لكل ما هو غربي وليس لجدب عاطفي . اما كلبي طرّاح فإنه في موقعه الطبيعي الممتد من أيام جده الذي ظل ينبح فوق سفينة نوح طوال الطوفان . ان واجبه الحراسة ، وكانت ثقتي به عالية قبل خروج البندقية من معادلة المواجهة مع ذئب قد يشق عواؤه المفاجىء سكون الليل . غير انه الان يبدو خائفا مثلي ويزحف حتى لامست ذراعه قدمي .
السيناريو المتوارث في ذهني ان الذئب يترصد القطيع من الجهة المعاكسة لإتجاه الريح ، ويدنو بحذر الى ان تصبح المسافة قصيرة فيصول . غير انه يولّي مدبراً بمجرد سماعه صيحة الراعي او نبحة الكلب . لذلك واعتماداً على تلك الحكايا الفولكلورية أخذت اغني بصوت مرتفع ليفهم أي ذئب في المكان اني يقظ وبالمرصاد . وجاوبني طرّاح بعدما استوى على قوائمه بنباح من نوع الوطوطة ، وهو النباح الرتيب الذي يؤديه الكلب لتشجيع نفسه . الا اني تذكرت وليتني لم اتذكر صوراً موثقة عن الحياة البرية غصت بها شاشات التلفزة اخيراً ونسخت كل رواياتنا الموروثة عن طباع السباع في الإجهاز على فرائسها . تهجم على شكل مجموعة وتطوق الهدف ثم تتقدم بحركات منسقة كأنها فريق رياضي او جوقة رقص . ولا يثنيها عن غايتها صرخة او نباح . ان الذئاب تحاصر في بعض الأحيان أسداً هصوراً وتنهكه بالكر والفر قبل ان تتكالب عليه وتورده المنية . وانا لست أسداً ولا املك من السلاح سوى هذا الغناء العبثي ونباح طرّاح ، الذي لن يفعل اكثر من تنبيه الذئاب الى مكاننا فتجيئنا كالقدر المحتوم .
توقفت عن الغناء لكن الكلب لم يتوقف . ألقيت له كسرة خبز علّها تسكته فلم يلتفت إليها وواصل الوطوطة . الغربيون ورغم كل احترامهم للكلاب يضعون على اشداقها كاتماً للصوت كي لا تزعج الآخرين ، ولا ساجور عندي أكمم به طرّاح ، فماذا افعل ؟.
وأنا اعاقر التلفزيون ساعات طويلة للمتعة كنت ازعم لنفسي بأني أستفيد من أفلام الحيوان علماً نافعاً . وأعترف الان ان ذلك العلم مصيبة تحل على راسي . فلولاه لما ترديت في أتون هذا الرعب الرهيب . انه يذكرني رغماً عني بالمناظر الوحشية لأنسجة الضحية تتمزق إرباً على الأنياب المسنونة بينما عيونها مازالت ترمق بالنزع الأخير . أيكون مصيري بعد قليل كتلك المصائر الفظيعة ؟. تساؤل كفيل بأن تخور قواي قبل المواجهة .
لو لم تجتث التلفزيونات الحديثة من وعيي أساطير الأولين عن عالم الحيوان لكنت الان أغط في النوم على سمفونية هذا الكلب النابح بلا كلل . لكن هيهات ، فهذا صفير الريح والأشباح المترائية من جوف الليل الكثيف تقول لي انك هالك لا محالة . فحسدت المواشي الرابضة من حولي على جهلها بالتلفزيون وما يبث من أفلام الرعب . انها تتجرر دون فزع من قطيع ذئاب يتربص بها قاب قوسين او ادنى . حسدتها على جهلها الذي قال فيه الشاعر :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
( ابو زيزوم _ 827 )
‎2020-‎04-‎02