ماذا تُعلِمُنا الأمثال والحِكم.. ولماذا لا نمل من تكراراها.. وما هو المثل الذي ينطبق على العراق اليوم؟


د. سعد ناجي جواد.
قصص الأمثال التي تجري على السن العراقيين والعرب كثيرة وجميلة ومعبرة. خلال الأيام القليلة الماضية لا ادري لماذا تذكرت، وانا اتماثل للشفاء بعناية من الله العلي القدير من أزمة صحية طارئة، قصة ذلك الابن الذي وجد والده الشرير يبكي على فراش الموت، فساله عن سبب بكاءه فأجابه الأب بانه من كثرة الشرور التي ارتكبها سوف لن يجد بين الناس من يترحم عليه. عندها طمأنه ابنه قائلا بان لا يقلق لانه سوف يجعل كل ابناء المدينة يترحمون عليه، وبالفعل قام الابن بارتكاب ما هو أبشع وأفضع بحيث ان الناس بدأت تقول (الله يرحم ابوه) كان لا يتمادى إلى هذا الحد. ويبدو ان من حكم ويحكم العراق، وبالأخص بعد عام 2003، اثبتوا ويثبتون باستمرار انهم من اكثر المتمسكين بهذه النظرية، بحيث ان من يأتي الى سدة الحكم او يتصدى للمسؤولية منهم يتفنن بارتكاب السيئات (من فساد وجرائم) التي يتفوق فيها على من سبقه، مما يجعل الناس تترحم على من كان موجودا قبله. انا هنا لا اريد التحدث عن فشل الكتل السياسية في إدارة العراق منذ الاحتلال ولحد الان، ولا عن فشلها في طرح اسماء او حتى اسما واحدا مؤهلا لإخراج العراق من مآزقه المتفاقمة، ولا عن المصلحة في الإصرار على هذا النهج، لان مثل هذا الحديث اصبح عقيما. وإنما احاول ان أفسر ظاهرة الإصرار على اختيار النماذج السيئة او المجربة الفاشلة والفاسدة اكثر من مرة، او التي لا يوجد في سيرتهم ما يثبت انهم قادرين على تحمل مسؤولية وطن وشعب.
لا تزال عامة الناس، وبعد كل أزمة تناقش هذه الظاهرة وتجادل وتتساءل هل ان هذا الامر يحدث بصورة متعمدة، وانه أسلوب لإفهام العامة بان من يحكم يستطيع ان يفعل ما يريد. أم انه يأتي تماشيا مع التدهور السياسي والمجتمعي والمعرفي والديني وحتى الأخلاقي الذي تمر به البلاد؟ ان اغلب الدلائل تشير الى ان هذا الأمر يحدث نتيجة للسببين معًا؛ اذ لا يمكن إغفال حقيقة ان الإرادة الخارجية المتعمدة هي السبب الأول في ما وصل اليه العراق، وبدفع من الولايات المتحدة وإسرائيل بالأساس، (وبعد ذلك إيران)، ومن تعاون معهما في مسالة احتلال العراق، ولسبب بسيط هو ان هذه الأطراف، (ومعهم بالمناسبة الغالبية العظمى من دولة المنطقة من دول الجوار ، بل وحتى من داخل العراق)، يريدون لهذا البلد الكبير ان يبقى على هذا الحال، ممزقًا ضعيفًا تسرق ثرواته ويجوع شعبه ويتدهور تعليمه ويفسد قضاءه وتنهار الرعاية الصحية فيه، والأهم ان يبقى محكوما من قبل فاسدين مدعومين من قوى خارجية، ويقدمون مصالح الخارج على مصلحة بلدهم. وطبعا لا يوجد وسيلة أفضل لتحقيق ذلك من عملية تنصيب الجهلة والأميين والقتلة والفاسدين وتمكينهم من التحكم بامور البلاد والعباد للوصول الى هذه النتائج الكارثية. وهكذا نجد يوما بعد يوم تصاعدا في كمية الفساد وفي الفشل وتدهور كل نواحي الحياة في هذا البلد العريق وصاحب أول الحضارات الإنسانية. لانه وببساطة، وكما يقول بيت الشعر العربي القديم ( إذا كان الغراب دليل قوم سيهديهم إلى دار الخراب، او يمر بهم على جيف الكلاب)، في حالة العراق فان العيب ليس فقط في الغربان، وما أكثرهم، ولا بمن دفع او لا يزال يدفع بهم الى الواجهة، ولكن العيب كل العيب في الناس الذين يفترض انهم قد خبروهم وعرفوهم بعد هذه السنين العجاف. وليس المقصود هنا بسطاء القوم الذين خُدِعوا ولا زالوا يُخدَعون ببساطة بالكلام الكاذب والوعود الواهمة، ولكن، وهذا هو السبب الثاني، المقصود هنا بعض من يطلقون على أنفسهم (نخب) البلاد الثقافية والسياسية والدينية والإعلامية والأكاديمية والاجتماعية، الذين بمجرد ان يظهر اسما مكررا ومدعوما من الخارج يبادرون الى كيل المديح له وفي تعداد حسناته الموهومة. فالقاتل ورئيس العصابة والمجرم يتحول إلى سياسي محنك يمتلك قدرات وتاريخ في بسط الأمن وفرض القانون، والسارق والفاسد الذي انقلب بين ليلة وضحاها من إنسان معدم يستحق الصدقة الى ثري من الأثرياء الكبار، يتم تصويره للناس بانه سياسي كبير ونزيه ورث الأطيان عن عائلته التي ربما لم يسمع بها احد من قبل. والعميل الخائن الذي باع وطنه بأبخس الأثمان وساهم في تدميرها يتحول إلى وطني محنك وذو تاريخ نضالي طويل وأفنى حياته وتشرد وعذب في سبيل الدفاع عن حقوق شعبه. والأهم انه لا يجوز مساءلة اي من هذه النماذج عن ما قامت او تقوم به من جرائم، حتى وان وصلت إلى القتل الجماعي. الأتعس من ذلك ان هؤلاء المطبلين لا يتناسون تاريخ الوجه المطروح وسجله الإجرامي والفاسد والفاشل فقط، بل يتغافلون ويتسترون حتى على الاحكام القضائية التي صدرت بحق هكذا أشخاص ومن محاكم ولجان عراقية او دولية، وعن جرائم قتل او سرقة المال العام واغتصاب الأملاك، الى غير ذلك من جرائم تزكم الأنوف. علما بان الكثير من هذه الجرائم والاحكام مسجلة ومنشورة وموثقة بالصوت والصورة وتاريخها قريب، ولم يمض عليها عقود من الزمن كي تنسى، وليست بحاجة الى من يمتلك قدرات بحثية كبيرة لكي يكشف عنها، لانها ببساطة عالقة في اذهان الكثيرين. بالتاكيد لا يمكن ان يأمل ابناء العراق من أطراف ارادت وتريد شرا ببلدهم، خارجية كانت ام داخلية، ان تدعم او ترشح وجوهًا كفوءة نزيهةً يمكن ان تعيد للعراق مكانته، لان فعل ذلك يعني نهاية مشروعها في تفتيت هذا البلد، (هذا المشروع الذي بالمناسبة، اذا ما استمر التمسك به سيكتوي به كل من خطط وسعى اليه)، ولهذا فان هذه الأطراف تصر على اعلاء شان أشخاص كان أقصى أحلام السيئ والفاشل منهم قبل عام 2003 ان يصبح موظفا بسيطا، ويستلم راتبا ثابتا ينسجم ومؤهله شبه المعدوم لينقذه من حالة العوز التي كان يعيش فيها. أما (قيادييهم) فان طموح اكبرهم لم يتجاوز ان يتعين مديرا عاما في احدى الدوائر الرسمية.
خلاصة القول انه طالما ظلت هذه الوجوه هي التي تتحكم بمصير البلاد واستمرت عملية تدويرها من الخارج او تدوير نفسها من الداخل، فأنها لن تترك الحكم حتى وان مات بسببها نصف الشعب العراقي فقرا او مرضا او بيد الإرهاب، وستظل تقول انها باقية في الحكم وفق صيغة (ديمقراطية ودستورية). وسيظل عامة الناس يترحمون على من سبق بسبب اداء الموجود الأكثر سوءا. ولا خيار أمام العراقيين وخاصة الوطنيين الشرفاء والواعين منهم الا بازالة هذه الأحزاب والكتل الفاسدة بالكامل و بالقوة، وإحالة كل أفرادها الى المحاكم القضاء النزيه العادل. وان انتظار ان تفعل قوة خارجية ذلك سوف لن يكون الا تكرار لمآسي الماضي القريب. وإذا ما حصل وبادر العراقيون الى فعل ذلك، وسيحصل ان شاء الله، فان الراي العام، ليس في العراق فقط وإنما في العالم اجمع ، سيُدهش من حجم الفساد الكبير والجرائم الفاضحة التي ارتكبتها هذه الوجوه التي جاءت في غفلة من الزمن وبإرادة خارجية. والأهم ان العراقيين سيندهشون من حقيقة ان خيرات وموارد بلدهم وفي ظل أوطأ أسعار النفط تستطيع ان توفر لهم حياة عزيزة وكريمة اذا ما تمت ادارتها بطريقة سليمة.
لقد علمنا التاريخ ان الحال السيء مهما طال به الزمن ومهما وجد من السيئين الذين يدعمونه، سينتهي يوما ما، وسيتم إزاحة ومحاسبة كل من اساء لبلده ولشعبه، و سيذهب مع هؤلاء القتلة والفاسدين وإلى مزبلة التاريخ كل المطبلين والمزمربن الذين سخروا ابواقهم وأقلامهم الرخيصة لتبييض الوجوه الكالحة، وكل الذين دافعوا عن أنظمة سيئة، او عن احتلال اجنبي. وإن غدا لناظره لقريب ان شاء الله تعالى.
كاتب واكاديمي عراقي
‎2020-‎04-‎02