انتقام في زمن الكورونا !

بقلم بكر السباتين.
قصة قصيرة..
لم يغامر جابر بإخبار أحدٍ عن علامات الكورونا التي داهمت عقله قبل أن تتمكن من جسده الذي وَهَنَ أمامها.. فعليه قبل كل شيء تصفية حساباته مع المجتمع الذي لم يترك له شيئاً يعتاش منه.. داهمه شعور باليتم.. الصيصان تضج في عشه وقلبه مجروح كأنه تائه في غيبوبة العجز، وقد أترعته الظروف القاسية بخمرها المسموم.. تحوّل لعابُه إلى حبر أسود كقلبه المتفحم من الغيظ، يزوّد به بصمة إبهامه؛ ليدمغَ بها كلَّ عقود الخلاص والتشفي المبرمة بينه وبين الناس.. كأنه مع الشيطان على اتفاق “لقد جن جنونه”.. كنترول الباص.. بائع الفول السوداني.. العطار.. حتى أنه صادف في طريقه أحد المتسولين فربت على كتفه متمتماً:
” موتك رحمة لك يا متعوس الحظ”.. ثم عرج إلى بائع السجائر هامساً في أعماقه المعصوفة بالأحقاد:
” دعنا نحترق كسيجارة نلقمها أفواهنا كي نخرس ألسنتنا من الشكوى والتذمر”..
ويباغت في طريقه خطيب المسجد المجاور.. يداعبه بتكلف، مما أثار استهجانه، ويتساءل الشيخ المغبون والدهشة ترفرف من حوله كالفراشة المتباهية بألوانها:
“ما هذا يا جابر! أراك تداعبني بينما كنت تقول لأصدقائك بأنك لا تطيق وجودي! هدانا وإياكم الله”..
لم يتجرأ جابر على دخول الحي كيلا تصادفه أمه في الطريق فتأخذه كعادتها بالأحضان.. سيذهب إلى عمله حتى يراجع المدير المالي بشأن السلفة.. وكان حريصاً أثناء ذلك على تفقد أقسام الشركة على غير عادته.. والكل يستقبله بمحبة أو استهجان كونه من أرباب المشاكل فيها.. وكانت ترافقه الأسئلة البكماء كهالة تتوهج في عيون من يلتقيه، وعبارات الخيبة أو الترحيب يتلمسها بقلبه وهو يجاملهم متنقلاً من خصم إلى صديق:
” ليس من عادتك أن تأخذ الناس بالأحضان يا جابر”.
فيهمس في أعماقه:
إنها بنود اتفاقي مع الشيطان.. أعيش بينكم أو نموت معاَ.. وها هو الشيطان يثيره محرضاً:
لا تتسامح مع أحد.. كلهم يكرهونك، قابلهم والمدية مخفية داخل كم قميصك..
مجتمع أفاق سيشمت بك حينما يلتهم فيروس الكورونا صدرك ويقبض على أنفاسك كعصفور لا أحد يسأل عنه.
وانتهى به الأمر أمام مكتب المدير المالي والإداري.. فأدخلته السكرتيرة بعد أن لمس بإبهامه ما طالته يده من أدوات مكتبية. كان المدير منشغلاً.. سأله وعيناه تدققان في ورقة ما:
– خيراً إن شاء الله.. لا تقل لي بأنك تريد إجازة.. فقد نعطل الشركة لأسبوعين من باب الحظر الصحي.. ولكن…!
تراقص قلب جابر فرحاً.. لكن ما ظهر له خلف ابتسامة المدير.. أقنعه بأن الشيطان كان محقاً حينما أعطاه المنجل ليحصد به الرؤوس التي قد أينعت وحان قطافها:
“كل الناس خصومي يا أوغاد”
طلب منه المدير الجلوس.. لا بل وصب له فنجان قهوة بيده الناعمة المعطرة بالطيب.. كان جابر يتعمد مصافحته فاستجاب الآخر بحرارة ودهاء.. وأثناء ذلك كان يصغي إلى حديث المدير متشفياً، وكأنه بات يقف على نتيجة الانتقام كمن وجد ضالته.. والمدير يسهب له في الشرح حول ظروف الشركة المتردية بعد انتشار مرض الكورونا، وراح يمهد له بينما كان يمسد شاربيه كي يقدم جابر استقالته:
“فقط حالما تنتهي الأزمة على خير ستكون أول المطلوبين للعودة إلى الشغل.. وهذا وعد شفوي مني.. نحن لا نتحايل على قانون العمل والعمال، بل نتعامل جميعاً كأصحاب الشركة التي لا بد من إنقاذها كي تظل بيوتكم مفتوحة.. وكل حقوقك ها هي مدرجة في هذا الكشف الملحق بالشيك.. وها هو أمامي جاهز وؤشر عليه، فقط ينتظر توقيع المدير العام.. اكتب استقالتك بروح رياضية وتفهم الأمر.. ولك مني ما يرضيك.. اللهم ابعد عنا البلاء”
وراح يتمتم ببعض الآيات القرآنية ثم يمسد بأنامله على لحيته الطويلة.
مكملاً:” اذهب يا جابر إلى قاعة الاجتماعات لإجراء ما يلزم.
خرج جابر من المكتب مربد الوجه.. وبدا بطوله الفارع كجمل لا يقوى على حمل سنامه.. عيناه السوداوان الغائرتان تفران إلى حيث المقصلة التي تنتظره.. طاولة عليها ورقة وقلم وما على الضحية إلا أن تكتب استقالتها:
وكتب جابر استقالته بعد ان مرر لسانه الملوث على حواف الورقة.. وسلمها للمدير الإداري.
بعد أيام.. وفي منتصف مدة الحظر الذي فرضته الحكومة على الشعب في إطار قرار الدفاع.. سمح للناس الخروج من بيوتهم.. على أن يخرجوا فرادى ومتقيدين بشروط السلامة العامة والصحية.. فبدو كمن تاهت بهم الدروب بعد بيات شتوي طويل.. وشاءت الصدف أن يلتقي جابر بالمدير المالي الذي أشاح بوجهه عنه، وذكره بالشيك فرد عليه المدير:
” شايفني فاضي.. الحال من بعضه”
لكن جابر أخذه مباغتاً بالأحضان وكأنها رسالة وداع لم يفهمها المدير الذي تجهم وجهه وازداد عبوساً وهو يتمتم والخوف يجرف الكلام عن لسانه: ” فعلاً وقاحة!!”.
وفي غرفة المعيشة كان المدير الإداري بين عائلته يمسح يديه بالمعقمات.. وهو يتابع شريط الأخبار.. ثم يستمع إلى بيان وزير الصحة الذي أعلن عن اكتشاف حالة مستعصية كانت مصابة بفيروس الكورونا منذ أسبوع.. وذكر اسمه مرفقاً بصورة المريض.. فأصيب المدير بالذهول.. والتهمت الأسئلة رأسه فصار كأن على رأسه الغربان تنعب حظه العاثر.
ولسانه الذي أكله القط يردد:” هو بذاته.. جابر! لماذا ظلمت أولادي أيها الوحش القاتل.. ذنبهم في رقبتك!”
لم يتذكر هذا المدير بأن لجابر أولاداً متعوسين، وشيك مؤشر عليه وينتظر توقيع المدير العام.
وظلت الغربان تنعق وهي على رأس المدير الذي داهمه الخوف فتصلبت أطرافه.
30 مارس 2020