مجازر في العراق: التاريخ السّري!
 
الفصل الخامس
من كتاب
 “اللابشر – Unpeople”
للمؤرخ: Mark Curtis
—————————-
ترجمة: عزام محمد مكي.
Uruk1934@gmail.com
من ظهر الكتاب
(بريطانيا متواطئة في موت عشرة ملايين من البشر.
هؤلاء ليسوا بشر- ويُنظر لهؤلاء الذين على قيد الحياة بكونهم غير ضروريين،
في السعي لتحقيق الاهداف الاقتصادية والسياسية لبريطانيا)
تاريخ بريطانيا حافل في حالات التواطئ مع الاعتداءات وانتهاكات حقوق الانسان في العراق. وبالتأكيد فأن الكثير مما نشاهده الآن في هذا البلد ترجع جذوره الى الاحداث المروعة التي حصلت في ستينات القرن الماضي. ان الملفات السرية سابقا للأدارة البريطانية تخبر عن إن الدعم الذي قدمته هذه الادارة لعمليات الاضطهاد والقتل الذي قامت به الانظمة المتعاقبة في بغداد، كانت سابقة بوقت طويل لوصول صدام للسلطة. إن هذه الملفات السرية تكشف مستوى مذهل من التواطئ مع عمليات الاضطهاد ضد الكرد ومن ضمنها استخدام الاسلحه الكيمياوية – هذه السياسات التي تمثل الجذور لما قدمه الدعم الغربي لاحقا الى صدام. في الوقت الراهن فان لندن و واشنطن مصممة على ضمان بقاء نظام موالي لهما في بغداد. انهم يسلكون سياسات لها سوابق تاريخية وخلفية لاتبشر بخير لمستقبل العراق.
سقوط الملكية
في ثورة 14 تموز1958 تم اسقاط النظام الملكي ، للملك فيصل ورئيس الوزراء نوري السعيد، المدعوم من بريطانيا. ونتجت عن هذه الثورة جمهورية بقيادة الجنرال عبد الكريم قاسم. وعلى اثرها تم قتل العائله المالكة ونوري السعيد ومن ثم تم طرد السفاره البريطانية التي عُرفت منذ وقت طويل بدعمها ووقوفها خلف العرش، وفقدان حياة احد البريطانيين.
وفي التقرير السنوي للسفارة البريطانية في بغداد تم وصف ماحدث كونه ” ثورة شعبية” كنتيجة “لمعاناة الكبت لمشاعر الحقد والخوف، التي غذتها المشاعر الوطنية المتحدية، والروح العدائية للحكومة الاوتقراطية، والاستياء ضد الهيمنة الغربية والاشمئزاز من وضعية الفقر التي لم يتم التخفيف منها.” [1]
إن النظام الذي دعمته الإدارة البريطانية كان واحدا من أسوأ الانظمة في تاريخ الشرق الاوسط، رغم ان بريطانيا كانت على علم بطبيعة هذا النظام القمعي. ففي تقرير لوزارة الخارجية البريطانيا تم التأكيد على ان “الثروة بقيت متمركزه بايدي حفنة قليلة من اصحاب الاراضي الاغنياء وشيوخ القبائل الذين تمركزوا حول البلاط”.[2]
في رسالة السفير البريطاني في بغداد (السير)Michael Wright، ارسلها 3 اشهر قبل الثورة الى وزير الخارجية البريطاني Selwyn Lloyd يخبره فيها بان الوضع الدستوري في العراق مماثل بشكل كبير بما كان عليه الوضع في المملكة المتحدة ايام ارتقاء جورج الثالث العرش، “حيث ان السلطة السياسية بيد البلاط، فالملك هو من يعين او يقيل رئيس الوزراء بينما لاتستطيع المعارضة ان تعقد لقاء علني او ان تعبر عن معارضتها للنظام في الصحافة”. وتحدث السفير البريطاني كذلك عن “المساعدة الكبيرة التي قدمتها الحكومة البريطانية ، في السنة السابقة للثورة، لزيادة كفائة الاجهزة الأمنية من خلال تقديم التدريب وتجهيز المعدات اللازمة”، وكانت الوضعية واحدة من ” عملية متكاملة من الأضطهاد السياسي”. وقد لخص السفير البريطاني كذلك معارضته للديمقراطية من خلال قوله” أي تهاون في السيطرة الحالية على حرية التعبير مترافقة مع الحرية التامة للأنتخابات” قد “ينتج عنها فوضى واحتمالية الثورة”؛ ولم ترتق مقترحاته الى اكثر من السماح بتكوين احزاب سياسيه.[3]
وفي ضربة واحدة، استطاعت الثورة الشعبية والوطنية أن تزيل النظام الموالي لبريطانيا والركيزة المهمة لسياسة الامبريالية البريطانية في الشرق الاوسط. والأسوأ من ذلك إقرار الأدارة البريطانية “بالشعبية الكبيرة”[4] التي تمتعت بها شخصية قاسم. مع ان قاسم كان يحكم بطريقة اوتوقراطية وكانت شرطته وحشية في قمعها، ولكن مقارنة بالنظام السابق (نوري السعيد) فإن قاسم يُعتبر لطيف نسبيا. مع ان الإدارة البريطانية قد تحملت قاسم في الايام الاولى لحكمه، لكنه سرعان ما إنظم الى صفوف ’سوكارنو’ في اندونسيا و(Jagan) في غيانا البريطانية و’ناصر’ في مصر كوطنيين شعبيين معاديين للمصالح البريطانية في العالم.
إن التهديدات التي كان يشكلها قاسم، قد تم تلخيصها بكفائة من قبل احد الأعضاء البريطانيين في شركة نفط العراق، التي كانت تسيطر على نفط العراق، في مذكرة قدمها الى وزارة الخارجية اشهر قبل الاطاحه بقاسم. وقد كتب في ملخصه بإن قاسم:
كان يسعى لإن يكون للعراق استقلال سياسي مُعترف به وإن يكون موحداً وله كرامة بتعاون اخوي مع بقية العرب وان يمارس الحياد بين القوى السياسة الكبرى في العالم. وكان يسعى ايضا الى زيادة وتوزيع الثروة الوطنية جزئيا بناء على المبادئ الوطنية والاشتراكية، ونبع هذا من تعاطفه مع الفقراء، على الرفاهية الاقتصادية والعدالة، فانه كان يتمنى ويسعى الى مجتمع جديد ديمقراطي وكذلك كان يريد ان يكون هذا العراق القوي والديمقراطي قوة لتحرير وتطوير بقية الدول العربيه وبلدان اسيا وافريقيا وبالتالي المساعدة في تحطيم الامبرياليه، والذي قصد بها التدخل البريطاني في شؤون الدول الضعيفة التطور.[5]
 لقد كانت سياسات قاسم حول البترول هي الموضوع الرئيس لكمية هائلة من المراسلات التي تضمنتها الملفات التي رُفعت عنها السرية، و كانت هذه السياسات هي السبب وراء سعي الادارة البريطانية في إزاحة قاسم من السلطة. إن الخلفية لهذا السعي تكمن في اعلان قاسم في عام 1961 عن سعي الحكومة لإن تستحصل اكثر من 50% من الارباح التي تأتي من ارباح تصدير البترول، وابدى كذلك رفضه تثبيت اسعار البترول من قبل الشركات البريطانية. وفي قانون صدر في كانون اول، ادعى بأنه سيحرم شركة نفط العراق من 99.5% من امتيازاتها، وشملت الاراضي المصادره حقول مُثبت بانها غنية بالنفط. في 1962 تم اصدار مسودة قانون لايجاد شركة النفط العراقيه ولكنه لم يجد طريقه للتنفيذ قبل الانقلاب في شباط 1963 الذي اطاح بقاسم من الحكم.
ومن اهتمامات بريطانيا الكبرى كانت في مطالبة العراق بالكويت في عام 1961، الذي استدعى انزال القوات البريطانيه في الكويت، للدفاع عنها ضد هجوم وشيك مفترض من العراق.
لقد كشفت الملفات التي تم رفع السريه عنها بان واضعي الخطط في بريطانيا قد قاموا بتلفيق التهديد العراقيمن اجل تبرير التدخل البريطاني لتامين اعتماد قادة الدوله الغنيه بالبترول على” الحمايه البريطانيه كما تم شرحها في كتاب (شبكة الخداع)”. [6]
مجازر 1963
في 8 شباط 1963 تم اسقاط نظام قاسم واغتيال قائده ، في انقلاب بقيادة الجنرال عبد السلام عارف ورئيس الوزراء الجنرال احمد حسن البكر العضو في حزب البعث، الذي استطاع تأمين وصول الحزب للسلطة لأول مرة. لقد كان الانقلاب نتيجة دعم وتنظيم مهمين من قبل المخابرات المركزية الامريكية (CIA)، حيث كان الموجه الحقيقي هو (William Lakeland) والذي كان يشغل ملحق في السفارة الامريكية في بغداد.
لقد قامت الولايات المتحدة الامريكيه بشكل نشط بالتآمر لأغتيال قاسم، فقد قامت ’لجنه التاثير الصحي’(Health (Alteration Committee التابعه لوكالة المخابرات المركزيه الامريكيه (كما كان يطلق عليها)، في احدى المرات بارسال منديل يد مزين بالحروف ومسمم ، ولكنها فشلت بالتأثير او في الوصول للضحيه.
استنادا الى المؤلف سعيد ابو الريش، لقد احدثت الولايات المتحدة الامريكية سبقا في تطبيق خطة تفصيلية لاستأصال الحزب الشيوعي العراقي، كقوة في السياسة العراقية، والذي كان يعني القضاء جسديا على اعضائه. لقد قامت المخابرات الامريكية بتزويد قادة الانقلاب بقائمه بأسماء تقدر ب 500 اسم من الذين تم اعتقالهم وقتلهم. لقد تضمنت هذه الاسماء ضباط جيش كبار بلإضافة الى محامين، اساتذة جامعه، مدرسين واطباء. ومن ضمن الضحايا نساء حوامل وكبار سن، معظمهم تم تعذيبهم امام اطفالهم. لقد تمت معظم التصفيات على شكل انفرادي من خلال تفتيش بيت بيت من قبل فصائل قتل يعرفون مسبقا اماكن تواجد ضحاياهم. وقد قاموا بتنفيذ الاعدام موقعيا.
“لقد مثل الانقلاب انتصار كبير لجانبنا، هذا ما قاله روبرت كومر (Robert Komer)، احد اعضاء مجلس الامن القومي، للرئيس كندي مباشرة بعد حدوث الانقلاب”.[7]
لقد كانت لصدام حسين، الذي كان في وقتها عضوا بسيطا في الحزب، مشاركة نشطة في هذا الانقلاب.
استطاع صدام، اثناء ما كان مُبعدا في القاهرة، مع متآمرين آخرين ومنذ 1961 ان يستفاد من ايجاد صلات مع وكالة المخابرات المركزية الامريكية تم تنظيمها من خلال القسم العراقي في المخابرات المصرية. اثناء الانقلاب اسرع صدام بالرجوع من القاهرة وشارك شخصيا في تعذيب اليساريين في المجازر التي التي حصلت. [8]
وقبل هذا بوقت طويل وبريطانيا ايضا راغبة برؤية سقوط قاسم. لقد احتوت الملفات التي رُفعت عنها السرية الكثير من الملاحاظات التي تشير الى الرغبة البريطانية بالمشاركة في اطاحته، مع وجود عدد من الملفات السرية التي تعود الى هذه الفترة لم يتم رفع السرية عنها. ممكن ان بريطانيا كانت تعرف بالانقلاب، ولكن لايوجد دليل مباشر بان بريطانيا كانت على اتصال بالمتآمرين. فقبل 5 أشهر من إنقلاب شباط، اشار موظف في وزارة الخارجية البريطانية الى رؤية للسفير البريطاني ” بانه سيكون من الافضل سقوط قاسم عاجلا عن سقوطه آجلا، وعلى هذا فالواجب علينا ان لا نكون انتقائيين فيما يوجب اتخاذه للمساعدة نحو هذه النهاية”. وتوجد معلومات إضافية بان السفير البريطاني(Roger Allen) كان يدعم ” تقديم سياسة معادية لقاسم”. وملاحظة أخرى من (Allen)، قدمها قبل 5 اسايع من الانقلاب تشير الى انقلاب ضد قاسم، تنص على ” لقد تم التأكيد لنا بأن الانقلاب تم الاعداد له بشكل تفصيلي، وتم تشخيص الاشخاص الذين تم اعدادهم لشغل مواقع مهمة، بشكل دقيق. ولكن هذه الملاحظة لم تقترح ان يكون الجنرال عارف، الذي في النهاية قاد الانقلاب، سيكون الشخصية الرئيسية. وقد لاحظ (Allen) كذلك الاهمية الكبرى لموظفيه في بغداد أن لا (يظهروا اهتماما او مشاركة في التآمر، وقد اكدت لبعض الموظفين ومن ظمنهم الملحق الجوي قبل فترة وجيزهة بوجوب توخي الحذر في العمل”.[9]
وقبل 11 يوم من الانقلاب أخبر القائم بالاعمال الامريكي في بغداد السفير البريطاني (Allen) بأنه ” حان الوقت لبناء مصداقيه في التعامل مع معارضي قاسم، إنتظارا لليوم الذي سيحدث فيه تغير في الحكومة هنا”. بناء عليه استنتج السفير (Allen) بأنه “لأول مرة في وجودي هنا، صار عندي شعور بان النهاية قد تكون محتملة القدوم في المستقبل المنظور”. لقد كان هذا بمثابة معلومة سرية، على الاقل من الولايات المتحدة الامريكية، التي كانت مشاركة بشكل قريب مع المتآمرين وبالتأكيد، فبعد يوم من الانقلاب، في 9 شباط، أرسل (Roger Allen)، برقية الى وزارة الخارجية بأن وزير الدفاع الجديد “قد كان متوقعا ان يكون قائد القوة الجوية في حالة حدوث الانقلاب”- مما يؤشر على وجود معلومات مسبقة.[10]
والشئ الذي لانزاع فيه هو كون المسؤوليين البريطانيين في بغداد ولندن كانوا على علم بالمجازر القادمة ورحبوا بالنظام الجديد الذي سيقترفها. لقد كان واضحا في الملفات قيام (Roger Allen) وعدد من موظفي السفارة بمتابعة تقارير الاذاعة العراقية في اليومين الاولين من الانقلاب. الرسائل التي كان يطلقها النظام الجديد تدعوا الناس “للمساعدة في تصفية جميع الذين لهم علاقة بالشيوعيين وإنهائهم”. لقد استحثوا الناس “للقضاءعلى المجرمين” و “لقتلهم جميعا، اقتلوا جميع المجرمين” وكل هذه البيانات كانت تُكرر مرات عديدة في اليوم الواحد. وقد قام (Allen) بأخبار وزارة الخارجية بتاريخ 11 شباط بان “الإذاعة كانت تحض الناس على ملاحقة واصطياد الشيوعيين. مثل هذا القتل الذي اخذ مجراه، قد تمت ادارته ليأخذ مداه ويشمل المتعاطفين مع الشيوعية”. وقد قام بارسال هذه البيانات الى وزارة الخارجية في 15 شباط.[11]
وفي مراسلة للملحق العسكري البريطاني في السفارة في بغداد مؤرخة في 19 شباط بين بأنه في 9 شباط كان هنالك “اطلاق نار في انحاء المدينة” و “مطاردة للشيوعيين” مضيفا: (لكون السفارة تقع في منطقة تُعتبر معقلا للشيوعيين، كنا نسمع اطلاق نار من اسلحة خفيفة بشكل مستمر خلال معظم اليوم كله”. في 10 شباط قامت السفارة باخبار وزارة الخارجية حول “مطاردة الشيوعيين”، كذلك عن “اطلاق نار متفرق في مختلف المناطق في المدينة”. وفي نفس اليوم ، بينت وزارة الخارجية عن وجود ” اجراءات قوية ضد الشيوعيين”.[12]
في 11 شباط سجلت السفارة “اطلاق نار” في الضواحي حيث كما يُعتقد يتواجد الشيوعيون، وأوردت “قصصا عن وجود ضحايا كبيرة، خاصة بين المدنيين، ولكن لم يتم التأكد منها”.[13]
في 26 شباط، أوردت السفارة بان الحكومة الجديدة كانت تحاول “للقضاء على التنظيم الشيوعي في العراق” ونوهت بوجود شائعات بأن “الصف الأول من القادة الشيوعيين قد تم اعتقالهم، وتم اعدام 50 منهم سرا” رغم انه قد أضاف ” من الممكن الا توجد حقيقة في هذا الخبر”.[14]
في الشهر اللاحق ، أرسلت شركة نفط العراق رساله الى وزارة الخارجيه تشير الى “ملاحقة الشيوعيين” وكذلك ” انه يبقى لنرى لأي مدى سوف يتم تحطيمه بنيويا”. وبعد ستة اسابيع من الانقلاب اشار احد مسؤولي وزارة الخارجية الامريكية الى ” حمام دم” و ” يفترض بنا ان لانرغب بان تتم رؤيتنا كمدافعين عن مثل هذه الوسائل ” في قمع الشيوعيه” مع ان مثل هذه ” القسوه” يلاحظ المسؤول، “قد تكون ضروريه ومفيدة في المدى القصير”[15]
“لقد تم التعامل مع التهديد الشيوعي بتصميم” هذا ماعبر عنه السفير البريطاني للعراق في رسالته المؤرخة في شهر آيار، الى (Alec Douglas-Home)، مضيفا بان الحكومة العراقية قد قالت بوجود 14،000 معتقل سياسي وكذلك ” فإن السجون لازالت تمتلئ بالمحجوزين السياسيين”. في حزيران كتب المسؤول في وزارة الخارجية (Percy Cradock)- الذي اصبح لاحقا رئيس لجنة الاستخبارات المشتركه” بان النظام العراقي مازال مستمرا في الاضطهاد القاسي للشيوعيين “مع 39 عملية اعدام كما اعلن حديثا”.[16]
لقد اقرت وزارة الخارجية بان المجازر التي حدثت ضد الشيوعيين كانت عدوانية بشكل سافر. فقد لاحظت في 9 شباط ، بان عمليات القتل كانت “تحصل في الوقت الذي لاتوجد فيه اية ادلة على وجود تهديد من الشيوعيين، او وجود اي معارضة فعالة ضد الحكومة الجديدة”.[17]
إن الادارة البريطانية، في حقيقة الامر، قد دعمت هذه المجازر. فبعد اسبوع من الانقلاب أخبر (George Allen) وزارة الخارجية بان “عملية التخلص من الشيوعيين ستبقى مستمرة”:
فإن الحكومة الحالية تقوم ما تستطيع القيام به ، ولهذا فأنا اعتقد بضرورة دعمها ومساعدتها في المدى البعيد حتى تستطيع توطيد نفسها مما يساعد على الأضمحلال التدريجي للتهديد الشيوعي.
فالحكومة الجديدة كما كتب ” قد تلائم مصالحنا بشكل جيد”. وفي تقرير آخر مؤرخ في نفس اليوم كتب بأنه بأمكان “المعارضة الشيوعية الاستمرار ” وكذلك حسب وجهة نظره، عدم وجود بديل لهذه الحكومة “فمن الضروري ان تتم تقويتها بسرعه”. إنها ” ستحتاج كل الدعم والاموال التي تستطيع الحصول عليها”. [18]
في نفس الوقت قامت وزارة الخارجية البريطانية بتوزيع مذكرة لمختلف السفارات توضح الموقف البريطاني من الانقلاب. تنص المذكرة على ان النظام الجديد ” قد قام بعمل شاق ضد الشيوعيين في البلد” وعلى هذا فإن ” القمع ضد الشيوعيين قد يستمر ، بينما ستبقى واحدة من مشاكلها الاساسية هي “التهدئة مع الكرد”. ” نحن نتمنى ان يكون النظام الجديد في وضع جيد”، هذا ما نصت عليها المذكرة، بعد ان ذكرت التدهور الذي حصل للعلاقة البريطانية مع نظام قاسم السابق. [19]
وفي رسالة داخلية لوزارة الخارجية بينت بان الحكام الجدد” اظهروا شجاعة وإصرار في تخطيط وتنفيذ مؤامرتهم” وعلى هذا يجب ان يكونوا ” لحد ما مقبولين لدى الغرب”.[20]
وألتقى السفير البريطاني مع وزير خارجية النظام العسكري الجديد بعد يومين من الانقلاب. لم تتم الاشاره في المحاضر اي ذكر لموضوع القتل; ولقد تم وصف اللقاء بانه كان (في منتهى الود).[21]
وبالتأكيد لم يكن هنالك اي ذكر في أي من الملفات التي شاهدتها أي اهتمام يُذكر بعمليات القتل – الاستجابة الوحيدة التي اعلنتها الحكومة البريطانية كانت بتقديم الدعم لهؤلاء الذين أداروا هذه العمليات.
ومن ثم اشاروا مسؤولو الادارة بأن عليهم ” تدارس كل الوسائل الممكنه للأستفادة من المناخ المعادي للشيوعية في العراق” ولعمل “اكبر جهد لإيجاد صلات مع الحكام الجدد، لقد اقترحت وزارة الخارجية مختلف الطرق “لإعطاء إشارات ” للنظام الجديد، ومن ضمنها “ان نبدي المساعدة من ناحية تزويد الاسلحه” وكذلك ” توفير دورات التدريب العسكري إذا رغبوا في ذلك”. وقد كُتبت هذه المذكرة في نفس اليوم الذي أرسل فيه السفير البريطاني الى وزارة الخارجية النصوص التي تمت إذاعتها من راديو بغداد والتي كانت تحض العراقيين على”قتل المجرمين”. [22]
وعلى نفس الشاكله اقترحت السفارة البريطانية في بغداد ارسال “إشارات ودودة ” الى “الذين عانوا من جراء عملهم في تفكيك الشيوعيه في العراق” – اي الذين عانوا في عملية الانتصار على الشيوعيين، وليس الى الذين كانوا ضحايا المجازر. وهذا سيكون بأتجاه ” الامتنان لجهود معاداة الشيوعيين”[23]
وكان مضمون سياسة لندن هي لتوفير اعتراف دبلوماسي آني للنظام الجديد وايجاد “علاقات اقتصادية” معه وشملت هذه السياسة كذلك “ايجاد إتصالات صداقة سريعة مع قادة البعث والقوميين” بلأضافة الى دعوة أعضاء في الحرس القومي” اي المنظمة التي ساعدت في تنفيذ المجازر” الى لندن . ولكن كان هذا يحتاج ان تتم ” تحت عناوين مختلفة” من اجل ابقائها سرا، مما يجنب ظهورهم العلني للناس مما يؤدي الى التعرف الى المجموعة التي ينتمون لها. وتمت مشاركة هذه السياسة مع الولايات المتحدة الامريكية، حيث قام مسؤول كبير في وزارة الخارجية الامريكية باخبار وزارة الخارجية البريطانية  بانه في حالة ان الإنقلاب ” نتج عنه نظام بواجهة بعثية فإن سياسته ستكون اكثر مقبولية لحكومة الولايات المتحدة الامريكية”[24]. لقد كان من المؤمل بان تكون واحدة من منافع النظام الجديد هي “فرصة لعهد جديد من العلاقات بين شركات النفط مع الحكومة” وكذلك إلغاء السياسات النفطية لقاسم، والتي كانت قد شكلت تهديدا جديا لهيمنة شركات النفط الغربية على احتكار نفط العراق.[25]
وبعد اسبوع من الانقلاب، صرح (Roger Allen) بكل سعادة بان كل شئ “رجع طبيعيا كالسابق” آملا بان (عهد الاحباط ) تحت حكم قاسم قد ولّى ” وسيكون من الآن إمكانية نسبية من العمل البناء في البلد”. وياتي هذا في ظل التصور الكامل بان ” معضلة الشيوعيين والاحياء الشعبية المكتظة لم تتم، على كل حال، حلها” – ولهذا نفترض استمرار النظام بقمع واضطهاد الشيوعيين. وفي شهر نيسان كان (Roger Aleen) بامكانه الاشارة ” ماتذكره محاضرنا حول الصداقة مع النظام الجديد”.[26]
وكذلك ذكرت وزارة الخارجية البريطانية الحاجة الى “مراقبة” المنظمة التي تشكلت حديثا من برلمانيين من حزب العمال البريطاني والتي تدعى اللجنة البريطانية للدفاع عن حقوق الانسان في العراق، واتي كانت تنوي زيارة العراق، والتحقيق في عمليات القتل. وبدورها ” قامت ” السفارة البريطانية في بغداد ” بتحذير ” وزارة الخارجية البريطانية بنشاطات مشابهة خاصه بحقوق الانسان يقوم بها اللورد برتراند رسل، التي وصفتها ” كمصدر لتوتير” العلاقات العراقية الانكليزية.[27]
ومن المنافع لاخرى التي اغتنمتها بريطانيا هي الموقف الجديد للنظام من الكويت. فبعد الاطاحة بقاسم قدمت بريطانيا نصيحة للكويت بأستباق اي تهديد مستقبلي لأستقلالهم من قبل النظام الجديد من خلال تقديم الرشوة لهذا النظام . وعلى أثرها دفع الكويتيون 50 مليون جنيه استرليني الى حكومة البعث، والتي، حسب سعيد ابو الريش تفسر بشكل كبير محاولة صدام لتخويف الكويت في 1990-1991 قبل غزوها، واجبارها لدفع الاموال من اجل سد الاحتياجات المالية للعراق.[28]
تسليح العدوان
إن التواطئ البريطاني مع العنف في العراق، على كل حال، يتعدى كثيرا انقلاب شباط. كذلك قامت بريطانيا في 1963 بدعم نفس الحكومة العراقية في عدوانها على الكرد. ان السابقة التي اوجدها هذا الموقف تلعب دور مهم في فهم كيف استطاع صدام حسين ان يستمر في حملته العنيفة والمرعبة ضد الكرد في الثمانينات دون أخذه بالحسبان الموقف الغربي. في 10 حزيران 1963، بدأ الجيش العراقي في هجومه الوحشي على الكرد، الذين صعّدوا صراعهم من أجل الحكم الذاتي، مع بغداد في 1961. وقد طالب الكرد كذلك بنصيب من البترول العراقي وإبعاد القوات العربية من كردستان، القسم الشمالي من العراق.
وقد لاحظ المسؤولون البريطانيون ” نية العراقيين لتنفيذ حملة ترهيب “[هكذا]. وخلال عشرة ايام من العمليات ، كتبوا: ” من الواضح ألآن بان الجيش منخرط في عمليات إخلاء وتهديم القرى الكردية في محلات في كركوك “. مع نشر ثلثي الجيش العراقي في الشمال، كتبت وزارة الخارجية البريطانية في تقرير لها بان” من الجلي للعيان ألآن بان حكومة [العراق] تقوم بكل ما امكنها من قوة لتسوية المشكلة الكردية مرة واحدة وللأبد”. لقد تم استخدام ” أساليب عديمة الرحمة” من قبل العسكر العراقي، ومن ضمنها القصف الجوي.[29]
وفي تقرير للسفارة البريطانية في بغداد أُرسل الى لندن في 22 حزيران ورد فيه مايلي:
إن الاساليب الوحشية التي استخدمها الجيش من المحتمل ان تضر بالعلاقات العربية/الكردية لوقت طويل قادم. لقد نجح الجيش بأخلاء القرى الكردية في المناطق الواطئة حول النقاط الضعيفة…..
والأسلوب الذي تم تبنيه هو بأخذ القرى واحدة بعد الاخرى، من خلال قصفها من مسافات آمنة بواسطة مدافع الدبابات ومدافع الميدان، وقد يُعطى تحذير او لايُعطى بتاتا لسكان هذه القرى.  وبعد فترة آمنة يقوم الحرس القومي أو مرتزقة الحكومة من الاكراد بالدخول لهذه القرى والقيام بالنهب والتخريب …… في بعض الاحيان، وهذا حصل في القسم الكردي من مدينة كركوك، تم استخدام الجرافات بتهديم البيوت والنتيجة كان الرجال يلتجأون الى التلال أما النساء والاطفال فيتم تركهم بدون رعاية وتُهجر القرية، وفي الوقت الراهن، تبقى هادئة.[30]
لقد أقرت وزارة الخارجية بوجود بعض المخاطر المؤكده من هذه الحملة العسكرية على المصالح البريطانية. وتشمل هذه المخاطر: ” فشل الهجمات قد تؤدي الى تعرض النظام العراقي الحاضر للخطر؛ قد يتيح هذا القتال فرصة للروس لخلق المشاكل؛ أن ينتشر هذا الشغب الكردي الى تركيا وايران وسوريا؛ بالأضافة الى مخاطرة حدوث اضرار في المنشآت البترولية الخاصة بشركة نفط العراق [IPC] وكذاك عرقلة في انسيابية البترول. والشئ الفاضح هو عدم احتواء هذه القائمة أي ذكر لما قد يشكله هذا القتال من أثر على الشعب الكردي.[31] وقد تم التنويه في المذكرات عن كون السفير قد شجع بغداد على التفاوض من اجل تسوية مع الكرد، ولكن لاحقا ، قدمت بريطانيا دعمها المطلق للحكومة العراقية مباشرة بعد بدء حملات الهجوم على الكرد.
قبل ان تبدأ بغداد العمليات وافقت بريطانيا على صفقة كبيرة لتصدير الاسلحة مع علمهم بان هذه الاسلحة سيتم استخدامها ضد الكرد. في احدى الملفات نقرأ بان ” دوغلاس هيوم كان كثير الاهتمام بشكل عام لضرورة تلبية المتطلبات التسليحية للجيش العراقي باسرع وقت ممكن”. في 11 نيسان تمت الموافقة من قبل الوزراء على تصدير 250 ناقلة مدرعة من نوع ’Saracen’ والتي من “الممكن ان تُستخدم ضد الاكراد، في حال الاحتياج لها”. كما تمت الموافقة على تصدير ذخائر مدفعية، 22 طائرة هوكر هنتر بالأضافة الى صواريخ الهوكر هنتر الموجودة اصلا في العراق، ” ايضا من الممكن استخدامها ضد الاكراد”. وفي تعليق للّجنة الوزارية نوهت ” بالفوائد التجارية الهائلة التي يمكن الحصول عليها” وان ” افق تطور صادرات الأسلحه كبير جدا” – لقد كانت قيمة الصفقه 6 مليون جنيه استرليني.[32]
وقد قرر المسؤولون ابطاء تزويد بعض الصوريخ وذلك:
يتوجب علينا اعطاء العراقيين بعض احتياجاتهم لاجل تمكينهم ان يكونوا قادرين على مواجهة الكرد، ولكن قد يكون من غير المستحسن تزويدهم بسخاء، حيث قد يشجعهم ذلك على ان يكونوا اكثر عناداً[هكذا] مع الاكراد. وكذلك إذا بدأ اندلاع القتال وكان هنالك قصف عشوائي بالصواريخ فقد يؤدي هذا الى حدوث انتقاد على مستوى البرلمان والمجتمع.[33]
بعد ان قامت بغداد بمهاجمة كردستان، تدارست الحكومة البريطانية حول مسألة تسليم الصواريخ كونها ” مادة حساسة” حيث انها ” المقصود من استخدامها هو ضد الكرد”. لايوجد في الملفات اي اعتبار للعواقب الانسانية، فقط التنوية بامكانية التاثير على العلاقات العامة: ” ان الاخبار التي تعكس القتال قد يثير انتقادات عامة حول قرارنا تزويد العراق بالاسلحة” كما ورد في محضر لمجلس الوزراء.[34]
بعد اسبوعين من القتال، كتبت وزارة الخارجية البريطانية ” اننا على استعداد للقيام بافضل ما يمكننا لتلبية المتطلبات العراقية في الميدان من أسلحة وتدريب”، مع ذلك لازال الوزراء مستمرون في تأخير تسليم الصواريخ ، الشئ الذي كان العراقيون يضغطون من اجل الحصول عليه. في تموز وافق الوزراء على تصدير 500 من ” صواريخ عالية التفجير”.   وأخبر جنرال في الجيش العراقي ‘الجنرال حلمي‘ السفير البريطاني بأنه ” يحتاج هذه الاسلحة لأنهاء الحرب ضد المتمردين بسرعة وبنجاح “. وعندما تم اخباره بأنه سيتم تسليم الصواريخ، كان ‘حلمي‘ ” ممتناً بصدق”، حسب السفير، والذي أضاف معلقا بان القائد ” كان سعيدا حول المبادره”.[35]
وفي رسالة وجهتها وزارة الخارجية البريطانية الى سفاراتها لتوضيح السياسة البريطانية ورد ” لقد اعتقدنا طوال الوقت بامكانية ان السلاح الذي نزوده قد يمكن استخدامه ضد الكرد، ولكن علينا ان نوازن بين هذا الجدل وعوامل أخرى”، والتي ستؤدي الى بناء علاقات جيدة مع القاده العراقيين الجدد وابعادهم عن مصادر الاسلحة السوفيتية.[36]
مع نهاية آب 1963 تسلمت القوة الجوية العراقية 500 صاروخ لطائرات هوكر هنتر، بالاضافة الى 1000 يتم تسليمها في الاول من ايلول و 500 أخرى في الأول من تشرين أول. كما سيتم تسليم 18،000 في فترة لاحقة. وستتبع ذلك الموافقه بتزويد 280،000 اطلاقه كذخيرة لمدرعات ‘Sarcen‘ وقنابل هاون، قذائف مدفعية، حوامات(هليكوبترات) مسلحة ورشاشات سترلينغ. [37]
كما وافقت بريطانيا على طلبات لارسال فريق للعراق للقيام باصلاح مدافع دبابات ‘السنتوريون‘التي تم استيرادها من بريطانيا في أوقات سابقة. “المسألة السياسية الصعبة” كما تلاحظ وزارة الخارجية، كانت باستمرار العمليات العسكريه ضد الكرد. فكان يستوجب تجنب رؤية الضباط البريطانيين قرب ميادين القتال وعلى هذا، ” إذا حدث عطل في مدافع[هكذا] هذه الدبابات في الشمال، كان يجب ببساطة نقل الدبابه الى بغداد من اجل إصلاحها”.[38]
لايوجد شك بان الوزراء كانوا على علم بما يسمحون بتصديره. في تشرين أول ، كمثال، صادقت وزارة الخارجية على تصدير الواح تهديم، مع علمهم بانه ” من المحتمل استخدامها بتدمير، ليس النقاط الكردية الحصينة فقط، ولكن ايضا لاجل تهديم القرى الكردية”.[39] إن هذه المساهمة في تهديم القرى الكردية هي السابقة لنفس السياسات البريطانية تجاه الهجمات التي شنتها الحكومة العراقية في اعوام الثمانينات والارهاب التركي في التسعينيات.
إن المسؤوليين البريطانيين كانوا بالتأكيد مدركين كون الهجمات العراقية التي يقومون باسنادها قد تشكل جرائم إبادة جماعية. فقد ورد في محضر لوزارة الخارجية مؤرخ في ايلول بأن ” الوسائل التي يستخدمها العراق هي من الوحشية بحيث يمكن ان تحمل تهم تحطيم او تحجيم المجتمع الكردي كأقلية قومية”. وقد أخبرت السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية في 6 تموز ما يلي:
هنالك توجة لقتل الاكراد بدل من اخذهم اسرى . لدينا بعض المؤشرات من مسؤولين بان هذا قد يكون سياسة متعمدة …….ومن ذلك الوقت وصلتنا تقارير حول وجود توجه نحو تقليص هائل في نفوس الاكراد في الشمال وكذلك اعادة توطين عرب في المنطقة. كذلك وجود اشمئزاز من قبل ضابط عربي واحد من هذه الاساليب المستخدمة، كأساليب غير انسانية وغير مستحسنة على المدى البعيد. لاتوجد على الاطلاق اية شكوك حول قيام الحكومة بشكل متعمد بتهديم القرى…..إن حكومة العراق … التجأت الى استخدام القوة بدون وجود الوقاية المتحضرة العادية ضد الخسائر المدنية الغير مبررة. بالأضافة ربما مع التوجه نحو تحجيم نفوس الاكراد كأقلية في العراق، او على الاقل دفعهم للخضوع بشكل دائم.[40]
إن معرفة تاريخ هذه المذكرة له اهمية كبيرة: فأن معظم الاسلحة البريطانية التي صُدرت للعراق والتي اُستخدمت ضد الاكراد، تمت المصادقة عليها بعد هذا التاريخ؛ سياسه كانت مماثلة لزيادة الدعم البريطاني لنظام صدام بعد هجمات الحرب الكيميائية على كردستان في آذار 1988.
وهنالك تشابة آخر بين 1963 و 1988 هو محاولة بريطانيا ضمان عدم اتخاذ اي موقف دولي ضد العراق. في 1963 عمل مسؤولون بريطانيون لضمان ان لاتتم مناقشة مزاعم الابادة الجماعية في العراق داخل الامم المتحدة. وقد تم توجيه التعليمات الى مندوبي بريطانيا الى الامم المتحدة في رسالة كانت تحت عنوان:
” سياسة الابادة الجماعية من قبل حكومة جمهورية العراق ضد الشعب الكردي:
أسباب معارضة النقاش”
وقد نصت الرسالة على ” من الواضح ان حكومة صاحبة الجلالة تتمنى رفع فقرة المناقشة هذه بالسرعة الممكنة”[41]
أقترح المسؤول في وزارة الخارجية (William Morris) بانه اذا تم طرح موضوع الابادة الجماعية على النقاش داخل الامم المتحدة ” فالموقف الافضل لنا هو الامتناع عن التصويت” و “تجنب قول اي شئ اطلاقا اذا كنا قادرين على ذلك”. واوضح موريس كذلك بان طرح تهمة الابادة الجماعية يكون المقصود به بان الامم المتحده قد اقحمت نفسها بالشؤون الداخليه لدولة عضوة في الامم المتحدة، وهذا يتناقض مع ميثاقها و ” سيكون غير مرحب به من قبلنا في سياق أي مشكلة في المناطق التابعة لنا”.[42]
ويمكن لتصدير الاسلحة البريطانية والتدريب العسكري ان يلعب دور في ” الامن الداخلي”، بمعنى دعم النظام العسكري في القمع الداخلي. فتم اعتبار مساعدة بريطانيا في تصليح دبابات السنتريون العراقية/ تصب في هذا الغرض بشكل خاص: ” فوجود دبابات السنتريون تشكل العمود الفقري لأمنهم الداخلي في بغداد” “إن عمليات توريد طائرات الهوكر هنتر مضت قدما، على اعتبار بأنها ” قد تقوي امكانية العراقيون ليكونوا اسياد بلدهم (لقد لعبت القوة الجوية دور مهم في الاطاحة بقاسم والسيطرة على بغداد)”[43]
فمن المؤكد انه قد تم استخدام مقاتلات الهنتر الموردة من بريطانيا في مهاجمة وزارة الدفاع حيث لجأ قاسم. نفس السيناريو قد تكرر لاحقا في تشيلي عندما تم استخدام مقاتلات الهنتر الموردة من بريطانيا أيضا لمهاجمة القصر حيث كان يقاوم فيه الرئيس المنتخب ديمقراطيا.
لقد استمر الهجوم ضد الكرد خلال 1963، قبل الوصول فعليا الى طريق مسدود في نيسان 1965. في نيسان 1965، استأنف العراقيون ما كان يُعتبر سنة كاملة من الهجوم مشابه في مستوى الوحشية ، حتى تم الوصول الى تسوية في حزيران 1966 من خلال اعطاء الكرد بعض من الحكم الذاتي .
في تموز 1965، لاحظت  السفارة البريطانية بأن ” الضحايا من الاكراد كانوا بشكل اساسي من المدنيين من خلال تعرضهم لهجمات جوية عشوائية؛ هجمات عشوائية شنتها طائرات الهوكر هنتر ال 27 التابعة للقوة الجوية العراقية وألآف الصواريخ وغيرها من الذخائر التي تم توريدها من قبل حكومة دوغلاس هيوم وحكومة ولسن. كما كان معلوما كذلك بأن النابالم قد تم القائه من طائرات الهنتر العراقية”. وتم المضي في تسوية القرى بالارض في نفس الوقت الذي تتم فيه عملية ” التهجير القسري للأكراد” من بعض مناطق كردستان.[44]
أستمرت عملية تصدير الاسلحة البريطانية مع انتقال الحكم من المحافظين الى العمال في عام 1964. وقد تحدت حكومة العمال دعوة في البرلمان في منتصف عام 1965، لايقاف تصدير السلاح الى بغداد مع ملاحظة بان “لا نوايا لحكومة صاحبة الجلالة بايقاف المساعدات العادية المقدمة لحكومة العراق على شكل توريد الاسلحة”.[45] كانت هناك طلبيات ضخمة قيد الاعداد من ضمنها من صواريخ لهوكر هنتر، 17000 ليتم تسليمها ابتداءا من تموز، مرة ثانية مع المعرفة بأحتمال استخدامها ضد الكرد. كما وافقت حكومة ويلسن بتزويد العراقيين 40 طائرة من نوع Lightening المقاتلة.
في موجز لوزارة الخارجية مؤرخ في حزيران 1965، لاحظت بأنه ” لقد حافظنا على توريدنا السلاح للعراق، حتى خلال فترة القتال مع الاكراد” لإسباب تتعلق بالحفاظ على صلات مع العسكر، الذين تم وصفهم بانهم ” الطبقه الحاكمة العراقية”، لتقليص استيراد السلاح من الاتحاد السوفيتي ومن مصر ناصر، ومنذ ذلك الوقت “ونحن نجني فوائد اقتصادية مُعتبرة”. وفي هذه الأثناء” فليس لدينا تعامل رسمي مع الكرد ولا نعطيهم اي مساعدة.[46]
لقد كشفت الملفات التي رُفعت عنها السريه أيضا بان حكومة ويلسن قد قدمت سابقة اكثر رعبا الى حكام بغداد: لم يكن صدام حسين حاكم العراق الأول الذي استخدم الاسلحة الكيمياوية ضد الاكراد، لقد حدث هذا ايضا في منتصف أعوام الستينات.[47]
في آب وايلول من عام 1965، شكى مصطفى البرزاني، رئيس اكبر مجموعة كردية في كردستان العراق، لرئيس الوزراء البريطاني بان العراق قد اشترى ” كمية كبيرة من الغازات السامة لاجل استخدامها ضد السكان الأكراد”. وقد ناشد البرزاني ويلسن لايقاف تسليح بغداد والتوسط مع النظام من اجل “منع الأخير من المضي في ما زعموا النية لبدء هجمات بالغاز ضد الاكراد”.[48] لم تستجيب الحكومة البريطانية لهذه الرسالة ولا لرسائل أخرى أرسلها البرزاني؛ لقد رفضت بريطانيا ايجاد اي اتصالات رسمية مع الكرد.
لقد جاء هذا الرفض رغم رغم وجود معرفة مسبقة بان لدى الكرد اتصالات مخابراتية داخل نظام بغداد. كما عُلم بانه في عام 1964 قام وزير الدفاع العراقي بمفاتحة حكومات كل من بريطانيا، المانيا الغربية، الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي بأستفسار أولي بشأن طلب 60000 قناع واقي من الغازات السامة” لأجل التسليم الفوري”. وفي النهاية تلقى المسؤولون البريطانيون “تقريرا نعتقد انه موثوق عن وجود خطة تم وضعها من قبل الجيش لوضع حد نهائي للمشكلة الكردية”.[49]
والاكثر من ذلك كتبت السفاره البريطانيه في أيلول:
لن يكون للعراقيين سوى القليل من الضغط الإنساني (وخز الضمير) حول استخدام الغاز إذا كانت الأمور (كما هي ألآن) تسير بشكل سيء بالنسبة لهم. من المحتمل انهم يعتقدون بامكانية إخفاء الاحداث ولايبدو انهم مهتمين حول الرأي العالمي. من المؤكد انهم يظهرون اهتماما كبيرا ألآن في الحرب الكيمياوية ونحن نعتقد بأن لديهم مخزون من بعض انواع الغازات (من المحتمل ان يكون من النوع المستخدم للسيطره على أعمال الشغب) وكذلك فمن المحتمل ان قد تمت في الواقع مشاهدة ما يشبه الاسطوانات.
بالرغم من إن المذكرة قد مضت بالقول بان هنالك صعوبة في رؤية العراقيين يستخدمون الغاز في ظل الاوضاع الراهنة، لكنها ذكّرت كذلك ” بأنه في الجانب الآخر توجد أدلة كثيره يجعل الأكراد قلقين بشكل حقيقي بأمكانية استخدام الغاز”.[50] الشئ المثير الاهتمام من هذا الاكتشاف هو عدم رغبة بريطانيا للتوسط مع بغداد بأي شكل كان رغم وجود اهتمامات وأدلة كثيرة.
إن نظام البعث الذي أتى للسلطة اول مرة في شباط 1963، قد تمت الاطاحة به في إنقلاب عسكري آخر في تشرين ثاني. في هذا الوقت قامت بريطانيا بتقليص الكثير مما كانت تقدمه من دعم للنظام، ولكن السجلات كانت تشير بوضوح بان هذا لم يحدث لأسباب إنسانية.
“لقد بدأو بشكل جيد” هذا ما قاله السفير البريطاني في كانون أول 1963 بعد ان تم إستبدال النظام. المشكلة هي ان البعثيين بالنهاية سلكوا سياسات مشابهة لسياسات قاسم، من ضمنها محاولة القوميين العرب لتوحيد كل من سوريا، مصر والعراق لتشكيل الجمهورية العربية المتحدة. وقبل هذا بوقت طويل ” أثار النظام الجديد قلق مجتمع الاعمال من خلال أشاراته نحو تأميم الصناعات، البنوك والتجارة”.[51]
ولم يستطيع حزب البعث العودة للسلطه حتى جاء عام 1968 وذلك بعد سلسلة من الحكومات المتعاقبة خلال الستينات – وفي هذه المرة بقى فيها حتى غزو العراق في 2003. لقد أتى انقلاب 1968 بالجنرال احمد حسن البكر كرئيس، والذي كان رئيس وزراء في انقلاب 1963. أصبح صدام حسين نائب الرئيس قبل ان ينقلب على البكر ويستلم السلطة. وكان انقلاب 1968 مدعوما ايضا من قبل وكالة المخابرات المركزية الامريكية CIA، والتي طورت مباشرة علاقات قريبة مع حكام البعث. وقد لاقى نظام البعث في 1968 الترحيب المباشر من قبل البريطانيين: “ان النظام الجديد قد ينتظر من المملكة المتحدة التدريب والمعدات العسكريه ونحن يجب ان لانضيع اي وقت في تعيين ملحق عسكري”، كما كتب السفير في بغداد. لقد تمت دعوة وزير الدفاع الجديد للنظام الجديد، الجنرال التكريتي الى المعرض الجوي في Farnborough، وتم أخباره من قبل السفير بأنه (يبدو لي بان لدينا الآن الفرصة لإسترجاع العلاقات الانكليزية/العراقية الى سابق عهدها من المودة”. وفي اجابته ” قال الجنرال التكريتي بأنه، خلال عهد النظام البعثي في 1963 كان ممتنا للموقف التعاوني لحكومة صاحبة الجلالة”.[52]
من هذه الجذور ظهر نظام صدام، والدعم البريطاني له
ألمراجع

1. British embassy< Baghdad, ‘Annual report, 1958-Iraq’, 29 January 1959, FO371/140896/VQ1011/1.
2. FO, ’The immediate outlook in Iraq’, 24 July 1958, FO371/134201/VQ1015/162.
3. M. Wright to S. Lloyd, 22April 1958, FO371/134198/VQ1051/36.
4. British embassy, Ankara to FO, 17 July 1958, FO371/134199/VQ1015/95.
5. Memorandum by IPC staff member. “The political situation in Iraq’, 25 November 1962, FO371/170428/EQ1051/13
6. See Web of Deceit, Chapter 12.
7. Aburish, A brutal Friendship, pp. 139-40.
8. Ibid, pp. 137, 139.
9. F. Maynard, Note, 27 September 1962, FO371/164235/EQ1051/83; C. Cope, Note, 1 October 1962, ibid; R. Allen to S. Crawford, 31 December 1962, FO371/170428/EQ1051/05.
10. R. Allen to S. Crawford, 28 January 1963, FO371/170428/EQ1015/26; R. Allen to FO, 9 February 1963, ibid, EQ1051/36.
11. D. Haskell to D. Goodchild, 15 February 1963, FO371/170432/EQ1051/104; R. Allen to FO, 11 February 1963, FO371/170431/EQ1015/68.
12. Report by military attaché, ‘The revolution in Iraq’, 19 February 1963, FO371/170434/EQ1051/126; Embassy, Baghdad to FO, 10 February 1963, – FO371/170428/EQ1015/39; FO to Embassy, Tehran, 10 February 1963, ibid, EQ1015/33.
13. Embassy, Baghdad to FO, 11 February 1963, FO371/170431/EQ1015/64.
14. R. Munro to D. Goodchild, 26 February 1963, FO371/170431/EQ1015/129.
15. R. Lawson to G. Hiller, 2 March 1963, FO371/170434/EQ1015/131; D. Goodchild to R. Munro, 21 March 1963, FO371/170446/WQ1018/3.
16. R. Allen to Ear Home, 17 May 1963, FO371/170437/EQ1015/186; P. Cradock, Minute, 10 July 1963, FO371/170439/EQ1015/236.
17. FO to Embassy, Amman, 9 February 1963, FO371/170428/EQ1015/37.
18. R. Allen to FO, 15 February 1963, FO371/170502/EQ1532/23 and EQ1532/26.
19. FO to various embassies, 12 February 1963, FO371/170432/EQ1015/99.
20. FO, ‘The outlook in Iraq’, 15 February 1963, FO371/170433/EQ1015/111.
21. FO to Embassy, Ankara, 10 February 1963, FO371/170428/EQ1015/40.
22. A. Elwell to R. Munro, 14 March 1963, FO371//170446/EQ1018/3; written note by IRD official, ibid; FO, ‘The outlook in Iraq’.
23. R. Munro to D. Goodchild, 6 March 1963, FO371/164235/EQ1018/3.
24. Embassy, Baghdad to FO, 10February 1963, FO371/170428/EQ1015/53; D. Goodchild to R. Munro, 21 March 1963, FO371/170446/EQ1018/3; Embassy, Washington to FO, 10February 1063, FO371/17-430/EQ1015/46.
25. FO brief, 19 February 1963, FO371/170502/EQ1532/28.
26. R. Allen to FO, 13 February 1963, FO371/170432/EQ1015/82; R. Allen to FO, 15 February 1963, FO371/170433/EQ1015/120; R. Allen to E. Earl Home, 22 February 1963, FO371/170434/EQ1015/125; R. Allen to G Hiller, 25 April 1963, FO371/170461/EQ1015/2.
27. D. Goodchild to H. Maynard, 17 May 1963, FO371/170446/EQ1018/10.
28. Aburish, A Brutal Friendship, p. 141.
29. Embassy, Washington to FO 12 June 1963, FO371/170438/EQ1015/206; Embassy, Bagdad to FO, 21 June 1963, ibid, EQ1015/217; FO brief, ’Resumption of the Kurdish war in Iraq’, 19 June 1963, FO371/170481/EQ1192/67.
30. E. Maynard to D. Goodchild, 22 June 1963, FO371/170447/EQ1019/4.
31. FO to Various embassies, 14 June 1963, FO371/170438/EQ1015/217.
32. G. Hiller, ‘Arms for Iraq’, 7 June 1963, FO371/170489/EQ1224/8; FO to Amman, 10 April 1963, FO371/170479/EQ1192/21; Ministerial committee on Strategic Export, Brief for 8April 1963 meeting, ibid, EQ1192/25.
33. G. Hiller, ‘Arms for Iraq’, 29 May 1963, FO371/170480/EQ1192/52.
34. Brief for Cabinet, 11 June 1963, FO371/170438/EQ1015/212.
35. FO brief, 25 June 1963, FO371/170480/EQ1192/57; P. Cradock to A. Campbell, 12 July 1963, FO371/170481/EQ1192/63; R. Allen to FO, 18 June 1963, FO371/170489/EQ1224/16; R. Allen to FO, 3 July 1963, FO371/17-490/EQ1224/21.
36. FO to various embassies, 14 June 1963, FO371/170438/EQ1015/217.
37. D. Goodchild to H. Moreland, 27 August 1963, FO371/170490/EQ1224/24; J. Robey to FO, 9 July 1963. Ibid.
38. D. Goodchild to R. Hutton, 20 September 1963, FO371/170485/EQ1194/6.
39. W. Morris, minute, 8 October 1963, FO371/170482/EQ1192/91.
40. FO, Minute, ‘Arms for Iraq’, 13 September 1963, FO371/170492/EQ1224/70; E. Maynard to Goodchild, 6 July 1963, FO371/170448/EQ1019/21.
41. Draft FO brief, 12 September 1963, FO371/170449.EQ1019/45.
42. W. Morris, Minute, 26 September 1963, FO371/170449/EQ1019/54; W. Morris, ‘Genocide in Kurdistan’, 16 September 1963, ibid, EQ1019/45.
43. R. Allen to FO, 4 December 1963, FO371/170485/EQ1194/11; FO to Embassy, Tehran, 22 April 1963, FO371/170489/EQ1224/4.
44. E. Maynard to C. Brant, 30 July 1965, FO371/180813/EQ1019/75; Draft to FO brief, June 1965, FO371/180830/EQ1192/29; S. Egerton too C. Brant, 15 January 1966, FO371/186747/EQ1019/2.
45. FO to Embassy, Baghdad, 8 July 1965, FO371/180830/EQ1192/41.
46. Draft FO brief, June 1965, FO371/180830/EQ1192/29.
47. Said Aburish, Saddam Hussein: ‘The politics of revenge’, Bloomsbury, London, 2000, p. 68; David McDwall, A modern History of the Kurds, I. B Tauris, London, 2000, p.318.
48. M. Barzani to PM, undated in FO371/180814/EQ1019/102.
49. E. Maynard to C. Brant, 2 January 1965, FO371/180812/EQ1019/I; E. Maynard to M. Burton, 13 March 1965, ibid, EQ1019/24.
50. E. Maynard to C. Brant, 2 September 1965, FO371/180814/EQ1019/95.
51. R. Allen to R. Butler, 20 December 1963, FO371/170445/EQ1017/19.
52. T. Evans to M. Stewart, 25 July 1968, FC017/417/EQ1/17; T. Evans to FO, 12 August 1968, FC17/441/EQ3/24.

2020-03-29