الصدريون والمرجعيون أمام تحدي الصنمية!

صائب خليل.

إذا كانت التعليقات على مقالتي الأخيرتين(1) (2) لأشخاص حقيقيين، فأنها تثبت ان غالبية العراقيين لا تبحث عن قائد تسترشد برأيه، بل تبحث عن صنم تعبده وتستأنس بالاطمئنان تحت ظله الآمن. لكن من الواضح ان نسبة من هؤلاء هم بالفعل من المجندين الذين يستعملون الرد العنيف، لتشجيع الباقين على الاصطدام بكل من ينتقدهم. ونتيجة لذلك، يبدو أن نسبة مهمة من الصدريين واتباع المرجعية صارت تتكلم بنفس لغة المجندين واساليبها، ليس فقط في خشونة الكلمات، انما أيضا بنوع الحجج والردود.

التعليقات تبين أن اتباع المرجعية (او المجندين للقيام بهذا الدور)، يندفعون الى “تصنيم” حتى ممثلي المرجعية، ويتصرفون مع كل من يحيط بها على أنه معصوم أو “إله” لا يمكن ان يفسد بمال أو ضغط، ولا يمكن ان يخطئ كالبشر، واي حديث عن احتمال خطأ، هو “كفر”.

أما بالنسبة لأتباع مقتدى الصدر فقد وصل الأمر أن وجود صورة مقتدى على بروفايل صفحة فيسبوك عبارة عن تحذير بالنسبة لغير الصدريين يقول: صاحب الصفحة سلط اللسان! – أكيد هناك استثناءات، لكن نسبة من اتحدث عنهم، هي نسبة حاسمة ومخيفة!

لا يقتصر الأمر على الشتائم البشعة، بل يمتد الى تهم بان “القلم مأجور” وإن المقال “ممول” وغيرها. وطبيعي ان ليس كل تشكيك بنوايا الكاتب مصدره سوء نوايا القارئ. بل ان من واجب القارئ النبه ان يشكك ولا يعتمد على “الثقة” كيفما اتفق. فأنا لا أستطيع ان اطلب من القراء ان يشككوا ويطرحوا الأسئلة على قادتهم، وأرفض طرحها على مقالتي. إني أرحب بكل التشكيكات المهذبة والمعقولة، وهنا استغل الفرصة للإجابة عن بعض تلك التساؤلات التي لم أستطع اجابتها مباشرة لإني محظور من التعليق والرد والنشر، وانشر مقالاتي بواسطة الأدمن فقط.

1- “القلم المأجور” تهمة سهلة يطلقها القارئ الغاضب على أي مقال يهاجم ما يحب القارئ، وهي بالطبع بدون أية ادلة او حتى مؤشرات مثل كون الكاتب معروف ضد توجه المقاومة أو يكتب بشكل واضح التناقض أو الأكاذيب. أنا وقفت تماما مع محور المقاومة والحشد منذ بدأت الكتابة من سنين طويلة. والحقيقة ان من يريد ان يبيع قلمه، فأنه سيجد من يشتريه بسعر أكبر بكثير في الخندق المقابل (الأمريكي السعودي)، وليس الخندق الذي يحرج الرموز بمطالبتها بمواقف أقوى ضد الاحتلال! ولدي ما يكفي من المقالات مثل “إنه حشدنا نحن السنة لا غيرنا!”(3) وافلام فيدو وغيرها تثبت أن توجهي ليس ضد الحشد ابداً، وليس ضد الصدريين.

اما التناقضات والأكاذيب، فأنا أكثر من يسند أقواله بالروابط التي تشير الى مصادر ما أستند اليه من اخبار، وكثر ما ازلت مقالا تعبت عليه حين يتبين مجرد شك في مصدر لخبر أساسي فيه.

2- بالنسبة إلى أن “المقال ممول”، فأنا من يمول مقالاته من جيبه، لأنها الطريقة الوحيدة لكي يصل الى عدد يستحق الذكر من القراء. أن دفع دولار واحد للمقالة يضاعف عدد قراءها وتفاعلاتها، لذا فهي تضحية بسيطة إضافية ان قيست بتضحية الوقت والاعصاب المصروفة على الكتابة، وانا ادفعها حتى على المقالات عن الرسم مثلا.

3- بالنسبة للثقة. ما اكتبه لا يتطلب الثقة! أنا لم اطلب يوما من قارئ ان يثق بي. انا لا اطلب من القارئ ان يناسبني أو يعينني وكيلاً على أملاكه، أو ان ينتخبني لمقعد. انا اعرض حقائق مرفقة بتحليل لفهمها. ويمكن للقارئ ان يراجع مصادر الخبر، وان يفحص منطق التحليل، وهذا لا يتطلب “الثقة” او “عدم الثقة”.

في مقالتي الثالثة(4) استخدمت مثالاً هو فساد كردستان، وطلبت من القراء تبيان اية محاولة لوقف ذلك الظلم على جماهيرهم التي دمرها هذا الابتزاز ونهب مستقبل أولادها. وكتبت ان هذه الأموال ليست لي ولا لأولادي وأننا لن يصيبنا منها شيء، فنحن في الخارج، لكنها تمثل مستقبل أولادهم هم وتمثل جوعهم ومرضهم هم. ولم يخفف ذلك الخطاب كثيراً من صلافة الهجوم المنفلت اللسان تجاهي، خاصة في التعليقات الأخيرة! ورغم أنى طلبت تبيان مجرد محاولة، توالت الحجج: ما الذي يستطيع ان يفعله وليس لديه سوى 52 مقعد في البرلمان! طيب متى حاول هؤلاء الـ 52 وفشلوا؟ اين محاولة كسب الآخرين واحراجهم قبل مثل هذا التصويت؟ إن قبلنا مثل هذه الحجة فهو يعني ان اية كتلة لا تمتلك 165 مقعداً، فهي معذورة أن لا تفعل شيئاً! وبما انه لا توجد كتلة بهذا الحجم، فالجميع معذور! يعني ان الفساد ونهاية العراق قدر حتمي لا مفر منه وليس لأحد ذنب فيه! من الواضح اننا هنا امام مراوغات لحماية كل جهة لجماعتها من تهمة التقصير، وكأنها امام خصم!

المقالة كتبت بلهجة ودية لم تقصد مهاجمة الرموز بل تبيان خطأ في مواقفها او مواقف ممثليها. واشرت فيها الى المواقف السابقة الممتازة لأطمئن الجمهور الى عدم تحيزي. وهنا أيضا أقول للصدريين، إني كتبت، عام 2008 عندما كان الصدريون تحت سيف المالكي والمجلس الأعلى، مقالة بعنوان: “ذبح الصدريين تحضير لانتخابات تفتيت العراق وبيعه” ، جاء فيها: “ما الذي فعله الصدريين ليستحقوا الإعدام الجماعي مع عوائلهم؟ إنهم الكتلة الوحيدة الكبيرة التي رفضت بوضوح وقوة قانون النفط، ورفضت المعاهدة، ورفضت تمديدات الاحتلال، وهي الكتلة التي تقف بين عصابة الحكيم الإقطاعية وبين احلامه في تمزيق العراق في الجنوب…هي الكتلة الوحيدة الكبيرة التي تطالب بلا كلل بخروج الاحتلال وترفض وضع قواعد عسكرية له، لذلك فأن اعدام هذه الكتلة اعدام لمطالب الشعب المناقضة لمطالب الاحتلال.”

“لقد برهن الصدريون وقدموا الوثائق ان الحكومة عذبت أحدهم حتى الموت ليدلي باعترافات لتستخدم ضدهم فصمد، وبرهن الصدريون ان الحكومة حين لم تجد اسلحة ادانة لدى من القت القبض عليهم، صورت الأسلحة الرسمية الحكومية المعطاة لهم ونشرتها في فيديوات على انها دليل اتهام، وكشف أمريكان بأنفسهم ان الصدريين الذين يبرئون، يعاد اعتقالهم من قبل الأمريكان بلا تقديم سبب. وحين حصل الصدريون على اوامر قضائية باعتقال مسؤولين عن تعذيب اعضائهم وتدمير بيوتهم رفضت الحكومة تنفيذ أوامر الاعتقال، واخيراً حين تم الإفراج عن المتهمين بقانون العفو العام، استثني الصدريين من التنفيذ كما هو متوقع!”

اعتقد ان هؤلاء المستثنين مازالوا في سجون الحكومة التي تأتمر بأوامر أمريكية رغم استمرار مطالبة اهاليهم من الصدريين بهم حتى اليوم، فيما يبدو ان الجميع مستفيد من إبقاء سجنهم، امريكان وحكومة ويبدو ان ذلك يناسب سياسة مقتدى الصدر الجديدة المهادنة!

وضع العراق ليس سهلا ولا يتحمل التساهل. المؤامرات تدار من خلف الكواليس تغمر العراق بشكل لم يسبق له مثيل. وفي هذا الجو المزكوم بانعدام الأمانة، تتنامى مشاعر دونية قبيحة، داعية إلى رفض أي اعتراض على جرائم الاحتلال، وتطبيع الخضوع لكل اهاناته والتخويف من أي رفض او كلمة “لا” مهما كانت بسيطة، وتصويرها وكأنها اعلان حرب على أميركا! لقد بقي العراق ذليلا مطيعا لأميركا طيلة 17 عشر سنة فما الذي حصل منها سوى تزايد الصلافة والجرم والوقاحة في تنفيذه؟ سوى استغلال كل فرصة لمزيد من الخنق وفرض السفلة على الحكم فيه؟ من كان يتخيل قبل عشر سنين انه يمكن ان يتم ترشيح سرسري مثل فائق الشيخ أو مترجم للجيش الأمريكي ومجرم مدان، لقيادة العراق ذاته؟ من كان يتخيل ان الصدريين يمكن ان يدعموا تنصيب مجرم اوغل في دماء الصدريين أنفسهم، فهل من خلل اشد وضوحاً من هذا، وهل من مذلة أكبر من دعمه ومهاجمة من يرفضه، ونسب الرفض الى إيران؟ الا يعني قبول ذلك أنك أيضا لن تستطيع يوما ان تطالب بشيء يخالف اميركا، دون ان تتعرض لنفس التهمة؟

قلت في بداية المقالة ان نسبة غير معروفة من المعلقين الذين يقدمون أنفسهم كصدريين او مرجعيين، هم في الحقيقة جيوش الكترونية. فقد لاحظت ان الشتائم والكلام القبيح، نادر في اليومين الأولى من النشر ثم يتكاثر. وهذا يعني انه لا يحدث الا بعد استدعاء غرباء من قبل جهة ما. كذلك لاحظت ان بعض صفحات مدعي تبعية المرجعية تتبع نفس عبارات الصدريين في الشتائم (كتب أحدهم: من يشهر بالمرجعية فليراجع امه.. او شيء من هذا الانحطاط) وهو مؤشر ان نفس المجندين الذين كلفوا بتخريب الجو بين الصدريين وغيرهم، مكلفون اليوم بفعل الشيء ذاته بين المرجعيين وغيرهم!

إني ادعو جميع الصدريين الحقيقيين والمرجعيين، أن يتعاملوا بأمانة أكثر مع النقد اولاً، وان لا ينجروا الى الصلافة التي يفرضها المجندون والغرباء ثانياً، وان يردوا بقوة على من يتقمص هويتهم ليسيء اليها ثالثاً. وأهم من كل ذلك ان يشعروا ان لهم الحق في سؤال مرجعياتهم تفسير مواقفها، ومطالبتها بمواقف واضحة يمكن لهم الدفاع عنها دون اللجوء الى المراوغات والشتائم، فبدون الصدق لن يكون هناك انتصار، مهما كانت المرجعية عظيمة، وهي كلما كانت عظيمة، لم يضايقها الصدق والسؤال، وسترفض “تصنيمها” حتى ان أراد اتباعها ذلك.

(1) مقتدى يتبع نفس أساليب خصومه الهابطة لدعم مرشح الأمريكان

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2999270980129951

(2) بعد قرص اذنها بقصف المطار – المرجعية تأمر الحشد بترك الاحتلال يفعل ما يشاء!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/3005845679472481

(3) إنه حشدنا نحن السنة لا غيرنا

http://thawabitna1.com/Article/18-04-2015/12791.html

(4) آسف لإزعاجكم …ولكن التحدي كبير

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/3008435935880122

27 آذار 2020