كورونا سلاح الشرق لاجتياح العالم.. والغرب تحت خطر التفكك والحروب !
محمد أ. الحسيني.
رسم المفكّر نعوم تشومسكي صورة قاتمة عن مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية بسبب استفحال تفشي فايروس كورونا فيها ما جعلها في مقدّمة الدول التي انتشر فيها الفايروس، وقال في تصريح لمجلة “رولينج ستون”: “فيروس كورونا الذي يجب السيطرة عليه في مجتمع فعّال أصبح يخرج عن سيطرتنا، لأننا لسنا مستعدين لمجابهته”، معتبراً أن “الأمر الذي برع فيه قادتنا خلال الأربعين عاماً الماضية هو صبّ الأموال في جيوب الأثرياء والمسؤولين التنفيذيين للشركات مع ترك كل شيء آخر يتحطّم”.
ورأى تشومسكي أن “الولايات المتحدة مثال للدولة الفاشلة التي تروج للديمقراطية والقيم الإنسانية كالحرية والمساواة، لكنها أكثر الدول إسرافاً في استخدام العنف وإراقة الدماء”، وهذا الإسراف، بناءً على كثير من آراء المفكّرين المتأخرين والمتقدّمين، لا بد أن يقود إلى تفكّك هذا النظام وانهياره، وأن زواله ليس مسألة تقع ضمن الاحتمال، بل ضمن حتمية الإمكان، وفق الأسباب الموضوعية وسيرورة السنن التاريخية التي شهدت قيام امبراطوريات وصلت بأذرعها إلى أصقاع الأرض، ولكنها ما لبثت أن اندثرت، وجاءت عناصر اندثارها محض داخلية، كجسم مهترئ استفحل فيه العفن فتهاوى.
العالم والنقطة الحرجة
وبعيداً عن الكلام الذي يمكن أن يرى فيه القارئ ضرباً من ضروب التنظير، والسيناريوهات التي سردت وقائع – قد تكون صحيحة أو مختلقة – عن مؤامرة حرب بيولوجية ذكية تقف واشنطن وراءها لضرب اقتصاديات خصومها في الشرق، وما رافقها من تفاصيل تحدثت عن كيفية انتقال فايروس كورونا واتهامات متبادلة بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، يبقى الواقع الذي أثبتته محطات التاريخ شواهد على مستجدّات الحاضر وتوقّعات المستقبل، وما تحدّثت عنه الأرقام اليوم هو أن الولايات المتحدة ومعها قوى الغرب باتت تواجه أكثر عواصف الاهتزاز حدّة، وتضاهي في خطورتها خطورة المراحل الحساسة التي سبقت وتلت الحربين العالميتين في أوائل ومنتصف القرن العشرين.
ما الذي يجعلنا نسوق هذا الاحتمال؟! وهل يواجه العالم اليوم خطر الإبادة حتى استنفرت الأنظمة والشعوب لتستلّ أسلحة البقاء؟! تقول الأرقام – حتى الآن – إن فايروس كورونا لم يصل بتهديده إلى ربع مستوى الكثير من الأمراض الخطيرة السارية التي تضرب العالم، والتي استطاع الإنسان أن يتعايش معها ومع خطورتها، ويتقبّل حالات وفياتها بشكل طبيعي، إلا أن المسألة بواقعها تتعلّق بوصول العالم إلى نقطة الحرج التي لا بد فيها من التغيير الحتمي، وجاء هذا الفايروس ليعطي الإشارة أمام انقلاب المعادلات وتبيان النقطة التي وصل إليها انحراف المسار في خط السنن التاريخية والإنسانية، وأظهر الصورة الحقيقية للخلل الذي يعتري المنظومة الاجتماعية في الغرب الذي بني على أسس الشرّ واستمر بالإسراف في القتل والإجرام.
انقسام الشرق والغرب
لم يعد أحد ممن يجيد قراءة تشكيل الأنظمة في الغرب يؤمن بمعادلة الديمقراطية وإرادات الشعوب، فهذه الدول قائمة على المؤسسات بشكل عضوي، والتي تشكّل ما بات يُعرف بـ “الدولة العميقة”، وهي التي تقرّر وترسم مسار إيصال الرؤساء كواجهة لتطبيق مخطّط يجري وضعه لخدمة مصالح هذه الأنظمة، فالديمقراطية منذ عهد جورج بوش الابن حتى اليوم مع دونالد ترامب، ارتدت ثوباً ديكتاتورياً قائماً على نزعة عنصرية، وأسفرت عن الوجه الحقيقي لأمريكا كقاتل متسلسل ناهب لثروات الشعوب، وهو الذي نشأ ونما على ثقافة التشريد والاستيطان، ولم تعد شعارات حقوق الإنسان والمساواة والمواطنة العالمية تجد لها مكاناً في سياق المعادلات الدولية، لا سيما مع تمظهر الانقسام العالمي بشكل حاد بين شرق آخذ طريقه إلى التنامي وبين غرب يكابد للحفاظ على هيمنته العالمية.
وشكّل وصول ترامب إلى سدة الرئاسة مفاجأة للرأي العام الأمريكي لا سيما مع الاحتجاجات الواسعة التي خرجت ضدّه بسبب مواقفه المثيرة للجدل في أكثر من مجال، وجيء به إلى أعلى منصب رسمي في العالم ليقلب الطاولة – وهذا ما هو مطلوب منه فعله مع قدر من الهامش – فإن عجز الخزينة والديون المتراكمة على الولايات المتحدة، وتهاوي الاقتصاد والإفلاس المتوالي للشركات الكبرى، وإخفاق الأنظمة الاجتماعية والصحية، حتّمت أن يؤتى برجل تاجر ومقامر كترامب لا يشبه في شخصيته وأسلوبه أياً من الرؤساء الأمريكيين السابقين، ليستطيع أداء مهمّته في ابتزاز الدول، ولا سيما العربية منها صاحبة الثروات والطاقات التي لا تنضب، وبعيداً عن عبارات الدبلوماسية واللياقات السياسية ومع كثير من الابتزاز السافر أصبحت العبارة الشهيرة التي عنونت مرحلة عهد ترامب: “لديكم الأموال وعليكم أن تدفعوا”.
إرهاصات التفكك
بدت الغطرسة الأمريكية وكأنها تؤتي أكلها في تطويع الشرق، وفرض معادلة سياسية جديدة قائمة على الضغط الاقتصادي مع كثير من البروباغندا المدروسة والممنهجة، حتى أتت الضربة الأولى في الرد العسكري الإيراني على اغتيال الجنرال قاسم سليماني والقيادي العراقي أبو مهدي المهندس، لتبدأ هشاشة السيطرة الأمريكية بالانكشاف، وظهر ترامب رئيساً جباناً ومتردّداً، يظهر القوة في العلن ولكنه يحاول اللعب من تحت الطاولة على طريقة المقامرين الساعين إلى حفظ أموالهم بالتلاعب والغش. ولئن أظهر ترامب ذكاءً في تعويم سياسة الضغط السياسي – الاقتصادي ونجاحه في تخفيض العجز الأمريكي بنسبة كبيرة، إلا أنه كشف عن فشله في التعاطي مع القضايا الكبرى التي تتطلّب المواقف الصلبة، وجاء فايروس كورورنا الطفيلي الذي يحيا على الخلايا الميّتة، ليكشف ضعفه ومراهقته السياسية وضحالة إحاطته المعلوماتية.
لا يمكن ونحن نتحدث عن دولة عميقة كالولايات المتحدة الأمريكية أن نفصل بين الملفات الداهمة، فأي قضية تهدّد الاستقرار القومي الأمريكي تُصنّف ضمن التهديدات الوجودية، ويبدو حتى الآن أن أزمة كورونا بدأت تؤرق واشنطن وتضيّق الخناق على إدارة ترامب في ظل سيل من الانتقادات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء لأدائه المغمور والمهتزّ، وهذا ما قد يدفع المؤسسات العميقة في البلاد إلى التحرّك للإمساك بزمام المبادرة، والمسارعة إلى إعادة التماسك للنسيج الاجتماعي المتأرجح أصلاً، وهو ما قد يهدّد فعلياً بانفراط عقد اتّحاد الولايات الأمريكية، بحيث تندفع كل ولاية إلى سياسة الانغلاق حتى لا يداهمها خطر الإقفال القسري وضعف المعالجة الضرورية، كما حصل مع ولايات كبرى كنيويورك وفلوريدا وتكساس وغيرها، ولا شك أن المسؤولين الأمريكيين يرقبون بدء انفراط سبحة ما يسمّى الاتحاد الأوروبي، فها هي إيطاليا وأسبانيا تواجهان العزلة بعد تخلّي جيرانها الأوروبيين (ألمانيا وهولندا على وجه الخصوص) عنهما بحجة الانشغال الداخلي بمعالجة الأزمة، فيما حذّرت فرنسا بريطانيا من تسرّب الوباء إليها في ظل فشل إجراءاتها للحد من انتشار الفايروس وسياسة “مناعة القطيع” الحمقاء، والتي تراجعت لندن عنها لاحقاً، ويبقى الخطر الأكبر في انفراط العقد الاجتماعي بين الأنظمة والشعوب وسط سيادة التخريب والفوضى والسباق المحموم على اقتناء السلاح الفردي.
الشرق يجتاح الغرب!
إدارة ترامب جرّت كارثة مفاجئة على الشعب الأمريكي، وفق مجلة “فورين بوليسي” التي رأت أنها “فشلت بالكامل في التعامل بجديّة مع التحذيرات المتكررة من المجتمع الأمني حول انتشار فيروس كورونا وتطوير ردّ وطني واسع، ومبادرات تتناسب مع التهديد المتوقع”. في المقابل نجح الشرق بالحصانة الروسية والمبادرة الصينية في استيعاب الأزمة بسرعة، واندفاعها بكل قوة نحو الغرب، لتفرض وجوداً صحياً وطبياً لا يمكن صدّه أو رفضه أو المراوغة معه، وهكذا انقلبت المعادلة، وتحوّلت العولمة الغربية، التي لفظت أنفاسها مع مجيء ترامب بأدائه الانعزالي، إلى مدّ عكسي تعزّزه نزعة الانفصال الفرداني بين الأنظمة الغربية من جهة، وبينها وبين شعوبها من جهة ثانية، ولا يبعد أن تتحوّل نزعة الانفصال إلى عداوة تنتشر بين شعوب هذه الأنظمة لتعود أوروبا وأمريكا إلى عصور الحروب الداخلية، وهكذا يفرض فايروس معادلة جديدة في إعادة تشكيل النظام الدولي.. وفي هذا المجال حديث آخر.
‎2020-‎03-‎28