“فهد”نزيل ثقافة الموت/ خاتمه!


عبدالاميرالركابي.
بعد اقل من ثماني سنوات على إقامة “الدولة المفبركة” من اعلى على يد الاحتلال، وقع التدبير الاحتلالي الاحترابي ضدالمشاعة، ودولة اللادولة تحت مفعول قانون “الاستحالة”، وفي كانون عام 1948 بدت الدولة المذكورة ماثلة للانهيار، الامر الذي اثار لدى الدوائر المحتله، الذعر، لدرجة انها عادت لاتباع مسلك الخراقة والخروج على القواعد الاساسيه التي تعتبرمميزة لها كظاهرة تاريخية، ومع ان مثل هذا التناقض كان ميزة استعماريه بالعموم، الا انه لم يحصل بنفس الدرجة من الاختلاق والفبركة التي عرفتها ارض مابين النهرين.
هذه المرة ستصر المخابرات البريطانيه على اعدام مؤسس الحزب الشيوعي، فاين حدث شيء كهذا؟ في مصر واجهة التحديث المزيف، ام ساحل الشام، او بقية العالم المعروف بالعربي، تنفيذ اعدام مشهدي معلن وسط ساحة من ساحات بغداد الرئيسية، بتدخل ومواكبه من السفير البريطاني، في فعل انتصر فيه عالم المشاعة الذي سيبادر فورا لالحاق الرجل الذي اعدم وهو يقول “الشيوعية اقوى من الموت واعلى من حبال المشانق”، بفرع أساس من كينونته وتراكمات مزاجه التاريخي الأعنف، الموافق لبنيته ولمحركات شعوره الجمعي، ومن اعمق مقومات امتناعه على أي اخضاع: ثقافة المقاومه بملحمة الموت، بمعناها التحصني الذي يرسم حدودا وجدانية لاتخترق. والتي ستتحول الى الانجاز الأوحد غير العادي، وغير المحسوب، المتاتي من الواقع التاريخي ومن خارج الوسائل الايديلوجية المتاحة للمهمة التي كان فهد يتصور نفسه بصدد تاديتها.
وهنا تقع بريطانيا كممثلة للحضور الغربي، بواحده من ممارساتها القاصرة الاجبارية المناقضة لكينونتها، والتي تدفعها في حالة العراق للخروج المتكرر من ذاتها، الامر الذي سينتهي بمثابة خدمة استثنائية، قدمها الاحتلال لرجل لم يكن له أي انجاز في مجاله، ولم يحسن سوى ترديد ماتلقنه من دروس في المدرسة الحزبيه في موسكو، وبطريقة كاريكوتيرية، ومبهمة مقلوبة رغم وجاهتها الواقعية، كما يفعل في كراسه “حزب شيوعي لااشتراكية ديمقراطية”، محولا ذنون أيوب والصايغ الموصليان، الى حزب مناشفه، ليتحول هو وغالي الزويد، الى حزب لنين وتروتسكي وستالين في العراق، حيث لاطبقات، ولابنية من هذا القبيل، ولاسياقات تاريخية تزكي أي شكل من اشكال الطبقية ومنظورها، بالاخص على مستوى الاليات، عدا الازدواج الدولي، ومقابله الازدواج المجتمعي العراقي، وثالثهما الإدارة الاستعمارية، التي تريد مواصلة قتل وامحاء الازدواج الأصلي كما تمثل لها بثورة العشرين.
ليس ل”فهد” أي أنجاز له علاقة بواقع العراق وبنيته، بمعنى التفاعل مع الخصوصيات التاريخية، وهو اذا كان سيدخل خلال فترة الاستبدال التي حظي بها، تضاعيف عملية الصراع مع الاحتلال، فانه سيؤسس من لحظتها دون إرادة او تقصد منه لتاريخ حزب محور، مايتغنى به كمنجز ملحق في عالم وثقافة ملحمة الموت التي استمر الشيوعيون يغذونها الى الان ويعتاشون عليها، باستعادتهم من دون وعي ذكرى جيفارا الإسلام الحسين بن علي، وبذات النغمة الا نتظارية الشيعية (1) الى ان يصبح الحزب نفسه انتظاريا و”حزب تضحيات” هي يحد ذاتها غاية، لا “حزب منجزات”، فاذا حدث وتساءل احد: ترى ماهو منجز الشيوعيه في العراق، لن يتلقى أي جواب، لان الجهة التي هي موضع الاجابه لم تفكربصيغة رد من هذا النوع، بينما تظل تتزايد بمرور الزمن ودرجة الانفصال عن قانون الاستبدال، الحاجة، لتكرار نغمة “التضحيات” وذكرى الحزب المتصل بوضع المشاعة ومجتمع اللادولة، ابان فترة هي الأعنف والاكثر تهديدا لوجود هذا العالم، قبل ان يقارب التحول الى قوة معادية للمجتمع الأسفل، ترفع شعار الثورة البرجوازية،المنافية للوطنية العراقية، و التي تسميها اعتباطا “وطنية”، أي ثورة ديمقراطية على الطريقة الغربية، بدل المطالبه ورفع شعار العودة الى المشاعة وتطويرها، وتعزيز حضورها كنموذج، الامر الذي كان يقتضي نمطا اخر من الشيوعية التاريخية، متوافق مع الخاصيات التاريخيه البنيوية الرافدينية الاعرق، ماكان مايزال يتطلب عبقرية تاريخية، لاببغاوات ونقلة أفكار جاهزه.
ذلك ماقد حصل ابان ثورة تموز 1958 ،الثورة المشاعية التحولية الثانية المفتقرة للنطق وللتعبير المفهومي كما ثورة العشرين قبلها، حين حدث الطلاق، وانتهى من يومها الاستبدال، وبعد عملية تصفية أقدمت عليها نواة وطلائع التدبيرية الثانية الريعية العقائدية العائلية، بعد التدبيريه الانكليزيه وفبركتها، يوم انتقلت علاقة العراق بالغرب من اشتراطات التبادل التجاري المستند الى الزراعه، الى الريع النفطي. وهذه المره تعذر دخول سلام عادل حيز ثقافة ملحمة الموت، وايقاعها الدفاعي، فلم يحظ رغم إعدامه، بما حظي به “فهد” من قبله، ومع ضخامة عدد من اعدموا وسجنوا وعذبوا في شباط 1963 ، الانهم لم يتركوا مايؤهلهم للاندغام ضمن الإيقاع المجتمعي الأسفل، سوى بحدود شكلية، بعد ان صارت مهمة توليف من هذا النوع حزبية بحته لامجتمعية، وبرانيه مفتقدة لفعل قوة الاستبدال الاصلي، في وقت صار الحزب خلاله قوة مرتهنه لاشتراطات الحالة الكردية، والقطبية الدوليه بعد زمن من محاولات كسر الاستبدال (2)، المفتقدة كليا لدلالات الازدواج الدولي الأول، منذ ان تغير ولم يعد تصادميا، ومن ثم لانتهاء أي دور فعال للحزب كقوة مجتمعية مندمجة بايقاع صراعي تكويني، ليغدو قوة حزبية لذاتها، الى ان حدث ماكان متوقعا وارتكبت قيادة عزيز محمد وبطانتها الكردية في الموتمر الرابع للحزب المنعقد في كردستان عام 1985 مجزرة داخلية، هي المكمل لمجزره شباط 1963 ، بانهاء وجود أي شخص قد يذكر بالحزب الأول، حزب الثلاثينات وصولا لثورة تموز1958، أي حزب الاستبدال المشاعي، المؤسس وفق إيقاع التشكل الوطني الحديث، واشتراطات المواجهة مع الطاريء الغربي المباشر.
عام 1958 مع الثورة الكبرى الثانية، ينتهي الاستبدال الثالث في تاريخ التشكل الحديث والدورة الثالثه الراهنة، ولايعود الحزب الشيوعي ولا عموم قوى الفبركة من اسفل تلك( الممثلة بجبهة الاتحاد الوطني ) تحظى بدفع المجتمع الأسفل، وردة فعله على الهجوم الالغائي الذي تعرض له مع حضور الاستعمار الإنكليزي، في وقت دخل العراق اشتراطات التدبيرية الثانية وتغيرت بناء عليه كل لوحة الصراع وعناصرها، والقوى الحاسمه فيها، فضلا عن المعطيات والمحركات المتحكمه فيها وبمساراتها (3) ومعها ومن بينها وماقد استجد منها، انتصار محاولات نفي الاستبدال داخل الحزب الشيوعي، وهي ظاهرة لازمت وجود الحزب من اسفل، سواء أيام فهد الذي وضع كراسه الشهير عنها، محاولا التعبير عن دلالتها ايديلوجيا وبالتفريق بين “منشفيك” و “بلشفيك” على الطريقة الروسية، بتسميته ممثلي الاتجاه الاخر ب “الافندية” الذي انتهى منتصراكبداية مع سطو عزيز محمد على قيادة الحزب عام 1964، ليصبح الحزب من يومها حزبا اخر، وبنية مختلفة، واليات وديناميات لاصلة تصلها بحزب الاستيدال الأقرب الى نبض الصراعية المستجدة، ومجتمع اللادولة الأسفل المعرض لخطر الفناء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) في وقت لاحق واليوم، وقد انتهى الحزب الشيوعي كقوة مرتبطة باليات التشكل الوطني الازدواجي منذ عقود، عاد هؤلاء والتحقوا بحزب “شيعي” باسم تحالف “سائرون”،انما من موقع اخر مناقض كليا، وضمن تدبير طائفي محاصصاتي، وليد الاحتلال والغزو الامركي، وهذه المرة أيضا باسم الإصلاح، والدولة المدنية، والديمقراطية الصدرية، وبعد تاييد هؤلاء للغزو، وتحالفهم مع حاكمه العسكري بريمر، وقبولهم الحضور ضمن مشهد هم فيه دكانه تاتمر باوامر السفارة الامركية، وهيمنه القيادة الاقطاعية الكردية.
(2) تواكب محاولات كسر الاستبدال والغائة بدايات فكرة وجود حزب شيوعي في العراق، تبدا من بغداد ومحاولات إقامة حزب شيوعي في العشرينات، فشلت ولم تحقق المطلوب، الى ان قام الحزب الجنوبي بداية من أواخر العشرينات الي بداية الثلاثينات، ليحصل من وقتها او يتحقق بحسب قانون الازدواج، واقع ازدواجي مقابل داخل الحزب الشيوعي، بدا بالموصليان، وكراس “فهد” الازدواجي الايديلوجي عنهما “حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطيية” بداية الاربعينات، الى مابعد اواسطها، يوم اعتقل “فهد” ليقع الحزب فريسه تكالب سته من الشخصيات، اربعه منهم اكراد من الشمال، ويهوديان من بغداد، سعوا جهدهم لفرض حالة كسر للاستبدالية الجنوبيه، كان من بين الاكراد منهم إضافة لبهاء نوري وكريم احمد وحميدعثمان، عزيز محمد، الذي ستتسنى له الفرصة لاحقا عام 1964 بعد تصفية اخر متبقيات الاستبدال في 8 شباط عام 1963، كي يحقق مالم يتحقق في الاربعينات، عندما صعد سلام عادل ابن الفرات الاوسط ومدينه اللادولة النجفية الانتظارية وتمكن من اعاده صيغة متاخرة وأخيرة من صيغ الاستبدال، بحكم الظرف واستمرار مفاعيل وغلبة حكم الاصطراع بين مجتمع اللادولة الجنوبي ودولة الفبركة الاحتلاليه.
(3) المقصود هنا التبدل الأساسي الذي طرا على علاقة العراق بالسوق الراسمالية العالمية والازدواج الغربي، بين طور التجارة المستندة للزراعة، المبتدئه من أواخر القرن التاسع عشر، وتلك التي بدات في الخمسينات مع الريع النفطي، الامر الذي لم يخطر اطلاقا لاي من المهتمين بالعمل الحزبي او السياسي، او النظري، ملاحظتة او تحري معناه ودلالاته فضلا عن انعكاساته الاساسية على الحياة وتركيب البلاد، فظلت الشعارات والشتائم الموجهه للدكتاتورية هي البضاعة السائدة، ولم يعرف عن من يعرفون بالشيوعيين خلال نصف قرن واكثر، أي عمل نظري يواكب او يلاحظ أية متغيرات في الواقع، مع استمرار التكرار الممل للصيغ الجاهزة البالية الممجوجة، في واقع ومجتمع حيوي وحي بدرجة استثناء، بنية وتاريخا,

2020-03-26