الأرواح مقابل الأرباح في زمن كورونا..!


سعود قبيلات.
كشفتْ جائحةُ كورونا العديدَ من الأمور المهمّة حتَّى الآن، وفي مقدِّمتها جريمة تفكيك القطاع العامّ للدول وتسليمه كلقمةٍ سائغة للقطاع الخاص.. وبالأحرى، للمصالح الخاصّة. حيث جرى تسويغ هذه الجريمة بلسان الليبراليّة المتوحّشة المعسول.
ويستخدم الليبراليون الآن صياغةً زائفةً لتفسير أسباب تطوّر القطاع الطبِّيّ في كوبا ونجاح الصين في مواجهة جائحة كورونا مقابل فشل بعض أهمّ المراكز الرأسماليّة الغربيّة في ذلك؛ فيتساءلون ببراءة مصطنعة عن ما إذا كانت «الشموليّة» أكثر فعاليّة من «الديمقراطيّة» في الأزمات؟!
السؤال – كما هو واضح – يفتقر للموضوعيّة والحياديّة.. تماماً؛ إذ أنَّه يصطنع لنفسه ضمناً إجابةً وحيدةً محدَّدة سلفاً. فـ«الشموليّة» ذميمة، و«الديمقراطيّة» حميدة. ولا يبقى مجال لأيّ كلام آخر.
الصياغة الصحيحة هي: هل دولة القطاع العامّ أفضل أم دولة المصالح الخاصّة؟
والجواب واضح ونشاهده أمامنا يوميّاً في مختلف أنحاء العالم.
ويستخدم الليبراليّون صياغةً زائفة أيضاً لمسالةٍ أخرى مهمّة أظهرتها جائحةُ كورونا، وهي تقاعس الدول في المراكز الرأسماليّة الدوليّة عن القيام بالإجراءات اللازمة (مثل حظر التجوّل وسواه) لحماية شعوبها وشعوب البلدان الأخرى من الوباء. يقول الليبراليّون إنَّ الثقافة الديمقراطيّة والقيم الديمقراطيّة في البلدان الغربيّة هي ما حال ويحول دون ذلك.
إنَّ السبب الحقيقيّ لذلك التقاعس هو أنَّ الحكومات في تلك الدول تعبِّر عن المصالح الخاصّة والجشعة لأقليّات بورجوازيّة أنانيّة ضئيلة. وهذه الأقليّات البورجوازيّة المتحكّمة تنظر إلى الناس على أنَّهم مجرَّد أدوات (أو مسنَّنات) في ماكينة مصالحها الخاصّة، وترى أنَّ توقّفهم عن الذهاب إلى العمل سيوقف تراكم أرباحها الماليّة أو يقلِّصها.
هذا بالضبط هو ما يحول دون اتِّخاذ الإجراءات الضروريّة الحازمة مِنْ حكومات تلك البلدان، ولا علاقة للأمر بالديمقراطيّة مطلقاً؛ فعندما مسَّت التعبيراتُ الشعبيّةُ الديمقراطيّةُ المصالحَ الخاصّةَ المهيمنة في بعض تلك البلدان، جرتْ مواجهتها بمختلف أنواع الشِّدَّة والغلظة. حدث ذلك، على سبيل المثال، في سياتل في الولايات المتّحدة قبل نحو عقدين. وحدث أيضاً في فرنسا في الفترة الأخيرة.
وهكذا، نرى أنَّ ما يشغل الرئيس الأميركيّ، الآن وسط هذه الكارثة الإنسانيّة الهائلة، هو المصالح الاقتصاديّة للشركات الكبرى وليس أحوال الناس والحفاظ على حياتهم؛ إذ قال اليوم إنَّه سيحول دون حدوث أزمة ماليّة، وسكتَ عن واجبات الدولة (والبورجوازيّة المهيمنة) تجاه الشعب.
يحدث هذا بينما تعاني الولايات المتّحدة مِنْ أزمة شديدة في الأجهزة الطبيّة والمستلزمات الطبيّة.. كما لو أنَّها واحدة مِنْ دول العالم الثالث وليست الدولة الأعظم! ويُترَكُ الناس، هناك، لقانون الانتخاب الطبيعيّ (أو ما يُسمَّى، الآن، «خيار مناعة القطيع»).. كما لو أنَّ المجتمع البشريّ لم يتطوَّر علميّاً وتكنولوجيّاً وقيميّاً قيد أُنمله منذ نشوئه كقطيع بدائيّ.
في الحياة البدائيّة الأولى، كان الإنسان والكائنات الحيّة الأخرى، متروكين تماماً لقانون الانتخاب الطبيعيّ (ومناعة القطيع)، فلم يكن ثمَّة خيار آخر. وآنذاك، كانت القيم السائدة تتمحور حول مبدأ «البقاء للأقوى»، وكان القانون السائد هو تمظهرات مختلفة مِنْ شريعة الغاب. أمّا الآن، فيُفتَرَض أنَّه توجد أمام المجتمع البشريّ خيارات أخرى كثيرة، ويُفتَرَض أنَّ الإنسان أصبح هو القيمة العليا والأولويّة الأولى. ما يقف حائلاً دون ذلك هو جشع البورجوازيّات المهيمنة وأنانيّتها المفرطة.
وفي هذا السياق نفسه، عبَّر أحد أبناء جلدتنا مِنْ ممثِّلي المصالح الاقتصاديّة الخاصّة الجشعة بكلّ فظاظة عن رفضه لإجراءات الحجر الصحّيّ العامّ ومنع التجوّل في البلاد، قائلاً إنَّه لا يجب السماح بانهيار «اقتصادنا» بحجّة الحفاظ على الأرواح.
وبرَّر موقفه الغريب ذاك قائلاً إنَّه في الحرب نخسر الآلاف من الأرواح، ويجب اعتبار ما يجري الآن حرباً.. ولا بدَّ من التضحية فيها (بآلاف الأرواح طبعاً) لحماية الوطن!
إنَّها الليبراليّة المتوحِّشة بأبشع صورها وأكثرها عُرياً.. الأرواح مقابل الأرباح!
بالطبع، هذا الثريّ، الذي لا يملّ ولا يكلّ ولا يتحرَّج مِنْ تكراره الدعوة إلى «تحويل الأزمة إلى فرصة»، لا يقول ذلك باسمه الشخصيّ وحده أو باسم مصالحه الخاصّة وحدها، بل باسم البورجوازيّة الطُّفيليّة المهيمنة كلِّها؛ الدليل هو أنَّنا لم نسمع ولم نرَ أحداً مِنْ أرباب المصالح الخاصّة الآخرين يعبِّر عن رأيٍ أو فعلٍ مغاير. لذلك، نفترض أنَّه نطق بما لم يجرؤ على النطق به أحدٌ منهم.
وحيث أنَّ هذا الكلام المستهجَن يتعلَّق بنا نحن في الأردنّ.. شعباً وبلداً، فإنَّني سأتوقَّف عنده وأقوم بتفنيده..
عندما يقول هذا السيّد الثريّ «اقتصادنا» فهو يقصد اقتصادهم؛ أي اقتصاد المصالح الخاصّة التي أثرت على حساب البلاد والشعب مِنْ دون أنْ تصنع تنميةً أو تصنع اقتصاداً، ولا يقصد الاقتصاد الوطنيّ؛ الاقتصاد الوطنيّ يتمحور حول الوطن والشعب ومصالحهما وليس حول مصالح فئة طفيليّة محدودة.
والمطلوب الآن ليس أنْ يضحِّي الناس والبلاد ويُعرَّض ما لا يقلّ عن نصف الشعب للمرض وخطر الفناء مِنْ أجل أنْ تواصل هذا الفئة الأنانيّة إثراءها الفاحش، بل أنْ تتعامل هذه الفئة بقدرٍ كافٍ من الشعور بالمسؤوليّة حيال هذه الأزمة الإنسانيّة، فتضحِّي ببعض امتيازاتها مِنْ أجل البلاد والشعب، وتردّ بعض ما في عنقها مِنْ دين للبلاد والشعب.. ما يؤدِّي أساساً إلى حماية بيئة أعمالها الخاصّة.
وبما أنَّه ما مِنْ سبيل لتبرير مثل هذه الدعوة الهمجيّة وهذا المنطق المتهافت، فإنَّنا نجد صاحبها يلجأ إلى أردأ أنواع الديماغوجيا في محاولة منه لتسويغها؛ فها هو يدعو إلى اعتبار الجائحة حرباً. حسناً! يمكن أنْ نتَّفق معه على ذلك. لكن مع فارق أنَّ المطلوب – بخلاف استنتاجاته العجيبة – هو حماية أرواح الناس مِنْ هذه الحرب وليس التضحية بها مِنْ أجل تجّار الحرب.
والأقبح، في هذا الكلام الفظيع، هو الدمج بين مفهوم الوطن وبين مفهوم المصالح الخاصّة؛ لتصبح التضحية بأرواح الناس مِنْ أجل المصالح الخاصّة تضحيةً مزعومة مِنْ أجل الوطن!
أمّا في ما يخصّ الكلام المكرَّر عن تحويل الأزمة إلى فرصة، فالطريف أنَّ صاحبه يقوله كما لو أنَّه اكتشاف جديد وليس إحدى البديهيّات المعروفة للرأسماليّة المتوحِّشة.. رأسماليّة القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، وهي بديهيّة يعرفها جيّداً ويعمل بها كلّ تاجر سلاح أو ثريّ حرب أو مهرِّب أو لصّ أو مُقتَنِص للفُرص والأزمات.. مهما كان مستوى وعيه وإدراكه.
على أيّة حال، نذكِّرُ، هنا، بأنَّ ذروة سنام حقوق الإنسان، التي تعاقد عليها المجتمع البشريّ الحديث، هو حقّ الحياة.. وليس حقّ الإثراء الفاحش على حساب أرواح الناس.
‎2020-‎03-‎26