قراءة في العقل الصيني السياسي.. نظرة استجلاء إلى المستقبل ما بعد الكورونا في ظل الصراع الصيني الأمريكي..!

بقلم بكر السباتين..

هذه محاولة في الدخول إلى عمق الأزمة الصينية مع الأمريكيين لاستجلاء ملامح المستقبل وإضاءة الكشافات على كل المحاور لإزالة حجب الظلام عنها فيما يتعلق بالمواجهة الصينية الأمريكية المفتوحة على كل الاحتمالات.. علماً بأن المنطق يحكم وفق معطيات الواقع بأن خيوط اللعب بدأت تتجمع ما بعد كورونا في يد اللاعب الصيني، وعلى ترامب حينها أن يلجم خيوله المعربدة في عالم سريع التغير والنمو.

ويعلم القاصي والداني في سياق ذلك بأن الصين تتمدد في العالم؛ وفق مبدأ الاستثمار والعائد التنموي الإيجابي على الطرف الشريك. والمعروف أن الشراكة الاقتصادية هي تفاعلية، ومن شأنها أن تحرك التنمية الشاملة وتأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية لدي الطرف الُمْسًتْقِبل للاستثمار الصيني البنّاء.. هكذا يفهم التمدد الصيني القائم على الشراكة الاقتصادية والدعم التنموي المفتوح لذلك حظيت الصين بالكعكة الإفريقية وعلى جزء من كعكة القارة اللاتينية وخاصة الوسطى، وتحديداً فنزويلا التي تحاول الخروج عنوة من المدار الأمريكي. وهذا يعيدنا إلى مأزق الصواريخ الروسية التي نصبها خروتشوف في كوبا عام 1962، فوُضع الرئيس جون كندي أمام عدة خيارات أحلاها مرّ.. ومنها الحصار الشامل أو ضرب الجزيرة بالنووي.. وهذا يعكس طبيعة التمدد الأمريكي القائم على صناعة العملاء والمأجورين للتخريب لدى منطقة الخصم، أو الاحتلال العسكري المباشر إن لم يكن بالوكالة كما جرى إبان عاصفة الصحراء أغسطس 1990، التي أدت إلى احتلال العراق وتخريبه ومحاولة ضرب وحدته وإيقاظ الخيار الطائفي والجهوي في المشهد السياسي العراقي، وبالتالي تسليم مقاليد الحكم للعملاء اللصوص الذين جاءوا إلى بغداد على ظهور الدبابات الأمريكية.

في المحصلة فإن التمدد الصيني أجده أكثر متانة وإشاعة للثقة من التحالف العسكري مع الأمريكيين.. لأن الصين تمددها استثماري تنموي بينما واشنطن قد تتحالف مع الشيطان لتحظى بكل العائد من الاستثمار أو الاستغلال كما هو الحال مع الصندوق السيادي السعودي الذ تم نهبه من قبل ترامب، ناهيك عن صفقة القرن التي ترعاها أمريكا، وتريد من خلالها تجيير كل المكتسبات لصالح الاحتلال الإسرائيلي وإخراج صاحب الحق الفلسطيني من سياقها خالي الوفاض.. وفي التحالفات العسكرية يبقى عنصرا الوفاء والغدر قائمين ودائماً يشتم منهما رائحة الدم والبارود.

وللتذكير فإن أمريكا تنتهج أسلوباً تقليدياً بالياً بات لا ينسجم مع شروط البقاء للمستقبل في مقدمة الركب على قاعدة الأقوى اقتصادياً.. وهي مكانة يتنافس عليها كل من الأمريكيين والروس والصينين والتحالفات الدولية الكبرى، ويشمل التنافس حتى دول العشرين الأغنى في العالم أو دول نادي باريس الست.. وهذه الشروط المستقبلية قائمة على مبدأ التعاون والمحافظة على الشريك الاقتصادي والحليف العسكري المؤتمن أو تحييد عدو قائم أو محتمل، ومن ثم المواجهة إذا حشر الطرفان في الزاوية مع ترك الباب موارباً للمفاوضات. وفي التجربة الصينية الكثير من المواقف الناجحة المتعلقة بإدارة الأزمات، التي قد تعزز من احتمالات تصدر الصين المشهد العالمي مستقبلاً.

ومثال ذلك التجربة الصينية مع تمرد تايوان على إرادة الأم.. وهو ما تجلى في خطاب الرئيس الصيني، شي جينبينغ، الذي حذر تايوان من أن بلاده لن تتخلى عن خيار استخدام القوة العسكرية لإعادة بسط سيادتها على جزيرة تايوان التي حكمها نظام مناهض لبكين منذ انتهاء الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وقال جينبينغ، في خطاب له بمناسبة “الذكرى الأربعين للبيان السياسي بشأن تايوان: “إن إعادة الوحدة يجب أن تجري في إطار مبدأ الصين الواحدة الذي يقر بأن تايوان جزء من الصين”، الأمر الذي رفضه أنصار استقلال تايوان. ويلاحظ في ذات السياق بأن التلويح بالتدخل العسكري ظل قائماً لتعزيز الضغط السياسي، علماً بأن الصين قادرة على حسم الأمر على هذا النحو.. ولكن دخول الأمريكيين إلى المشهد الصيني زاد من التوتر بين تايوان والصين بعد أن فرضت الولايات المتحدة، الداعمة لتايوان، عقوبات على الجيش الصيني في الآونة الأخيرة، إلى جانب الحرب التجارية بين البلدين وتعزيز تايوان والصين المتزايد لوضعيهما العسكري في بحر الصين الجنوبي.

كذلك الأمر بالنسبة لموقف الصين من هونكونغ التي كانت مستعمرةً بريطانيَّة حتى عام 1997، عندما أعيدت ملكيَّتها أخيراً إلى الصّين., حيث ساد بين الصين الأم والابن المدلل لغة الحوار وانتعشت العلاقة بينهما حينما أدمجت هونكونغ في التنمية باقتدار وأحس مواطنو الجزيرة بعائد العلاقة البينية مع الصين على اقتصاد إقليمهم..

ولكن الأمر سيختلف قليلاً فيما يتعلق بالأقليات الانفصالية التي تدعمها أمريكا بالمال والسلاح لضرب خاصرة الصين، فإن “بيجين” تتعامل معها بقوة وحزم؛ وهو شأن صيني داخلي وليس عدواناً على دول أخرى! حتى لا ينتقل وباء الانفصال إلى الأقاليم الصينية الأخرى، التي باتت ملعباً مكشوفاً للمخابرات الأمريكية، ومن يعترض فعليه قبول هذا التحدي في حياضه وليتساءل “كيف أتصرف؟”.

لذلك الصين ستخالف توقعات خصومها التقليديين الذين لم يحسنوا قراءة عقول قادتها.. ولن تقع في الفخ الأمريكي، فترد بالمثل فيما يتعلق بموضوع العدوان البيولوجي الأمريكي المحتمل عليها، بل ستقوم بتصدير تجربتها في مواجهة الوباء المدمر إلى الأصدقاء والخصوم دون مقابل، وهذا ما تفعله الآن مع إيران التي تحاول أمريكا عرقلة وصول المساعدات الطبية إليها في ظل حصار مهين.. ومع إيطاليا الشريك في الاتحاد الأوروبي الذي تخلى عنه حلفاؤه وعلى رأسهم أمريكا لتدخل الصين إلى المشهد الإيطالي المأساوي من باب المساعدات الإنسانية والفنية المفتوحة، حتى جاء من يرفع العلم الصيني من الإيطاليين بدلاً من علم الاتحاد الأوروبي.. وكأن الصين بدأت ما بعد مرحلة وباء الكورونا تتصرف كدولة قادرة على تحمل أعباء قيادة العالم مستقبلاً في إطار علاقات دولية تقوم على الشراكات الحقيقية خلافاً للنهج الأمريكي الاستعماري الذي عفى عليه الزمن.. والذي يتوعد بحرب عالمية ثالثة كان هنري كيسنجر قد تنبا بها، وقال بأن شعلة إيقاظها موجودة في يد الكيان الإسرائيلي.. وكل ذلك يأخذنا إلى تقنيات التخريب الأمريكية بدئاً من محاولات ضرب الصين من خلال دعم الانفصاليين في الأقليات التي هي جزء من الكيان الصيني التاريخي وصولاً إلى الحرب الاقتصادية المفتوحة التي أشعلها ترامب منذ سنتين، إلى أن جاءت مرحلة الذروة المتمثلة بالعمليات البيولوجية السرية التي ضربت بها الصين، بواسطة الفيروس المركب كورونا، وذلك لغاية ضرب الاقتصاد الصيني وتفكيكه.

ويكفي أن نتذكر ما قاله وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر في منتصف فبراير الماضي في أن التحدي الأمني الرئيسي للولايات المتحدة قد تغير ولم يعد روسيا وإنما أصبح الصين.

من جهته، قال وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو خلال كلمة ألقاها أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا إن الحزب الشيوعي الصيني يشكل خطراً هائلاً على الغرب.

ورفض أن تكون بلاده قد انسحبت من الساحة الدولية، قائلاً: إن الغرب يفوز في مواجهة خصومه. وإضف إلى هذين التصريحين محاولات ترامب الضغط على المستثمرين الأمريكيين للخروج من المشهد الاقتصادي الصيني ونقل استثماراتهم إلى أمريكا.

ففي أتون أزمة وباء كورونا وبعد أن حقق ترامب هدفه المنشود كما يرى الصينيون بهروب المستثمرين الأمريكيين والأوربيين من الصين، وهو شعار تبناه ترامب في حملته الانتخابية؛ حصل ما لم يتوقعه ترامب في سياق حربه التجارية مع بيجين، وذلك بإقدام الصين إلى شراء الاستثمارات الأمريكية والأوربية بأقل الأسعار، وهو إجراء طارئ وذكي للحكومة الصينية، والتي شاءت لها الظروف، والإمكانيات المذهلة، والسياسة الحكيمة، بأن توجه ضربة أخرى إلى خصومها ممن يناصبون اقتصادها العداء، من خلال تطويقها لوباء فيروس كورونا، ومن ثم محاصرته بغية التخلص منه نهائياً دون استخدام أي مصل علاجي، قد يحسب لها أو عليها في ظل هذه الاتهامات المتبادلة؛ لذلك خرج الأمريكيون من الحلبة مذهولين، فما كان عليهم إلا أن يرجموا الطرف الصيني بتهمة افتعال أزمة بيئية لإنقاذ العملة الصينية المتهاوية.. وهي ذريعة أمريكية تخالف المنطق، لأن دولة بحجم الصين ذات النمو الاقتصادي الأعظم في العالم لا تدمر نفسها من أجل أهداف مرحلية يمكن تحقيقها في سياق الصراع الموضوعي الذي أشعله المقامر الأبرص ترامب..

25 مارس 2020