الفرنسيّون يسحبون قوّاتهم من العِراق سِلمًا تقليصًا للخسائر.. !

وفكًّا لارتِباطهم مع المشروع الأمريكيّ “المهزوم”..

هل قصف منظّمة “عُصبة الثأئرين” المجهولة لقاعدة التاجي الأمريكيّة كان رصاصة إنذار؟

ولماذا نعتقد أنّ رِهان ترامب على “الزرفي” لإبقاء قواعده في العِراق خاسر مُسبقًا؟

والثّأر لسليماني والمهندس وشيك..
أكثر من نارٍ تحت الرّماد في العِراق، ونحنُ لا نتحدّث هُنا عن فيروس الكورونا الذي ينتشر في البِلاد بسُرعةٍ مُتزايدةٍ، وإنّما عن فيروسات من نوعٍ آخَر لا تقِل قوّةً وخُطورةً وفتكًا ونهشًا للجسد العِراقيّ وسِيادته الوطنيّة.
باختصارٍ شديد نحن نتحدّث عن القوّات الأجنبيّة وقواعدها على الأراضي العِراقيّة، والأمريكيّة منها على وجه الخُصوص، ففي ظِل أزَمة الحُكومة التي جاءت نتيجةً فشل لعدّة مرشّحين لرئاسة الوزراء في تشكيلها لغِياب التّوافق الوطنيّ، والصّراع المتأجّج بين حُلفاء إيران وأمريكا، من غير المُستَبعد أن تشهد الأسابيع والأشهر المُقبلة اندلاع حرب عسكريّة بالإنابة بين القوّتين المُتصارعتين وحُلفائهما، تكون القواعد الأمريكيّة أوّل أهدافها.
اللواء عبد الكريم خلف، القائد العام للقوّات العِراقيّة، أعلن اليوم الأربعاء عن مُغادرة القوّات الفرنسيّة أرض العِراق، وأنّ التحالف الدوليّ الذي تقوده أمريكا أخلى قاعدة القائم على الحُدود السوريّة العِراقيّة، وتُخطِّط القِيادة العسكريّة الأمريكيّة لانسِحابٍ وشيكٍ من قاعدتين أخريين، من مجموعِ ثمانٍ منها.
تبنّي منظّمة مجهولة تُدعى “عُصبة الثّائرين” المسؤوليّة عن قصف قاعدة التاجي الأمريكيّة شِمال بغداد بالصّواريخ، ومقتل جنديين أمريكيين ومُتعاقد، وقبلها قصف السفارة الأمريكيّة في المِنطقة الخضراء، وقاعدة “K1” في كركوك، كلها جاءت تحمل رسائل صريحةً للإدارة الأمريكيّة مضمونها “لا مكان لأمريكا وقواعدها على أرض العِراق وهذه البِداية”.
الفرنسيّون التقطوا الرّسالة وسارَعوا بسحب قوّاتهم، ومن غير المُستَبعد أن يحذو البريطانيّون والقوّات الأوروبيّة الأخرى الحَذو نفسه، فهُناك قرار واضح من البرلمان العِراقي يُطالب بإنهاء أيّ وجود عسكريّ أجنبيّ على أرض العِراق، ومن لا يَخرُج طوعًا، سيتم إخراجه بالقوّة بالطّريقة نفسها، وربّما أُخرى أكثر شراسةً، التي أجبرت الرئيس باراك أوباما على سحب جميع قوّاته بنهاية عام 2011 تقليصًا للخسائر البشريّة والماديّة معًا.
الانتقام الإيراني العِراقي المُشترك لاغتِيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بقصف طائرة أمريكيّة مسيّرة أثناء مُغادرتهما مطار بغداد في كانون ثاني (يناير) الماضي، لم يتم بعد، وهذا التّحالف الثّنائي لن يَسكُت على الضّيم، وسفك دِماء رجاله، وإذا سكَت، فإنّ سُكوته يأتي في إطار الاستِعداد الجيّد، ووضع الخُطط الانتقاميّة الدّقيقة للثّأر الذي يرتقي إلى مُستوى مكانة “شهيديهما” ورِفاقهما.
ربّما يُراهِن الأمريكيّون على “حليفهم” عدنان الزرفي، آخر المُرشّحين لتشكيل الحُكومة العِراقيّة بعد اعتِذار الدكتور محمد توفيق علاوي، ولكنّه رِهانٌ غير مضمون لأنّ فُرصه في النّجاح تبدو محدودةً، وحتى لو نجَح في هذه المهمّة، فإنّه لن يجرؤ على نقض القرار البرلماني بتصفية جميع القوّات والقواعد الأمريكيّة في العِراق.
أمريكا خَسِرت ستّة تريليونات دولار و3500 جندي، و30 ألف جريح، بسبب “حماقة” غزوها للعِراق في مِثل هذا التّوقيت قبل 17 عامًا، (مارس 2003)، ومن المُؤكِّد أنّها ستخسر وجودها وقواعِدها الحاليّة، وتنسحب مكروهةً وذليلةً ومهزومةً من هذا البَلد على أيدي الوطنيين الشّرفاء من أبنائه، تمامًا مِثلَما تُخطِّط للانسِحاب من أفغانستان وقبلها من فيتنام، بل والعِراق نفسه.
العِراق يستعيد سيادته، وينتقم لشُهدائه، ويُحَرِّر أراضيه من قوّات الغُزاة الأمريكيين، وأحسَن الفرنسيّون صُنعًا عندما بادروا بالانسِحاب بسُرعةٍ، وفكّوا ارتِباطهم مع المُخطّطات الأمريكيّة الفاشِلة، وحمَوا بذلك أرواح جُنودهم، وقلّصوا خسائِرهم، فالقادم أعظم.
“رأي اليوم”
‎2020-‎03-‎25