هـل يفجـر الإمـام القنبلـة النوويـة السريـة؟..


أحمد الشرقاوي

ما من شك أن محور المقاومة يواجه منذ أزيد من أربع سنوات أقذر حرب استنزاف عرفها تاريخ المنطقة، وبالرغم من أنه يواجهها بحكمة وصبر وثبات، سقفه العزة، وغايته الدفاع عن وجود الأمة ومصيرها، إلا أن طبيعة الحرب وأدواتها جعلت من الحسم أمرا صعب المنال إن لم يكن مستحيلا، بسبب انعدام التنسيق بين مكونات المحور من جهة، واختلال الموازين بين الجيوش النظامية والجماعات التكفيرية المدعومة من أمريكا ووكلائها الإقليميين بالمال والسلاح والتدريب والمعلومات..

ولم يكن من قبيل الصدفة أن تحاول أمريكا تحييد إيران وتكبيل يدها بالمفاوضات حول ملفها النووي، والتي تبين أن أوباما هو من فاتح طهران بمباشرتها قبل الأحداث من خلال وسيط دولي حمل رسالة إلى طهران إبان حكومة نجاد مفادها، أن الإدارة الأمريكية مستعدة للإعتراف بإيران قوة نووية ورفع العقوبات عنها في ظرف ستة أشهر إن هي قبلت بالدخول في مفاوضات مع المجموعة الدولية..

الإمام الخامنئي كان متوجسا من سوء نية أمريكا، لكن الحكمة كانت تقتضي عدم رفض الإقتراح، لما قد يتسبب به من تداعيات سياسية في الداخل الإيراني بين المحافظين الرافضين له ولأي تقارب مع الشيطان الأكبر من جهة، والإصلاحيين البراغماتيين الساعين لرفع المعاناة عن الشعب الإيراني من جهة أخرى، وكانت المصلحة تقتضي إتاحة الفرصة للفريق الجديد لتجريب حظه في المفاوضات، تحت سقف مصلحة الشعب وثوابت الثورة، مع تقبل الإنتقادات الداخلية بين الأفرقاء باعتبارها ظاهرة ديمقراطية صحية..

وقد كان واضحا خلال ماراطون المفاوضات، أن ما تسعى لتحقيقه أمريكا بالسياسة لا علاقة له بالنووي ولا من يحزنون، فهي قد جربت توريط إيران بالخديعة لإتهامها بالسعي لصنع قنبلة نووية من خلال تسريب وثائق سرية لصنع قنبلة نووية عبر عميل إيراني مزدوج، لكن طهران لم تعر اهتماما للموضوع، ففشل المسعى وفق ما تكشف من معلومات سرية.

هدف أمريكا الحقيقي من وراء المفاوضات، هو انتزاع إيران من المحور الروسي – الصيني أولا، ثم محاولة تغيير إديولوجيتها الثورية المناصرة للشعوب المستضعفة من خلال العبث بالداخل الإيراني بعد التطبيع، اعتقادا منها أن الإتفاق سيدعم الجناح الإصلاحي سياسيا على حساب الجناح المحافظ ما سيمهد الطريق للإنقلاب على الإديولوجية الثورية ولو بعد حين، وفي انتظار ذلك، تكبيل يدها بالمفاوضات لضرب محورها في المنطقة باعتباره يمثل تهديدا وجوديا لـ”إسرائيل”، ومن ثم إرغامها على الخضوع للشروط الأمريكية مقابل تسليمها مفاتيح المنطقة كقوة عظمى ضامنة لمصالح الغرب كما كان الحال زمن الشاه المخلوع.

ووفق هذه الأهداف الأساسية والمرحلية، فالحرب التي تشن على سورية والعراق ولبنان واليمن هي حرب بالوكالة ضد إيران، وبالتالي، لإيران مسؤولية دينية وأخلاقية للوقوف مع حلفائها الذين يقدمون الغالي والنفيس من أجل أن ينتصر مشروع المقاومة، آخر قلعة للدفاع عن وجود الأمة ومصيرها، لأنه لا قدر الله لو سقطت سورية مثلا، لإنهار المحور برمته ولانتهت الأمة العربية إلى حال يشبه حال ممالك الطوائف زمن الأندلس، لذلك تقول طهران نهارا جهارا أن الدفاع عن محور المقاومة هو خيار استراتيجي، لكن الحكمة تقتضي عدم حرق المراحل والقفز نحو المجهول في عملية انتحارية غير محمودة العواقب..

وعلى هذا الأساس، فمن راهنوا على تخلي إيران عن سورية تحقيقا لمصالحها، قد أخطأوا في حق إيران ولم يدركوا أن أسد الأمة الإمام الخامنئي (حفظه الله)، وإن كان يتصرف بحكمة، ويسعى لمصلحة الأمة، لإدراكه أن على الإتفاق يتوقف مستقبل المنطقة برمتها، إلا أنه وضع حدودا للمفاوضات مع قوى الإستكبار سقفها العزة، والعزة لا تباع ولا تشترى لأن دونها ضياع الكرامة والسقوط في المذلة والعيش بمهانة عظيمة، وهذا لا يرضاه الله ورسوله والذين آمنوا.

الخطوط الحمراء التي وضعها الإمام الخامنئي للقبول باتفاق مع المجموعة الدولية حول ملف إيران النووي، قطعت الشك باليقين، ووضعت أوباما وحلفائه أمام حائط مسدود، بحيث لم يعد لهم من خيار سوى القبول بها والتوقيع دون مواربة إعترافا بحق إيران في التيكنولوجيا النووية وفق ما يضمنه القانون الدولي وتسمح به بروتوكولات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو رفض التوقيع والعودة إلى نقطة الصفر.

الكرة اليوم في ملعب أوباما، وقد فهم الأخير أن لعبة الوقت والضغط لا تجدي نفعا مع إيران، فإما القبول برفع العقوبات بالتزامن مع توقيع الإتفاق النهائي، وحفظ حق إيران في البحوث النووية وتطويرها لأغراض سلمية، وعدم تفتيش المواقع العسكرية، وعدم التحقيق مع العلماء الإيرانيين، والتقيد بمدة معقولة لا تتجاوز العشر سنوات، الأمر الذي سيغير مصير الشرق الأوسط بسبب ارتباط الصراعات القائمة بهذا الإتفاق تحديدا، ما جعل أوباما وقبل أن يتحول إلى بطة عرجاء، يراهن على توقيع الإتفاق وما سيستتبعه من أتفاق مع إيران حول الحرب على الإرهاب، لإدراكه أن إيران وحلفائها هم وحدهم من يستطيعون محاربة الإرهاب على الأرض وضمان مصالح أمريكا، وبالنسبة للأدوات كالسعودية وغيرها، فلا ضير في تغييرها إن اقتضت الضرورة ذلك، تماما كما تغير الكرافاتات..

أما في حال قرر أوباما إعلان الفشل في التوصل لاتفاق جيد كما يدعي، وهو أمر مستبعد، لعلمه أنه يمثل نهاية حلمه في دخول التاريخ من البوابة الإيرانية، بعد أن فشل في إحداث التغيير في الداخل، وفشل في إحتواء روسيا والصين، وفشل في حروبه العبثية ضد محور المقاومة لتأمين أمن “إسرائيل”.. والفشل معناه انفجار الأوضاع بالمنطقة وتدحرج كرة النار لتحرق “إسرائيل”.

ومهما يكن من أمر، فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل توقع التوقيع على إتفاق نهائي متم هذا الشهر نظرا للخلافات الحادة القائمة بين الجانبين، وتمسك كل طرف بشروطه، وقد يطالب أوباما بتمديد المفاوضات لبضعة أسابيع عساه ينجح في انتزاع بعض التنازلات كي لا يتهم بتوقيع اتفاق سيئ..

روسيا تعتقد أن أوباما سيؤجل التوقيع لمدة قد لا تقل عن ستة أشهر بسبب إصرار الإدارة الأمريكية على التلاعب بالسياسة والقانون، على أن يتم التوقيع على إتفاق ما قبل نهائي يتضمن بعض التنازلات لتشجيع إيران على عدم قلب الطاولة على الجميع والقبول بتمديد المفاوضات، خصوصا وأن أوباما اعترف في حوار سابق أن عدم التوقيع سيجعل العقوبات تنهار من تلقاء نفسها، بعد أن أدرك العالم أن إيران أوفت بكل التزاماتها وتقيدت بالقانون الدولي وشروط الوكالة الجاري بها العمل وأن كانت الأخيرة مجرد لعبة في يد قوى الإستكبار.

كما وأن روسيا والصين ودول شانغهاي على استعداد لضم إيران لمنظومتهم الأسيوية الأمنية والإقتصادية الجديدة حتى لو تم تعديل قانونها الداخلي، ما يعطي لإيران متنفسا يساعدها على الصمود وعدم الإنصياع للشروط الأمريكية.

روسيا بحاجة لإيران أكثر من أي وقت مضى، خصوصا بعد إعلان وزير الحرب الأمريكي عزم بلاده بمعية الحلف الطلسي، نشر فرق مقاتلة ومعدات عسكرية ثقيلة ودروع صاروخية متطورة في دول الجوار الروسي الدائرة في الفلك الأمريكي، ليكون بمقدورها التدخل عسكريا في حال ساءت الأوضاع في أوكرانيا، وهو قرار واضح بعزل روسيا عسكريا بعد أن تم عزلها إقتصاديا، والدور على الصين بعد روسية كما هو مخطط له، الأمر الذي دفع بروسيا والصين لإجراء مناورات عسكرية مشتركية والتحالف عسكريا مع إيران، وتجري حاليا مفاوضات أخيرة لتسليم إيران صواريخ (إس 300) ومعدات متطورة جديدة في الأسابيع المقبلة تحسبا لأية تطورات محتملة.

كل الخبراء يعتقدون أن مصير الشرق الأوسط أصبح معلقا على نتائج هذا الإتفاق، والكل مدرك أن النووي الإيراني ليس سوى ذريعة، وأن المطلوب تنازلات سياسية نوعية ترفض إيران تقديمها مقابل ما تعتبره حقا شرعيا لها غير قابل للنقاش، وقد أشار بعض الخبراء إلى أن الخوف من تطوير إيران للبحوث النووية يعني أنه سيكون في مقدورها صناعة غواصات نووية وحاملات طائرات بمحركات نووية مستقبلا بعد رفع العقوبات، بالإضافة إلى صواريخ برؤوس إشعاعية مركزة بفضل النانو تيكنولوجي، لكونها لا تدخل في تصنيف أسلحة الدمار الشامل للوكالة، وهي الصواريخ التي استعملتها أمريكا و”إسرائيل” وتملكها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

هذه هي المخاوف التي لا زالت تطرحها “إسرائيل” لخشيتها من وصول هذا النوع من التكنولوجيا المتطورة لسورية وحزب الله، أما البحوث في المجالات النووية الزراعية والطبية والصناعية فلا تثير اعتراضا يذكر.

المرحلة حساسة جيدا، فإذا تم الإنفاق، فسنشهد تعاونا وثيقا بين ايران والعراق وسورية وحزب الله في إطار الحلف الذي بدأ يتمأسس لتطهير المنطقة من زبالة التكفيريين بمشاركة أمريكا ما سيكسب أوباما أوراقا هامة في الحرب على الإرهاب تنعكس إيجابا على حزبه في الرئاسيات المقبلة.

لكن إذا لم يتم الإتفاق، فقد يقرر الإمام الخامنئي تفجير قنبلته النووية السرية، بإعلان النفير العام لتطهير المنطقة من الإرهابيين، حينها سيتغير وجه الشرق الأوسط، ولن تستطيع أمريكا أو غيرها الوقوف في وجه من يحاربون هذا الشر المستطير الذي أصبح يهدد العالم أجمع..

وتبقى “إسرائيل” المستفيدة الوحيدة من الإرهاب بين خيارين، إما التقوقع في الداخل وترك محور المقاومة يقوم بواجبه الجهادي، أو التدخل لإعاقته، حينها ستفتح أبواب الجحيم على الصهاينة، ولن تستطيع أمريكا إنقاذهم من قضاء الله وقدره، لأن لا أحد في هذا العالم يستطيع محاربة الشعوب التي تلبي نداء النفير بمختلف طوائفهم ومذاهبهم ومشاربهم الفكرية.

حتى السعودية التي فقدت مكانتها ومصداقيتها وفضح الله نفاقها وتبين للجميع حقدها على العرب وكرهها للإسلام والمسلمين ومحاربتها لدين الله ورسوله والذين آمنوا دفاعا عن “إسرائيل”، لن يكون في مقدورها تضليل الناس بالحديث عن فتنة سنية – شيعية، لأن الإرهاب لا دين ولا مذهب له.

هذه هي القنبلة السرية النووية الحقيقية التي تمتلكها إيران، ويكفي أن يخرج الإمام الخامنئي ليعلن النفير العام كي تنفجر في التكفيريين ومن يدعمهم من دواعش السياسة والإعلام في المنطقة.

أنه زمن الشعوب، والحرب على الإرهاب لا يمكن حسمها إلا بتلاحم الشعوب مع الجيوش مع المقاومات العربية والإسلامية وبتوحيد الساحات.. غير ذلك، فلننتظر الكارثة.


‏25‏/06‏/2015

عن بانوراما الشرق الأوسط