ماذا نتعلم من فيروس كورونا!

سهيل كيوان.

هل نستطيع أن نتعلم شيئًا من فيروس لا يتحدث أي لغة، ولا نستطيع أن نراه في العين المجردة، ليس له قناة على “يوتيوب”، ولا صفحة على “فيسبوك” أو “تويتر”، ولا موقع على الشبكة، هل نستطيع التعلم ممن لا صوت ولا صورة ولا وزن له؟

الصين دولة عظمى مساحة وعددًا وتكنولوجيًا وقدرات عسكرية، واقتصادها هو الثاني بعد الولايات المتحدة في ضخامته، ويقول خبراء إنها سوف تتقدم على الولايات المتحدة خلال العقدين المقبلين. هذا الجبروت اخترقه وجعله يرتجف رعبًا، فيروس لا يُرى إلا تحت المجهر الإلكتروني وبعد تكبيره مئة ألف مرة.

مشاهد المرضى كما ظهر بعضها في وسائط التواصل الاجتماعي مرعبة. مرضى يرتجفون حتى الموت بين أيدي الأطباء الذين ارتدوا الواقيات المعقّمة كما لو كانوا في رحلة إلى كوكب آخر، عاجزين عن تقديم أي عون، سوى عزل المرضى وتركهم يرحلون من دون نقل المرض إلى غيرهم. بعضهم ينهار في الشوارع ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منه خشية العدوى. المستشفيات مكتظة، وعشرات الآلاف ينتظرون الفحوصات، وعشرات ملايين من المعزولين عن العالم الخارجي خشية نقل الفيروس إلى آفاق أخرى.

كل عطسة مخيفة، كل ماء أنف مرعب، وكل ارتفاع درجة للحرارة هو جهنم الشكوك والخوف.

رعبٌ في الصين، يوازيه تراجع تجاري وسياحي منها وإليها، وهذا ينعكس وسوف ينعكس على اقتصادات كل دول العالم بصورة أو بأخرى، وقد بدأت تظهر بوادره على انخفاض سعر تداول الأسهم الأوروبية وتخوفات يابانية وكورية جنوبية.

الولايات المتحدة الدولة الأعظم، التي لا أول ولا آخر لأساطيلها وجيوشها، القادرة على تدمير البشرية آلاف المرات، تجتاحها أعاصير فتشل مدنا وقرى، وتقف ضعيفة أمام حالة بسيطة من مزحات الطبيعة، فماذا سيحل بهذا العملاق عندما يذوب جليد القطب، وترتفع مياه المحيط، وتصبح الأعاصير أشد جنونًا مما هي عليه الآن؟

يتنبأ العلماء بأن مدنًا مثل نيويورك وولاية مثل كاليفورنيا وجزر كثيرة ستختفي تحت الماء.

ماذا يعني هذا؟ هذا يقول إن على الإنسان والدول أن تتواضع مهما شعرت بقوتها، وأن نتذكر إمبراطوريات أقوى من الصين ومن أميركا ومن الاتحاد السوفييتي السابق، لم يبق منها سوى أكوام حجارة، وقصور يسكنها بوم وخفافيش أو أقوام غيرهم، ولم يبق منها سوى بعض السطور في كتب التاريخ والبحث.

لقد تشفّى البعض بالصينيين، وذلك بسبب ممارسات الحكومة الصينية اللاإنسانية تجاه مسلمي الإيغور. التشفّي عيب، ويشير إلى سطحية وجهل دنيوي وديني، فلست أنت الذي أرسل الفيروس ولا الأعاصير ولا حرائق أستراليا ولا الهزة الأرضية في تركيا أو إيران.

لكنها دعوة للصينيين ولغيرهم إلى احترام عقيدة الآخرين مهما اختلفت، طالما أن الذي يحملها لا يدعو إلى عنف أو اختلاق أزمات وعداوات، أو تخريب اقتصادي.

من حق كل إنسان أن يكون حرًا في خياراته الفكرية وعباداته وعقيدته دون إكراه، لا في دين سماوي ولا في نظرية أرضية.

بعد قرن من الصراع، قرّر رئيس الدولة الأعظم، زعيمة “العالم الحرّ”، فرض صفقة على الفلسطينيين دون أي اعتبار لموقفهم ومكانتهم، لا التاريخية ولا التفاوضية ولا الإنسانية ولا حتى الجغرافية، فكأنهم قطيع من الخيول الخشبية يجري تحريكها حسب رغبة مخرج المسرحية دونالد ترامب وحاشيته.

صفقة ترامب تظهر فجاجة وعنجهية هذا الكائن وخواءه وفكره الاستقوائي المؤسس على صراع البهائم ووحوش الغابات، وعدم اعتراف بأدنى المعايير والقيم الإنسانية.

الحل المفروض بالقوة والغطرسة يعني طرق الأبواب بقوة في وجه من راهنوا على صنع السلام من خلال إطالة عمر انشقاقهم عن إخوانهم، واسترضاء الاحتلال على حساب الوحدة الوطنية، وعلى حساب آلاف الشرفاء الرافضين لهذا النهج العاقر.

ما يقوم به ترامب وشريكه نتنياهو وبعض المتواطئين معهما على الساحة الإقليمية والدولية، من عرب وغير عرب، يُعدّ المنطقة إلى حل قضية فلسطين على حساب الأردن، ويَعِد الفلسطينيين بعلميات ترانسفير على نطاقات أوسع مما عرفوا حتى الآن منذ النكبة، وذلك عملا بقانون يهودية الدولة.

فيروس كورونا يعلمنا بأن نثق بقوتنا وبقدرتنا على التأثير مهما بدت ضئيلة أمام جبروت ترامب وأمثاله، وإذا كان بوسع الفيروس أن يرعب مليارات من البشر، وأن يضرب اقتصادات العالم، فبقدرة العرب والفلسطينيين أولا، أن يقلبوا فيروس الذل والإهانة إلى قوة، وأن يرموا أوراق صفقة القرن في وجه من صاغها ووجه من سيوقعها
2020-02-29