لا لـ «أسرلة» وعي الأجيال… لا لانتخابات الاستعمار…!

 صابرين دياب.
عندما يدور الحديث عن السكان الأصليّين – الفلسطينيين في فلسطين التاريخية – يتبادر الى الذهن القومي العربي الحقيقي، المنتصر الى فلسطين جذرياً، أنّ الفلسطينيين المتجذرين في الجليل والمثلث والنقب والساحل، هم جزء هامّ وأصيل من الحركة الوطنية التحررية الفلسطينية، ولا يتردّد في التعامل معهم على هذا الثابت والأساس المقدّس، بينما يسارع القومي العربي المائع، الى اعتبارهم «عرباً فلسطينيين داخل دولة إسرائيل»، مهما لمّعوا بعبارات بلاستيكية للتغطية على الكلمة البلاء «إسرائيل»! ايّ انّ واقع هؤلاء العرب السياسي، يحتم عليهم الانسجام مع هذا التعريف، وهو تعريف الأحزاب العربية المشاركة في انتخابات كنيست الاستعمار «الإسرائيلي»، والتي حوّلت الصراع مع المستعمر، من صراع على الوجود الى صراع من أجل حقوق مدنية بخسة، واستطاعت هذه الأحزاب أن تميّع النضال الوطني، وخفّضت سقفه الى مستوى لا يتناغم مع حجم الواقع والحقيقة الدامغة، أنّ الجليل والساحل وكلّ الداخل أرض محتلة، وليست أرضاً «إسرائيلية» قائمة الى جانب دولة فلسطين في الضفة وغزة! لولا بعض القوى الوطنية الثورية في الداخل التي تجتهد بكلّ إمكانياتها المحدودة، على حماية الوعي الوطني الفردي والجمعي للجماهير، بضرورة عدم الاستسلام لهذا النهج المتأسرل، الممارس من قبل الأحزاب العربية في الوطن المحتلّ، وذلك بالرغم من هجوم الفلسطينيّين المتأسرلين او المعترفين بالكيان، وبالرغم من تقصير وتآمر بعض الإعلام القومي عليها.
والسؤال الملحّ: ما الذي يدعو بعض الأوساط العربية والقومية، الى التصفيق والتسويق للأحزاب العربية الزاحفة واللاهثة الى شرعنة كنيست المحتلّ وشرعنة وجود دولة الاحتلال، واعتبار الجليل والساحل والنقب والمثلث «أراضي إسرائيلية»!؟
كيف يناهضون التطبيع مع المحتلّ بينما يتعاظم دعمهم المبتذل لتلك الأحزاب الزاحفة نحو «الأسرلة»!؟
كيف ينادون بعودة اللاجئين، وهم يعترفون أنّ أرض البروة، الرويس، الدامون، اقرث، برعم، الشجرة، ميعار، كويكات، خبيزة، اللجون، لوبيا، بيسان، الغابسية وأكثر من 450 قرية مهجّرة، تنتظر أهلها، فضلاً عمن هُجّروا من قراهم ومدنهم التي لم تدمّر في الداخل المحتلّ! هي أراض اسرائيلية! هل يجرؤ أيّ عضو كنيست عربي، أن يقول إنّ بيسان أو البروة هما قريتان فلسطينيتان محتلتان!؟ هل يجرؤ أحدهم على القول إن الجليل محتلّ، وإنّ يافا محتلة!
وما أقلّ هيبة الكاذب والمنافق، حين يتفنن بالتقاط مكبّرات الصوت، ليخطب في الناس عن مفهوم الوطنية، ويبيعهم أوهاماً، أو حين يملأ الشاشات تكاذباً وتحايلاً وميوعة وتهريجاً!
هذا التكاذب والتناقض بين خطابهم المعلن، وبرامجهم السياسية الفعلية، يتطلب وقفة جادة وحازمة، للجم ترسيخ سياستهم ونهجهم «المتأسرل»!
صاحب الأرض الفلسطيني في أراضي الـ 48، ليس مضطراً لأن يعترف بالمستعمر الإسرائيلي، ويشرعن احتلاله لأرضه، كي يحصل على «حقوق» مدنية بخسة!
فالاستعمار على طول مرّ التاريخ، كان ملزماً بتوفير احتياجات الشعوب المحتلة، من طبابة وتعليم وخدمات حياتية ضرورية، وتوفيرها حق وليس منّة من المستعمر أو إنجازاً من معترف به! بل أظهر التاريخ انّ كلّ من يتعاون مع المستعمر ويعترف باغتصابه لأرضه هو خائن!
انظروا الى أين أوصلنا العبث والفوضى الداعمة للمعترفين! يقسمون الولاء لدولة الاحتلال ويجالسون ويصافحون زعماء وجنرالات المحتلّ، ويزاملونهم في وكر «الشرعية الإسرائيلية»، ثم يُنظر اليهم كثوريين!
عندما زار أفيغدور ليبرمان الولايات المتحدة، قبل نحو عشرة أعوام، سألته صحافية أميركية السؤال التالي:
أنت متهم بأنك تمارس سياسة التمييز العنصري، ضدّ «الأقلية العربية في إسرائيل»، فأجابها مع ضحكته المبتذلة: «أدعوك لزيارة الكنيست ذات مرة، لتشاهدي جلسة لها، ستلاحظين بنفسك، أنّ الصوت العربي فيه، أعلى من الصوت اليهودي»، وأنا شخصياً تعرّضت لهجوم عنيف من قبلهم داخل الكنيست وخارجه»!
هذه هي بالضبط، وظيفة أعضاء الكنيست العرب، تجميل الوجه العنصريّ القميء لدولة الاحتلال، وإظهار الكنيست خاصتها «كبرلمان ديمقراطي غير عنصري»! والاحتلال لا يستطيع أن يقدّم الكنيست للعالم، بدون تمثيل لـ «الأقلية العربية» في الوطن المحتلّ، ذلك انّ العالم، يعلم انّ فيه نسبة من السكان الأصليين، تقدّر بمليون ونصف المليون فلسطيني!
 
وقد أظهرت السنوات الأخيرة، بشكل لا لبس فيه، انّ الحراك الشعبي في الوطن المحتلّ، كان له الفضل الأول والأكبر، بتحصيل الحقوق والمطالب – على سبيل المثال وليس الحصر – تجميد مشروع برافر، وإسقاط مشروع البوابات الالكترونية في المسجد الأقصى، ومواجهة مشاريع هدم المنازل العربية، التي لم تتمكّن صيحات وزعقات الأعضاء العرب في الكنيست من منع هدم بيت عربيّ واحد، والتصدّي الوحيد الفعّال هو الشارع والنضال الميداني.
 
إنّ مشروع «أسرلة» الجماهير العربية، وإخضاعها لسياسة ونهج «الأمر الواقع»، والعمل على تخفيض السقف النضالي لها، وحصره في عمل ميداني «قانوني مرخّص» من أجل حقوق مدنية، وزعيق في أروقة الكنيست الصهيوني، يتطلب تضافراً لجهود الحركة الوطنية الثورية في الداخل المحتلّ، لا سيما أنها تفتقر لكلّ أشكال الدعم، وعلى رأسها، الدعم الإعلامي، من أجل رفع منسوب الوعي الوطني، والعمل على انخراط السكان الفلسطينيين الأصليين، في عمل نضالي ثوري شامل، يتناسب مع كارثة استعمار الأرض والهوية! أما المدعومون «إسرائيلياً وخليجياً وأوسلوياً و»أنجزياً» (من ngo) وإعلامياً، فقد تمكّنوا من عرقلة المشروع الثوري التحرّري في الداخل المحتلّ.
إنّ أكثر ما تحتاجه الحركة الوطنية في الوطن المحتلّ عام 48، هو المساندة الفكرية والمعنوية والإعلامية، من قبل محيط فلسطين وكلّ الوطن العربي.
بات لزاماً على كلّ القوى القومية والثورية، التعامل مع الداخل المحتلّ، كجزء هامّ انْ لم يكن الجزء الأهمّ من فلسطين المحتلة، قولاً وفعلاً، وألا تجد جهة ما، ايّ مبرّر لدعمها لأيّ طرف في الداخل المحتلّ، يهرّج ويستخفّ بعقول الأجيال الناشئة، ويبيع الأجيال ديباجات من التكاذب والخداع في موسم انتخابات المستعمر، ولا يعتبر أراضي 48 انها أرض محتلة، ويكتفي بفلسطنة أراضي 67! وألا يتركوا هذا الجزء، تحت لواء مشروع «الأسرلة» وأربابه، الذي ابتدأ بالاستسلام لاحتلال واغتصاب الأرض، وصار التصويت للكنيست «الإسرائيلي» ومنحه الشرعية، عملاً وطنياً وثورياً!
الطريق صعب، لكن يبقى الإيمان بانتصار هذا الدرب.. أقوى من كلّ الصعاب.
تحيا فلسطين حرة، من المي للمي…
‎2020-‎02-‎28