في التحوّلات الإقليميّة والدوليّة.. مسرح الشمال السوريّ!
أمجد إسماعيل الأغا.
ظاهرياً لم تعد بركات أستانا وتعويذات سوتشي، تحمل في ماهيتها مسارات يُعبّدها رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان بمناوراته السياسية، خاصة أنه في خضمّ التحوّلات الاستراتيجية التي فرضها الجيش السوري، باتت هناك حقائق تتجاوز في مضامينها جلّ ما تمّ الاتفاق عليه بين روسيا وتركيا، فالتقييمات التي كانت سائدة ضمن إطار أستانا وسوتشي، لم تعد تحمل صيغ توافقات طويلة الأمد، تُفضي إلى حلول سياسية دون الحاجة إلى الغوص في عمق المعاني العسكرية. لكن النظام التركي صاغ وبطريقته الخبيثة بنود الاتفاق مع روسيا، وفق عثمانية أجداده ومطالباً بإرثهم في الجغرافية السورية، متجاهلاً بذلك آمال غالبية السوريين أن تتمّ تسوية ملف الشمال السوري، دون الحاجة لإراقة الدماء وحلّ هذه المعضلة تدريجياً بالتنسيق بين الدول الضامنة لأطراف الصراع في سورية، للوصول إلى أفضل حلّ ممكن للحدّ من خلق أزمة جديدة قدر المستطاع.
من هنا، بات واضحاً أنّ نقطة التحوّل الجوهرية التي وسمت مسرح الشمال السوري، تمثلت بالاتفاق الروسي التركي في مدينة سوتشي الروسية، لرسم خارطة طريق ضمن جدول زمني محدّد، بغية حلحلة ملفات الشمال السوري، وإعادة فتح الطرق الدولية التي تربط دمشق بـ حلب، عطفاً على المسؤولية التركية بتفكيك الفصائل الإرهابية، مع ضمانات روسية بمنع أيّ عمل عسكري سوري ضدّها.
في هذا الإطار، التزمت الدولة السورية وروسيا بتفاهمات سوتشي، بينما عمدت تركيا إلى إنشاء المزيد من القواعد العسكرية تحت مسمّى نقاط مراقبة، دون تطبيق جوهر اتفاق سوتشي لجهة إبعاد الفصائل الإرهابية عن المسار الذي تمّ الاتفاق عليه في سوتشي، كما لم تقم بتفكيك جسد الفصائل الإرهابية في إدلب وريفها، وصولاً إلى أرياف حلب.
في خضمّ التحوّلات التي يشهدها ملف الشمال السوري، لجهة التجاذبات الروسية التركية، يبدو أنّ هناك صراعاً في الخفاء يدور بين روسيا وأميركا حول مسألة التدخل التركي في الشمال السوري، وأنّ هناك محاولة أميركية لإرضاء الطرف التركي في اقتطاع جزء من سورية وإلحاقه بـ تركيا، الأمر الذي يُعطي لـ تركيا مساحة للتحرك، في مشهد يُعيدنا إلى ما حدث في مدن عفرين واعزاز والباب وجرابلس، وأخيراً ما حدث في شمال سورية من خلال التحوّل الأميركي، الذي سمح لتركيا بالتوغل في المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل أبيض.
وفي ضوء هذا المشهد وتحوّلاته المحتملة، تقوم تركيا بتسويق ملف إدلب، ليبدو وكأنه المعضلة المؤجلة حالياً، لاعتبارها المحطة الأخيرة في سلسلة الإجراءات والتفاهمات لإنهاء الصراع العسكري، ففيها خزان بشري كبير لنازحين من مختلف المناطق السورية، وتوجد فيها مجموعات مسلحة كثيرة بما فيها «مجموعات متشدّدة»، عصية على الاندماج مع باقي الفصائل، ومنها ما تجذَّر في البنى الإدارية والمجتمعية بما له من سيطرة مسلحة كهيئة تحرير الشام، فضلًا عن أنّ ترتيبات أستانا في إدلب لم تنتهِ بشكل كامل، ما يُعطي تركيا وأدواتها الإرهابية مساحة إضافية للاستثمار في هذه المعضلة واستغلالها ايما استغلال.
يقف المشهد السوري العسكري اليوم على مفترق طرق نحو تشكيل ترتيبات أمنية جديدة، وذلك بعد أن تمكّنت الدولة السورية من إحكام قبضتها على غالبية مناطق الشمال السوري، ومع استمرار المناورات التركية، تمّ تجميّد مضمون الاتفاقات بمُجملها، ريثما تتمّ هندسة واقع جغرافي جديد، قوامة سيطرة سورية كاملة، والمزيد من تضييق الخناق على الفصائل الإرهابية وداعميهم، ما يعني أنّ مشهد الشمال السوري ذاهب باتجاه تفاهمات جديدة لم تتبلور معالمها بعد، عنوانها العريض هي تفاهمات أمنية تتخذ من التحوّلات الإقليمية والدولية حيال الملف السوري، مُنطلقاً ناظماً لبلورة حلّ سياسي يتماهى جملة ومضموناً مع أبجديات السيادة السورية.
في سورية لم تعد تأثيرات التدخلات الإقليمية والدولية ذات أهمية، فالانتصارات المفاجئة التي هندسها الجيش السوري، وضعت غالبية القوى المؤثرة في الشأن السوري، في خانة الترقب لمسار التطورات، وفي ظلّ تكالب «إسرائيلي» أميركي تركي، يبقى الجيش السوري الرقم الصعب في حسابات خصومه، لتأتي سلسلة المُنجزات الأخيرة في مسرح الشمال، وتزيد من حيرة محور واشنطن، خاصة أنّ الحقائق التي فرضتها الدولة السورية في المضمون والأهداف، ستحتاج واشنطن وأدواتها وقتاً طويلاً لتفنيد هذه الحقائق المؤلمة، والتي تنطوي على بُعدين أحدهما زخم هجومي كبير مع الذهاب بعيداً في مواجهة محور واشنطن ضمن مفردات عسكرية، والآخر جهوزية حلفاء سورية لتدعيم انتصارات الدولة السورية وجيشها، والوقوف في وجه الرياح الأميركية «الاسرائيلية» التركية.
كلّ ذلك أكده الرئيس بشار الأسد في كلمته المتلفزة، ليرسم بكلماته سقفاً غير محدود لمواجهة يعلم أنها طويلة، لكنها مستمرة حتى تحرير كامل التراب السوري، من دون أيّ مساومة على وحدة وسيادة سورية.
‎2020-‎02-‎27