احتجاجات السّكّان الأصليين في كندا … أو كندا، نموذج الإحتلال الإستيطاني! الطاهر المعز.
مقدمة:
اعتبر العديد من زعماء الحركة الصهيونية، الإستعمار الإستيطاني الإحْلاَلِي في أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) وأستراليا ونيو زيلندا، نموذجًا للمشروع الصهيوني، ومن بينهم، المُؤسّس “ثيودور هرتزل” و”زئيف جابوتنسكي”، ودفيد بن غوريون”، إلى بيغن وشارون، حيث كانوا يُخططون لطرد جميع الفلسطينيين، لأن شُرُوط الإبادة الجماعية لم تعد متوفرة، مثلما كان الحال في القُرون السابقة، وحتى بدايات القرن العشرين…
إن هذا التشابه في المشاريع (وكُلّها أوروبية المَنْشَأ) يُفسِّر جُزئيا الدّعم غير المشروط الذي تُقدّمه الولايات المتحدة (بعد بريطانيا) للكيان الصهيوني، بالإضافة إلى أن المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري، ظَهَر وتَبَلْوَر خلال المرحلة الإمبريالية للرأسمالية. أما دور “كندا” فهو أقل ظُهُورًا، رغم الدّور التّخريبي الذي قامت وتقوم به، فهي مكلفة من قِبَل الأمم المتحدة بملف اللاجئين، وبذلت حكوماتها (من العُمال والمحافظين) جهودًا كبيرة لتصفية وكالة “أنروا”، وتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، ولكندا تجربة لا تقل أهمية عن الولايات المتحدة في الإبادة الجماعية وفي الإستيلاء على وطن الشعوب التي أُطْلِقَ عليها، استهجانًا “الهُنُود الحُمْر”، للإستنقاص من قيمتهم والحط من شأنهم، كما أن كندا عضو نشيط في حلف شمال الأطلسي، وجيشها مُشارك في كافة الحُرُوب العدوانية، ولم تختلف مواقفها عن مواقف الإمبريالية الأمريكية، مثلما الشأن لأستراليا، في القضايا الدّولية، مما يجعل منصب وزارة الخارجية، بمثل هذه الدول، منصبًا شَرَفِيًّا…
في هذه الورقة، نستعرض بعضًا من نضالات جيل الأحفاد للشعوب الأصلية، في كندا، ومنها ما حصل بنهاية 29012، وبداية 2013، وما يحصل منذ بداية سنة 2020، اعتراضًا على مشروع مُشترك بين الولايات المتحدة وكندا، ويعارضه أحفاد الشعوب الأصلية في الدَّوْلَتَيْن، وهو مشروع ضخم لشركات المحروقات، لتمرير قنوات لنقل النفط والغاز، عبر أراضي ومصادر المياه وأماكن يعتبرها السكان الأصليون من مُقدّساتهم، ومن تراث أجدادهم، وخاض الآلاف نضالات شاقة في الولايات المتحدة، سنتَي 2012 و 2013، في فصل الشتاء والثلوج والعواصف، وفي كندا أيضًا، تعود جُذُور الإحتجاجات الحالية إلى سنة 2013، لنفس الأسباب…
جُذُور المشكلة الحالية: 
في نهاية سنة 2012 وبداية سنة 2013، انطلقت احتجاجات واسعة للشّعوب الأصلية في الولايات المتحدة، وفي كندا، حيث كانت في كندا تحت عنوان “كفى” أو “ليس بعد الآن”، عُرفت باسم حركة (Idle No More)، ضد تنمية أرباح الشركات الرأسمالية الإحتكارية، من خلال القضاء على ما تبقّى للسكان الأصليين من حُقُوق قليلة، ونظّمت الحركة آنذاك (بداية من كانون الثاني/يناير 2013) مسيرات ومظاهرات، وجولات لشرح القضية في انحاء البلاد، وتكرّر نفس الأمر حاليا، حيث نظم قادة “الأمم الأولى” (الشّعوب الأصلية)، منذ منتصف كانون الثاني/يناير 2020 حملة توعية، ترافقها عملياتحصار الطرقات والجُسُور، وخطوط السّكك الحديدية، وبعض مراكز الجمارك، في مناطق عديدة من كندا، وبالأخص الطرقات المُستخدمة لنقل الأخشاب والمعادن، شمال كندا، منذ 28 كانون الثاني/يناير، وورد في منشورات المُحتجّين أن الحركة تناضل ضد السياسات التي أدت إلى تفشّي الفَقْر المُزمن للسّكّان الأصليين، وضد عدم المساواة، وتجاوز المعاهدات بين دولة كندا وقادة الشعوب الأصلية، بالإضافة إلى تدهور البيئة، لاستكمال عملية نزع الملكية وإزاحة السكان الأصليين من أرض أجدادهم، لفائدة الشركات الإحتكارية…
نُشير أن الدولة في كندا قَسَّمت سكان الشعوب الأصلية، فأنشأت “جمعية الأمم الأولى”، من القيادات التقليدية، التي تَدْعَمُها الدولة، ماليا وسياسيا وإعلاميا، وانطلقت الإحتجاجات الحالية من خارج هذه الجمعية، في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2019، وضمّت أعدأدًا متزايدة من شباب السكان الأصليين الساخطين من المحميات والأحياء الفقيرة في المناطق الحضرية إلى أكاديميي ومهنيين من السكان الأصليين للتنديد بمحاولات الحكومة إلغاء حقوقهم، وانتشرت حركة الإحتجاجات في المَحْمِيّات المعزولة، وبذلت وسائل الإعلام اليمينية جهودًا كبيرة، لتشويه الحركة، ووصمها بالتطرف والعُنف والإنفصالية، وحتى بالإرهاب (مُوضَة العَصْر)، لتبرير قمع أجهزة الدّولة للسكان الأصليين، وتطبيق “سيادة القانون” و “سيادة الدّولة”، والتّشهير بالمُحْتَجِّين، دون مناقشة أصل القضية وأسبابها، وخصوصًا التشريعات العنصرية الإستعمارية التي تحكم العلاقة بين الحكومة والشعوب الأصلية في كندا، وأنشأت الحكومة فئة من رجال الأعمال، بين السّكّان المحليين، المُستفيدين من بعض الإمتيازات، والمُتشبِّعِين بالثقافة الإستعمارية، وجعلت منهم أعيانًا، تستنجد بهم الدّولة عند الحاجة، ليقوموا بتخريب المجتمعات الأصلية، من داخلها، تدعمهم في ذلك الدولة والظروف الموضوعية كالأمية والبطالة والجَهل السياسي (أو الأُمِّيّة السياسية)، وعندما فشلت الحكومة الحالية في احتواء الغضب، بالأشكال “الناعمة”، وعبر حملات التّشويه الإعلامي، والمُناورة، وتقسيم السكان الأصليين، لجأت إلى المحاصرة، عبر قوات القمع، وعلّق أحد قادة الحركة الإحتجاجية: “نحن لا نمتلك قوة السّلاح، ولا نملك مليارات الدّولارات، ولكن لدينا قُوّة الجمهور التي قد تخلق صعوبات لرأس المال الذي يتحكّم بالإقتصاد الكندي، وهو رأس المال الذي يُخطط لنهب وتلويث أنهارنا وبُحَيْراتنا، وأرضنا وأرض أجدادنا…”، وتُخطط الحكومة وشركات استغلال المناجم والمعادن (تضم كندا أكبر عدد من شركات التعدين في العالم)، لاستغلال الموارد في أراضي السكان الأصليين أو بالقرب منها، خلال العقد المقبل، بما يدُرُّ أرباحًا لا تقل قيمتها عن 600 مليار دولارا (خلال عقد واحد) لشركات النفط، والتعدين والحَفْر والإنشاء، ولتستفيد خزينة الدولة بنحو ثلاثين مليار دولارا سنويا من الضرائب والرسوم، وكل ذلك على حساب مصالح وحياة السكان الأصلِيِّين، خاصة في المناطق المُجاورة للولايات المتحدة، وكذلك في الشمال، حيث تُخطط الشركات الإحتكارية، بدعم من الدّولة، لاستغلال الموارد المعدنية الضخمة، ولزيادة كميات النفط والغاز الطبيعي المُسْتخْرَجَة، وبناء خطوط الأنابيب والمشاريع المائية الضخمة، لنهب المياه وضخ بعضها (مع الكثير من المواد الكيماوية السّامّة) في حقول النفط والغاز الصخرِيَّيْن، وتمهيدًا لذلك تراجعت الدولة، بداية من عقد الستينات من القرن العشرين، عن المعاهدات الضامنة لبعض حقوق السكان الأصليين، في السيادة الجُزْئِية على بعض المناطق التي حُشِرُوا بها، في مَحْمِيّات معزولة، قبل اكتشاف النفط والغاز بها، وتُعتبر ملكية هذه الأراضي جماعية وليست فَرْدية، فهي ملك للشعوب الأصلية، كمجموعات، وتبتز الدولة هؤلاء السكان بارتفاع نسبة البطالة بينهم، لإجبارهم على الاندماج السريع في سوق العمل الرأسمالي، باسم “المشاركة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكاملة في الحياة الكندية”، أي الاندماج الكامل في النظام الرأسمالي الكندي (والعالمي)، ما أدى إلى نشوء حركات احتجاج، ومن بينه حركة “القوة الحمراء” (نهاية عقد الستينات، وربما سنة 1969)، جابهتها الحكومة بالقمع، قبل أن تتراجع، وتخترق حركات السكان الأصليين، عبر ترقية بعض الأشخاص الذين أصبحوا ينتمون إلى الفئات الوسطى أو المَيْسُورين، وأنشأت الحكومة هياكل موازية لتمثيل السكان، أغدقت على زعمائها المال، لإرشائهم وإفسادهم، وجعلهم يعملون ضد مصالح شَعْبِهم، ومنحتهم الدّولة قُرُوضًا وأموالاً لتأسيس شركات في قطاعات التجارة والبناء والنقل والاستشارات والكازينوهات وإنتاج السجائر، وغيرها، لينفصلوا عن بقية السكان الأصليين الذين يعيشون في فَقْرٍ مُدْقَع.
بعض مَحطّات النضالات الإحتجاجية للسكان الأصليين:
توسّعت احتجاجات السّكّان الأصليين، في كانون الأول 2012 وكانون الثاني 2013، وشملت فئات من الشّبّان المتعلمين، وتمكنت من توسيع رقعة الإعلام والمُساندة، ليتضامن مع حركة السّكّان الأصليين مواطنون كنديون من أصل أوروبي (أو غير أوروبي)، وكانت بداية النّهاية لنظام الفصل العُنصري الذي اعتمدَهُ المُستعمِرُون المُستوطنون الأوروبيون، من خلال حَشْر السكان الأصليين في محتشدات، ومعازل، بعيدًا عن بقية سُكان البلاد، وأدّى هذا الوضع (توسيع رقعة التحالف) إلى اضطرار بعض المنظمات الحُقُوقية إصدار بيانات، تُطالب حكومة كندا الإتحادية بالحوار مع السكان الأصليين، وأصدرت منظمة العفو الدولية بيانا، في بداية شهر كانون الثاني/يناير 2013 (خلال فترة حُكم رئيس الوزراء “ستيفن هاربر”)، وبعد شهر من بداية الإحتجاجات، وقع توزيع البيان بصورة محدودة جدا، ولم يُترجم إلى عدد من اللغات، ومن بينها اللغة العربية، ولكن نشر مثل هذه البيانات من قِبَل منظمات حُقُوقية دولية، ولو بشكل محدود، ساهم في التعريف بقضايا السكان الأصليين، سواء في كندا أو في الولايات المتحدة، حيث كان السكان الأصليون يخوضون نضالا قاسيا، خلال نفس المُدّة، ضد نهب مواردهم وضد تلويث الشركات الكُبرى للمياه والأراضي، والمُحيط، وأشارت بيانات منظمات حقوق الإنسان إلى التمييز التّشْرِيعي (القانوني) والمظالم التي عانت وتُعاني منها الشعوب الأصلية في كندا (كما في الولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلدا وكاناكي وغيرها)، وإلى نقص الموارد والتمويل غير المتكافئ للخدمات مثل التعليم والإسكان، وأعلنت منظمة العفو الدولية، وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، دَعم مطالب الشعوب الأصلية، ونددت هذه المنظمات بالتغييرات السّلبية في قوانين حماية البيئة وتشريعات إدارة الأراضي، تمهيدًا لاستيلاء الشركات على هذه الأراضي، واستغلال مواردها، على سطح الأرض وفي باطنها، من معادن ومياه ومحروقات، وخططت الدولة لتخصيص ميزانية بقيمة 650 مليار دولار كندي، خلال عشر سنوات، لدعم “أكثر من 600 مشروع تنموي كبير يتعلق بالموارد الطبيعية”، ولم تر الحكومة موجبًا للقيام بدراسات تُقدّر الأثر البيئي لهذه المشاريع المُلَوِّثَة، كما لم تر الحكومة موجبًا للتشاور مع السكان الأصليين، أصحاب الأرض الشرعيين، وكانت هذه الإجراءات الحكومية، وطريقة إقرارها، مُنطَلَقًا لحقبة جديدة من الإحتجاجات التي أخرجت حركة السّكّان الأصليين من العُزلة، بنهاية سنة 2012 وبداية سنة 2013، ساعدها في ذلك، تزامن الإحتجاجات في الولايات المتحدة وكندا، ضد نفس المشروع، ومن أجل نفس الأهداف… 
تطور النّضال المَطْلَبِي إلى نضال سياسي:
قُدِّرَ عدد السكان الأصليين، بنحو أربعين مليون نسمة في كندا، قبل بداية الإستعمار الإستيطاني، وانخفض سنة 2016، إلى نحو 1,7 مليون شخص، من أحفاد النّاجين من الإبادة والمجازر، أو ما يُعادل حاليا 5% من الكَنَدِيِّين، وقُدّر العدد الإجمالي لسكان كندا، سنة 2019، بنحو 37,6 مليون نسمة، ويتعرض السكان الأصليون في كندا إلى عنصرية هيكلية شديدة تتجذر في مختلف أجهزة الدّولة، وفي منظومات القضاء والشرطة والتعليم والصحة وغيرها، كما ويعانون من معدلات فقر مرتفعة، وتتشابه مظاهر التمييز ضدهم مع ما يجري في الولايات المتحدة ضد المواطنين السود، وضد أحفاد السكان الأصليين لأمريكا الشمالية والجنوبية، من مظاهر التمييز ضد السكان الأصليين في كندا، إنهم يُشكلون نحو 5% من العدد الإجمالي للسكان، ويعيشون في معازل (مَحْمِيّات)، ولكن أرقام رسمية تُفيد أنهم يُشكلون نحو 30% من العدد الإجمالي للسّجناء الذين صدرت ضدهم أحكام في قضايا جنائية…
شكّلت حركة 2012/2013 نُقلة نوعية، وأحدثت الحركة الأخيرة (بداية سنة 2020) تَحَوُّلاً في درجة الوعي، إذْ تمكّن المُشْرِفُون على حركة “كفى” (أو ليس بعدَ الىن)، من الشباب المُتعلّم، من الربط بين مشاغل السكان الأصليين الذين يقاومون جَشَع الشركات الرأسمالية الكُبْرى، ومشاغل بقية السّكّان في كَندا، الذين يُعانون من البطالة ومن تخريب القطاع العام، في مجالات التعليم والصحة والخدمات الأساسية، وطرحوا تنسيقًا سياسيًّا بين مختلف فئات الفُقراء والمُضْطَهَدِين، والمُطالَبَة بتوفير الوظائف، وتحسين ظروف المعيشة لكافة المواطنين، وتوفير الخدمات الاجتماعية اللائقة في مجالات السّكَن والصحة والتعليم، واستخدم شباب السكان الأصليين وسائل التواصل الاجتماعي، لتنظيم حركة التضامن والاحتجاجات في جميع أنحاء كندا، وفي العالم، من أجل “حصول السكان الأصليين على حقوقهم، ومواجهة برنامج العمل السياسي والتشريعي للسلطات الفيدرالية الكندية، والذي يدوس الحقوق الأساسية للشعوب الأصلية”، كما وَرَدَ في بيان إحدى المُنظمات الإنسانية، المُقربة من الكنيسة.
أدّى توسع رقعة الإحتجاجات الحالية (شباط 2020) إلى توسيع النقاش حول هيمنة مصالح الشركات الرأسمالية الكُبرى، وإهمال مصالح العُمّال والفئات الشعبية والسكان الأصليين، ما يُهدّد بتوحيد مطالب ونضالات فئات عديدة من المُتضرِّرين من السياسات الموالية للشركات الكبرى والمصارف، ولذلك اضطر رئيس الوزراء “جاستين ترودو”، الذي كان في جولة خارجية، في إفريقيا وأوروبا، إلى إلغاء زيارة رسمية إلى منطقة الكاريبي، يوم الأحد 16 شباط/فبراير 2020، والعودة إلى كندا، خصوصًا بعد شل حركة النقل الحديدي التي تُعتبر أهم وسيلة لنقل البضائع في كندا… 
خصوصيات احتجاجات 2020:
لخّصت صحيفة “ذا غلوب أند ميل” (كانون الثاني/يناير 2020) وصحيفة “لابريس” الكندية يوم 14/02/2020 المسألة في بضعة نقاط أهمها، إنها حركة احتجاج الأمريكيين الأصليين (أميرانديان، أو السكان الأصليين للبلاد)، ضد أشغال عُبور خط أنابيب الغاز فوق أراضي أجدادهم، في غرب كندا، وأسفرت الإحتجاجات عن شل خدمات السكك الحديدية منذ يوم الخميس 13 شباط/فبراير 2020، ما اضطر رئيس الوزراء الكندي للعودة من ميونيخ، وذكّرت بعض وسائل الإعلام باحتجاجات سنة 2013، بسبب مد خط أنابيب لنقل الغاز، بطول 670 كيلومتر، والذي يُعارضه السكان الأصليون، وخلافًا للإحتجاجات السابقة للسكان الأصليين، توسّعت رُقعة الإحتجاجات وحركات التّضامن، هذه المَرة، لتشمَل كافة مناطق البلاد، خصوصًا بعد نَشْر وثائق وصُور لمظاهر القمع العنيف الذي مارسته الشرطة، واعتقال ما لا يقل عن ستة من المُحتجّين، يوم الجمعة، السابع من شباط/فبراير 2020، وبعد دعم الجهاز القضائي للشركات الرأسمالية التي تستغل الغاز، قام المُعارضون بسد المنافذ المؤدية إلى موقع الحفر والإستكشاف، ثم تصاعدت وتيرة المظاهرات الداعمة للسكان الأصليين، واعتقلت الشرطة عشرات المُحتجين، خلال الأسبوع الثاني من شهر شباط 2020، ما أدّى إلى ترويج شعار “شَلّ الإقتصاد الكندي”، عبر تعطيل حركة النقل بواسطة السكك الحديدية، التي تنقُل سنويا، بضائع بقيمة 250 مليار دولار كندي (حوالي 190 مليار دولار أمريكي)، وقطع الطرقات البرية الرئيسية، خاصة التي تربط غرب البلاد بشَرْقِها، ومكّنت هذه الحركة الإحتجاجية من طرح نقاش واسع بشأن الآثار السلبية على البيئة، التي تُسَبِّبُها السّدود التي أقيمت، وتُقام على أراضي السكان الأصليين، ومشاريع التعدين وخطوط الأنابيب، مثل هذا المشروع الذي انطلقت أشغاله الفعلية، سنة 2019، وقد يُكلف نحو أربعين مليار دولار كندي، وأُطْلِقَ عليه إسم “كوستال غازلينك” ( Coastal GasLink )، الذي تريد الشركة المُستغلة له، استخدامه لتصدير الغاز، سنة 2023.
أما بشأن العنصرية الرسمية التي تُمارسها أجهزة الدّولة ضد السكان الأصليين، فقد رسخت في تاريخ كندا عدة حوادث، ومن بينها تأسيس نظام تعليمي خاص بالسكان الأصليين، بين سنَتَيْ 1828 و 1996، يسمَّى “المدارس الداخلية الهندية”، حيث يقع فَصْل الطفل، وهو صغير، عن محيطه وأُسْرَتِهِ، فينفصل عن أرضه، ومُحيطه، وعن لغته الأم، وعن التاريخ الموروث لأجداده، وتعرض هؤلاء الأطفال للأذى البدني والجنسي طوال طفولتهم، وأُصِيب أطفال هذه الأجيال بعدد من الأمراض، فلا يستطيعون الاندماج في مجتمع المُستعمِرِين، من ذوي الأصول أوروبية، ولا يستطيعون الإندماج في مجتمعهم الأصلي، ما أدى إلى انتشار حالات الاكتئاب والأمراض النفسية، وارتفاع نسبة الإنتحار واستهلاك المخدرات في صفوف السكان الأصليين.
كتبت صحيفة “ذي غارديان” البريطانية، أن ارتفاع عدد السّجناء يعود إلى الممارسات الحكومية العنصرية، والشرطة والقضاء، الذي يزيد من معدلات الإدانات ضد السكان الأصليين، وإلى ارتفاع معدلات الفقر المتفشي بين السكان الأصليين، ومنذ نيسان/أبريل 2010، زاد عدد المساجين من السكان الأصليين بنسبة 44% في ، بينما انخفض عدد السجناء، من الفئات الأخرى للمواطنين، خلال نفس الفترة بنسبة 13,7%، ويُعد هذا الإرتفاع مناقِضًا للوعود التي قدمها رئيس الوزراء “جاستن ترودو”، بعد وصوله للحكم سنة 2015، بالحد من التمييز العنصري والمظالم العديدة التي تواجهها الشعوب الأصلية في كندا، دون الوعد بإلغاء هذا التمييز، لكن عدد عدد السجناء من السكان الأصليين، ارتفع بنسب عالية، خلال السنوات الخمس الأخيرة…
خاتمة:
يحاول الصهاينة في فلسطين، بدعم من مختلف القوى الإمبريالية (وعملائها من عرب النفط أو عرب أمريكا) إزاحة ما تبقى من الشعب الفلسطيني في أرضه ووَطَنِهِ، تماهيا مع تجربة المُستعمرين المُسْتَوْطِنين في أمريكا، وخاصة في أمريكا الشمالية، وفي أستراليا ونيوزيلندا، ولذلك، ولأسباب أخرى أيضًا، من واجبنا التضامن مع الشعوب الأصلية في كل مكان، والدفاع عن قضاياها، ضد مصالح الشركات الرأسمالية، وضد العقائد (الإيديولوجيات) اليمينية العنصرية، سواء في أوروبا أو أمريكا (اليمين المتطرف) أو في غيرها، مثل التيارات التي تدّعي النّطق باسم الدّين، أو “العِرق النّقي”، أو غيرها من الإيديولوجيات العُنصرية…
يُخْفِي الظلم المُسلّط على السكان الأصليين، أطماع الشركات العابرة للقارات، التي تريد الوصول للمصادر الطبيعية الموجودة في أراضيهم وأوطانهم التاريخية، ويعمد الكيان الصهيوني إلى “تجفيف منابع الرزق”، ليضطر الفلسطينيين لمغادرة وطنهم، بينما يُعاني السكان الأصليون في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، من  مصاعب عديدة مماثلة، ومن بينها ضعف أو غياب البُنية التحتية، والخدمات الصحية، ما يجعلهم معرّضِين للإصابة بالأمراض، كأمراض القلب والسّكّري، وبالتالي لارتفاع نسبة الموت المبكر بينهم، مع ارتفاع نسبة إصابة أطفال السكان الأصليين بأمراض الجهاز التنفسي، والأمراض المعدية، مقارنة بأطفال المناطق الأخرى في كندا، فضلا عن ارتفاع نسبة من غادروا المدارس الكَنَدِية من أبناء السكان الأصليين، قبل المرحلة الثانوية، إلى حوالي 23%، وينخفض معدل الدّخل السنوي للفرد من السكان الأصليين بنسبة 50% عن متوسط دخل الفرد في كندا، أما نسبة البطالة فتفوق ضِعْف نسبتها في عموم كندا، وتُعاني نساء السكان الأصليين، في المناطق القريبة من المُدُن من الخطف، والإخفاء القسري، وقدّرت منظمات حقوقية عدد هؤلاء النساء المخطوفات، لأغراض إجرامية، كالإستعباد الجنسي، بأكثر من أربعة آلاف فتاة وامرأة سنويا…
إن أسباب تمرد المُضْطَهَدِين لا تُحصى ولا تُعَد، فما بالك بمن ألْغى المُستوطنون حقه في الوجود، حيث يمنع القانون الكندي (منذ 1867) التحدث في الأماكن العامة باللغات الأصلية للسكان، ويمنع التغيب فترة طويلة عن “المَحْميات” (المُحتشدات التي حُشر بها السكان الأصليون)، ويُحَرّم القانون إنشاء الأحزاب السياسية الناطقة باسمهم، ويحق للدولة ترحيل السكان من أجل إنشاء طريق، أو سكة حديدية، أو ثكنة عسكرية، أو حتى ملعب “غولف”، كما يمنع القانون العديد من الحقوق الأساسية الأُخْرى…
أليْس في كل هذا ما يَدْعُو إلى الثورة، وأليس من واجب كل إنسان دعم هذه المطالب؟    
عن نشرة كنعان
‎2020-‎02-‎19