معادلات الخرائط المتبدلة… و الخسارة الحذرة ! 

فاديا مطر.
– مع ما يتغير يومياً من معادلات السيطرة العسكرية عبر تقدم الجيش السوري في مناطق إدلب و ريف حلب الغربي و الجنوبي ، تقف معادلات مستجدة و مرتبطة بصقل العلاقات الإقليمية و الدولية بين مفردات الأقطاب التي تتموضع في شكل المناطق الحالية ، فالجيش السوري الذي يطهر بلدات و قرى عديدة في مساحات جغرافية تحكمها تلك المفردات بات حاسماً في إمرين أفصح عنهما قيادات عدة في الدولة السورية لجهة عدم القبول بهدنة مع المجموعات الارهابية المسلحة المدعومة تركياً ، و عدم التوقف حتى إستعادة مناطق السيطرة الإرهابية في ريف حلب و إدلب ، و هو قرار حزم أمره فيه الجيش السوري بدفة التقدم الإستراتيجي رغم التهديد التركي المبطن غربياً لذلك التقدم ، بل بات الحسم سيد الموقف حتى بالنسبة للقرار الروسي في دعم العملية العسكرية السورية بكافة وسائط النار و الخبرة الإستشارية ، في مقابل إمتعاض ترك- غربي لم يترك وسيطاً او منبر دولياً إلا و صدح فيه لتغيير ذلك التقدم أو وقفه ، حيث تكمن في التقدم السوري محذرات و محظورات إرتبطت في عمقها بالعلاقة مع واشنطن و أنقرة على مساحة التدخل الإسرائيلي الذي يشرف على التطورات بقلق شديد ، فالكيان الإسرائيلي الذي هو عملياً في قلب الخسارة الحذرة يرتبط فيها بكل الوسائل التي يحاول فيها مقايضة المصالح الروسية بالعلاقة مع دعم سوريا في إدلب عبر تركيا ، و هو الشكل الذي تنفذه أنقرة بالنيابة عن تل أبيب في حشدها العسكري على أراضي سورية مستغلة بذلك العلاقة الإقتصادية مع روسيا و العلاقة الجيوسياسية مع إيران في شكل من الأشكال خصوصاً بعد إستشهاد الفريق قاسم سليماني و رفاقه في عملية إستهداف أمريكية لم تخلو من بصمات إسرائيلية ، و المحذور الآخر يمكن في لعبة أنقرة ما بين الوضع الخاسر في إدلب و ما بين العلاقة العسكرية في ليبيا و شمال المتوسط الذي يستغله الكيان الصهيوني في الضغط على روسيا بقضية إستجرار الطاقة من الشواطئ الفلسطينية عبر قبرص لمقايضتها بالخط الروسي المغذي لأوروبا عبر تركيا ، فكلا بنكي الأهداف يشترك في بواطنه مابين إنقرة و تل أبيب ، و كلا الوضعين السياسي و الإقتصادي يتحضر ليكون رهينة نهاية عمليات إدلب و الريف الحلبي ، فأنقرة المقتنعة بدورها في لعب المحظورات الروسية و السورية بدأت في تشويه ما رسبه سوتشي عبر الضغط على الحدود السورية في نقاط مراقبة و إستهداف مباشر للطيران الحربي السوري و ما يترتب على ذلك من رد فعل سوري تعهد أردوغان بتغييره في نهاية شباط الحالي لدرء الخسارة الحذرة في فقدان مناطق إستراتيجية سيطر عليها الجيش التركي عبر مجموعاته الإرهابية في أرياف إدلب و حلب ، لا بل لعبة النار التركية ما يزال يشتد أزيزها كلما تقدم الجيش السوري في شبر جغرافي جديد ، بعد خسارة الأتارب و طريق دمشق حلب الدولي الإستراتيجي و ما يتحضر للتحرير في المناطق المتبقية ، و هنا تكمن الخسارة ” الحذرة ” في لعبة تركيا الجيوسياسية و لعبة كل من واشنطن في ريف القامشلي و لعبة الكيان الصهيوني في لعبة الإستهداف الصاروخي لما تسميه ” إهداف إيرانية ” في محيط دمشق ، و هي لعبة فشلت في لفت إنتباه الجيش السوري عن مناطق تقدمه من جهة ، و عن إيصال فتيل النزاع مع ” إسرائيل ” الى اللارجعة من جهة آخرى ، برغم التأكيد الايراني اليومي بأن الرد المتبقي لإغتيال الشهيد قاسم سليماني لم ينتهي و ربما يكون عبر أطراف آخرى من مناطق غير طهران بحسب ما صرح به وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في ١٤ شباط الحالي ، و هو تصريح تقرأه الأوساط الغربية و الإسرائيلية بحذر شديد في حال تقدمه للواجهة في العراق أو الجنوب اللبناني أو الجنوب السوري ، فكل مناطق التماس المباشر مع كيان الإحتلال باتت بالتصريح الإيراني قابلة لإن تكون في موضع الرد المتبقي ، و هي محظورات تقلق كاهل كل من واشنطن و تل أبيب و حتى أنقرة في بُعد آخر خصوصاً بعد تصريح أردوغان من أوكرانيا بعدم شرعية ضم جزيرة القرم إلى روسيا و ما من شأنه توتير العلاقة مع موسكو و هو ما صرح به وزير الخارجية الروسي في مؤتمر ميونخ في ١٥ شباط الجاري بأن العلاقة مع تركيا جيدة في مواضع و مضطربة في مواضع آخرى ، حيث ترى موسكو العلاقة مع أنقرة باتت تشوبها لغة التهديد المبطن المدفوع من واشنطن و ” إسرائيل ” لمقايضات قسرية تحملها لعبة تركيا في الشمال السوري ، و هو أمر لا يقبل النقاش في الداخل الروسي ، خصوصاً بعد محاولات عدة من المجموعات الإرهابية الفاشلة لإستهداف قاعدة حميميم في سوريا بصواريخ و درونات قاذفة تعرف موسكو جيداً من مول بها تلك المجموعات المسلحة و من ما زال يزودها بالدعم اللوجستي خلافاً لإتفاق سوتشي الذي وُقع عليه من الجانب التركي و يتهرب منه عبر الدعم العسكري لمجموعات مصنفة إرهابية دولياً و تجتمع مع قيادات تركية بحسب ما كشف مندوب سوريا الدائم في مجلس الأمن في جلسة ٧ شباط التي أشار فيها إلى إجتماع قيادات عسكرية تركية مع قادات من تنظيم جبهة النصرة الإرهابي في مطار تفتناز في الشمال الشرقي لإدلب ، و هو ما يخالف سوتشي في باطنه و يسخن العلاقة مع الثنائي الضامن مع تركيا في مناطق ما يسمى ” خفض التصعيد ” و التي تحوي نقاط ” مراقبة ” تركية بات دورها علني في دعم النصرة و الإعتداء على الجيش السوري ، و هو كافياً ليكون كل محظور تركي في إدلب قابل للتجاوز على إعتبار وجودها إحتلالياً لأراضي سورية ، فسهولة تغيير الموازين العسكرية في ليبيا غير قابلة للتطبيق في سوريا عبر العلاقة مع روسيا ، و محظورات ما تسميه أنقرة ” خطوط حمراء ” في سوريا لا تتناسق مع تلك الخطوط في ليبيا و مصر و تونس التي بدأت الإمتعاضات تطفو فيها على سطح المشهد من التدخل التركي ، وهو ما يتغير يومياً لا بل بالساعات في مشهد إدلب و ريف حلب ، و لا تملك فيه تركيا الغلبة العسكرية أو السياسية على كل المستويات في تباين مع روسيا بشكل مباشر و تباين مع كل من محور الناتو و الخليج في العلاقة و الأهداف أيضاً بعد فشل الدعم الدولي و المالي لأنقرة في عملياتها التي تخوضها في الشمال السوري برغم تصريح وزير الخارجية الأمريكية في ١٣ شباط بأن واشنطن تدرس مع أنقرة طبيعة الرد على الجيش السوري بعد إستهدافه لجنود أتراك في مناطق إدلب ، و هو تصريح مبطن بالناتو لروسيا و إيران في سوريا ، فالشكل النهائي لتموضع تركيا في الشمال السوري باتت تحكمه محظورات روسية و إيرانية تعادل في قيمتها الباطنية ما وضعه أردوغان في جملة تصريحاته في قرب نهاية شهر شباط الحالي ، و هي تصطف لتكون أمام معادلات تقدم الجيش العربي السوري في أرياف و مناطق تعتبرها تركيا و محورها الغربي إستراتيجية لضمان قبول هدوء إيراني في طبيعة الرد على عملية الشهيد سليماني ، و على التقدم الروسي في منطقة شرق المتوسط و إكتمال دورة العسكرة الروسية التي فرضتها العلاقة الدفاعية الإستراتيجية مع سوريا في مكافحة الإرهاب الذي ينتمي بأصوله لكل من تركيا و الخليج و ” إسرائيل ” الحاضرة في قلب كل معادلات المنطقة من مليشيات ” قسد ” و صولاً لتنظيم داعش و النصرة الإرهابيين ، فهل التقدم السوري المدعوم روسياً سيكون فتيل إحتراق سوتشي مع كل من ورسيا و إيران في موضع تركيا الجديد ؟ إم أن نهاية ما كتبه سوتشي بالنار سوف يغير باقي معادلات ” الضمان ” التي خرقت فيها أنقرة كل المحظورات و الحدود ؟ هي ما تحتفظ به خرائط السيطرة العسكرية السورية- الروسية في باقي مناطق إدلب و الريف الحلبي لتكون متغيرات توازن القوة و السيطرة هي الحكم في ” أضنة ” جديد او نزاع جديد يحمل تكشف الأقنعة الجلي لكل من تركيا و من وراءها .
‎2020-‎02-‎20