صراع الشـيوعيين ضد الصهيونية !

تعاظمت في السنوات الأخيرة ظاهرة فبركة التماثل بين الشيوعية والصهيونية، كجزء من التلاعب الدعائي الغربي والرجعي العربي الذي ما يزال يركّز في حربه النفسية على الشيوعية بعد مرور ربع قرن على انهيار الكتلة الشرقية، علماً بان التنافر القائم بين الشيوعية والصهيونية حادّ وقطعيّ، ويطول نشأة كلّ منهما، وطابعها وبنيتها ومسار تطورها وغايتها ونتائجها، ولا يحتاج هذا التنافر أصلاً إلى تأكيد لولا قوة تأثير ذلك التلاعب بوعي الناس.

يمكن إيجاز أهم نقاط التنافر بما يلي :

* في الأربعينيات من القرن التاسع عشر نشأت الشيوعية بقوة الاحتياجات التاريخية الملحّة، وتلبية لمتطلبات طرحها التطور الموضوعي للمجتمع وللمعارف الإنسانية، وانعطافاً ثورياً في تطور الفكر الفلسفي، بينما نشأت الصهيونية في الستينيات من القرن ذاته كردّ من ردود الطبقة الرأسمالية في طور انتقالها إلى الامبريالية، زمن اشتداد الصراع الطبقي وضرورة توطيد ودعم هذه الامبريالية الصاعدة لجميع القوى الرجعية التي تحارب بهذا الشكل أو ذاك حركة نهوض الطبقة العاملة.

* بنيت الشيوعية كنظرة شاملة إلى الإنسان والتاريخ، والفرد والمجتمع، والطبيعة والوجود، وحللت تحليلاً شاملاً النواحي النظرية والتطبيقية التي تعبر عن متناقضات العالم وقضاياه، واقترحت الحلول العقلية لهذه القضايا والمتناقضات. والأساس البنائي العلمي للشيوعية هو المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية التي يستحيل معها الارتكاز على الفرضيات عن الموت والروح وما وراء الطبيعة وعدم إمكانية ربط ذلك بمبادئ تنظيم شؤون الدولة وضبط أمور الكيان الاجتماعي، بينما بنيت الصهيونية كنظرة مثالية متذبذبة ما بين العرق والدين، والأساس البنائي لها هو المال اليهودي الكبير (عائلة روتثشيلد ) واللامعقول والاختلاقات الأسطورية والخرافات التوراتية والشوفينية النزّاعة للحرب والعدوان.

* الشيوعية رأت أن مصدر العيوب الأخلاقية هي ظروف الحياة اللاإنسانية في العالم الرأسمالي، لذلك فقد أوجدت المخرج من العبودية الروحية، وأعطت لأول مرة في التاريخ قاعدة منسجمة من أجل الممارسة العملية لإعادة بناء العالم على أساس القضاء على الظلم الاجتماعي وعلى استغلال الإنسان للإنسان وحملت للعالم أفكاراً نبيلة ملهمة توطد السلم والعمل والحرية والمساواة والأخوّة والسعادة لجميع الشعوب. بينما الصهيونية وهي ثمرة من ثمار العالم الرأسمالي رأت في تأكيد ذاتها كأداة من أدوات هذا العالم الرأسمالي الوسيلة التي تمكّنها من تحقيق مآربها العنصرية للشعب اليهودي على حساب الشعوب الأخرى وخاصة الشعب الفلسطيني، والوقوف في وجه تطور العالم واعادة بنائه، وذلك بإحياء الدعامات الروحية الرجعية والأفكار الخادعة والأوهام المرضية للعالم القديم الزائل، والدوس على القيم والمبادئ الانسانية والأخلاق وتكريس صراعات العالم وأزماته وتخلفه.

إن الهدف من التركيز على المقارنة هو إظهار استحالة التماثل والدمج بين الشيوعية والصهيونية. ولكن الشيوعية طالما عانت من سعي الصهيونية والماسونية الدائم لدسّ عملائهما داخل صفوفها – هذا صحيح – وقد خاضت صراعاً مريراً وقاسياً ضد التغلغل منذ ما قبل المخاض الأول للثورة في روسيا 1905 وخلالها وعبر مسار تطورها وحتى آخر يوم من عمر الاتحاد السوفييتي؛ فقد قام (م. هس 1812 -1875 ) وهو الأب الروحي للتغلغل بأول محاولة لجمع الاشتراكية مع الصهيونية، تلا ذلك محأولات شبيهة لـ (بورخوف )، ولمنظمة (بوالي صهيون)، ثم للبونديين وللحزب الشيوعي اليهودي والمنظمات الصهيونية (اليسارية) ذات اللبوس الشيوعي. وحظيت هذه القضية باهتمام بالغ في عشرات المقالات في جريدة (الإيسكرا) التي أصدرها لينين وعشرات المقالات في مؤلفاته وخاصة في العامين 1913- 1914 حيث أولى لينين انتقاد الصهاينة قدراً كبيراً بهدف تحسين البرنامج البلشفي في المسألة القومية.

أما في عام 1917 فقد دخل نضال البلاشفة ضد القومية البرجوازية اليهودية والصهيونية طوراً عملياً جديداً بالدعوة لخروج العمال اليهود من الأحزاب التابعة لتلك القوى التي تقطع طريق الثورة وتضر مصالح الجماهير، بينما شجب الكونفرنس المنعقد في موسكو من 20الى 27 تشرين الأول عام 1918 قطعاً التعصب القومي والديني اليهودي، وأغلق عام 1919 المكتب المركزي للطوائف اليهودية وحُلّت جميعها كما حُلّت المنظمة الصهيونية (اتحاد المحاربين اليهود) على جميع أراضي جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية.

في عام 1920: أُنشئ ما يسمى (الاتحاد الشيوعي اليهودي) الذي حاول من وراء ستار من الجمل الماركسية المزيفة التعبير عن الإخلاص للشيوعية والسلطة السوفيتية التي كشفت حقيقة الاتحاد المذكور، وأعلنت عن جوهره القومي اليهودي التعصبي فحل نفسه مما دعا لبحث مسألة الجوهر الرجعي للصهيونية وموالاتها للإمبريالية ونشاطها الهدام في الحركة العمالية في المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية الذي انعقد في صيف عام 1920 ودعا لدعم نضال التحرر الوطني وبضمن ذلك في العالم العربي، وضرورة نضال جميع القوى التقدمية الدائم ضد الأيديولوجيا الصهيونية وممارساتها السياسية.

عام 1922: أُقرّت في الجلسة العامة للمؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوفييتي مادة ثابتة في دستوره ودساتير سائر الأحزاب الشيوعية العالمية هذا بعض ما جاء فيها :

– الماسونية تتنافى مع الاشتراكية.

– المؤتمر يفوض اللجنة المركزية للحزب الشيوعي خلال مدة غايتها أول كانون الثاني1923 لتصفية كل صلات قائمة بين الحزب وأعضائه والماسونية.

– كل شيوعي كان قد انضم الماسونية بتاريخ سابق الإعلان بالصحف قبل كانون الثاني 1923 عن انسحابه الكامل من الماسونية، وفي حال عدم الإعلان التام سيطرد هذا العضو من صفوف الحزب أوتوماتيكياً دون أن يكون له الحق في إعادة انضمامه إلى الأبد.

– في حال اكتشاف كتمان أحد الأعضاء الشيوعيين لعضويته في الماسونية اعتباره خائناً ومن أعداء الحزب والدولة.

عام 1924 : وفاة لينين بعد سنوات من المعاناة إثر الجروح التي أصيب بها بعد أن أطلقت النار عليه امرأة يهودية، ويذكر أنه في اليوم نفسه لمحاولة اغتياله كان قد تلقى برقية وردت إلى الكرملين من بتروغراد تفيد بأن رئيس لجنة مكافحة أعداء الثورة الرفيق أوريتسكي قد اغتيل، وقبله كان قد اغتيل الرفيق فولودارسكي،

عام 1929: طرد القيادي ليبا موشيفيش من الحزب الشيوعي ومن أراضي الاتحاد السوفييتي في إطار الحملة التطهيرية من العناصر الماسونية.

عام 1933 : صدر كتاب المفكر الشيوعي اللبناني سليم خياطة (حميّات في الغرب) وهذه بعض المقاطع منه:

(العرب… تعاملوا مع المسألة الصهيونية وسواها بتأجيل النظر في الخطر المحدق ثم حلموا بالخلاص)- ص45.

(الصهيونية وطنية يهودية مستعمرة، بينما الشيوعية فكرة عالمية إنسانية تدعو فعلاً وتطبيقاً إلى أخوية الشعوب والبشر وتحارب الاستعمار على أي شكل تمثّل. ومن ظواهر هذا العداء الأول ما وقع عقب الثورة الروسية من اغتيال اليهودي الرجعي ليونيد كانيجيسر للشيوعي اليهودي أوريتسكي ومن محاولة دورا كابلان اليهودية إطلاق النار على لينين زعيم الثورة مما عجّل في موته)- ص53.

(يجب أن يفهم العرب أن من خلق الصهيونية إنما هو المتمول اليهودي المتحد مع الحاخام، الراشيان الزعيم العربي الإقطاعي)- ص62.

عام 1936 :كشف الحزب الشيوعي السوفييتي القيادي رادوميسكي، كماسونيّ خائن متسلل إلى الحزب فلقي جزاءه.

عام 1968 : صدر بالفرنسية في باريس كتاب (حول المسألة اليهودية، باور – ماركس ) ترجمه المفكر الماركسي السوري إلياس مرقص إلى العربية مع مقدمة نقدية طويلة للمترجم أكد فيها أن (باور مناهض لليهودية والدين اليهودي وماركس يضاعف هذه المناهضة، يعمّقها مادياً)- ص12. ويقول في ص41: المسيح وماركس وقبلهما موسى وسبينوزا يهود منشقون، يهود مناهضون لليهودية. ثم يؤكد في ص 29: (الصهيونية ليست امتداداً لليهودية،، بقدر ما هي بنت الإمبريالية وعصرها وموجوداته العالمية اللامتساوية).

عام 1969 :صدر عن منشورات وكالة أنباء نوفوستي أحد أهم المراجع التي تفضح الصهيونية كأيديولوجيا ومنظمات وممارسة سياسية للبرجوازية اليهودية الكبيرة التي اندمجت مع الأوساط الاحتكارية الإمبريالية الغربية، للكاتب السوفييتي الشيوعي يوري إيفانوف الذي اغتيل فيما بعد على سريره في موسكو وهذه مقاطع من كتابه : (لقد عرض (صوت إسرائيل) بكلماته برنامج لجنة بوالي تسيون في مينسك الذي جاء فيه إن الثورة الروسية لا يربطها أي رابط بالنضال من أجل مستقبلنا لأنها لن تحل المسألة اليهودية حتى بالنسبة ليهود روسيا ولن تقربنا من الصهيونية)- ص68- 69. و(كان الحقد على الأممية والحكم السوفييتي وحزب لينين هو محور جميع انفعالاتهم النفسية ونقطة انطلاق نشاطهم العملي. لقد وصفوا الاشتراكية بقولهم : عبر تاريخ حياتها الطويل لم تبتلِ اليهودية بمثل هذا العدو…… إن الاشتراكية هي العدو اللدود لليهودية ولأفكارها)- ص73.

عام 1980 :صدر عن دار التقدم في موسكو كتاب (الصهيونية.. الحقيقة والاختلاقات ) تضمن مجموعة هامة جداً من المقالات الموثقة لكتاب شيوعيين من العالم تفضح الصهيونية وجرائمها وطبيعتها الفعلية وألاعيبها والمضمون الرجعي المتطرف الملازم لسياساتها واستغلالها من قبل أعداء الاشتراكية ضد الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وحركات التحرر الوطني.

عام 1989 :صدر عن دار التقدم في موسكو كتاب (الصهيونية على حقيقتها ) للكاتب الاختصاصي السوفييتي دادياني، والكتاب بحث ماركسي شامل في الصهيونية من الناحية التاريخية منذ لحظة ولادتها في روسيا القيصرية وحتى أيامنا، ويتضمن الكتاب فصلاً بعنوان الأحزاب الاشتراكية الصهيونية واستعمار فلسطين، وفيه كل المعلومات عن كل الأحزاب الصهيونية التي تقنعت بالماركسية في فلسطين (ليس بينها الحزب الشيوعي الفلسطيني)، أنقل بعض ما جاء فيه: (النضال ضد الحزب الشيوعي الفلسطيني كان دائماً هدفاً من أهداف الاشتراكيين الصهاينة، وفي معرض صياغة هذا الهدف، قال كاتسنلسون، أحد أيديولوجيي وزعماء أحدوت هآفودا : علينا أن نستنهض ثورة ضد الثورات التي سبقتنا، ضد أولئك اليهود الذين صاروا عبيداً للثورة الروسية بمن فيهم الحزب الشيوعي الفلسطيني)- ص141.

إضافة إلى ما تقدم صدرت في سورية ولبنان الكثير من المطبوعات لشيوعيين وغيرهم، ومنها ما ورد في كتاب الدكتور لطف الله حيدر (الصهيونية وفلسطين)- ص32 الصهيونية وقفت ضد جميع حركات التحرر والتقدم والثورة في أي بلد من بلدان العالم وفي كتابات رواد الاستعمار والإمبريالية من جهة وزعماء الحركة الصهيونية من جهة أخرى الأدلة القاطعة والبراهين الصريحة الواضحة على اضطلاع الصهيونية منذ نشأتها بهذه المهام وفي الكتاب عرض لمقتطفات هامة من تلك الأدلة.

مصادر المعلومات

* الصهيونية على حقيقتها – دادياني، الصفحات من54 إلى103.

* حياة لينين – ماريا بريليجانيا الصفحات 149-193.

* الماسونية – سعيد الجزائري، الصفحات 269-270

عن مركز النور

‎2020-‎02-‎19