( وَلا يُنبيّكَ عن خُلُقِ اللَيالي، كَمَن فَقَدّ الأحِبَّةَ والصَحابَا./ أحمد شوقي )
—— مايُشبِه البَحث في الأقوال العالِقة بالذاكرة/ ٢٢ — —
،. ——الزَهلَلَة والإدمان الجَميل على البَساطة والطيّبة —
،. — الشاي وطُقُوسه العراقية / البغدادية، أيام زَمان غَبَر نَموذجاً —
رشدي رمضاني.
——————
” چايَكْ خدَرْ ولمَنْ تْريدَه، مُواعيّنْ عَلمودَه الجديدة،
گَلبي احترَّگُ مثل الحْديّدَه، وتگول گُونيّة اغْطاي،
مُرّْ ياحَبيبي اشرَبْ چاي.”
و: ” صَبيلَكْ چايينْ تَشرَبْ،( تَشرأب لَها العُيون )
تونَسْ لا تْظَلْ مَهْظْومْ وشْرَبْ. ( تَناوَلَه ).
ولَكْ كُلّْ المَحَبَة دوم مَشرَبْ. ( طُرْق السَقي )
توَنَسْ والذَنبْ ذبّهْ عَليّة. “
البدوي وجذور البداوة الجميلة، أعطت للشاي مكانَتها عند العراقي.
~~ العراق عَرَفَ الشاي وتَقَبَله، عن عسكر الاحتلال البريطاني، بغالبيته
الهْنود، كما هو معروف. والقول تشوبه الدقَّة ويحتاج لبحث جاد، لأنه زرع
في أليمن وعدن. وقوافل المسلمين الهنود قبل أنفصال باكستان وبنگلادش،
تأتي العراق من قرون، لزيارة العتبات المقدسة والتجارة.
بعض الروايات تقول من إيران، قبل قَرنين.. والرواية مَردودة، لأن التداخل
مع دول الجوار قديم، بحكم الجيرة والعقيدة وقتَئِذٍ.
~~ كان مادة للعلاج، عَرقَنوهْ وزادوه، وتَفننوا به كَعادَة شَعبيَّة، بشبه تَعَودّ
طُقوسه. يُخَدَّر بالسَماور،المَنقلة،الموگد،الچولة، ومعداتها تترتب بالصينيّة،
الألمنيوم ( فافون ) قوري، كتلي، أستكان، نّعلبكي، خاشوگة، والمُصَفي
الصغير، لا يُنسى السكر وآخر يضع التمر بدله. أو السكر القَندْ ويسمى
دَشْلَمَه، وأسم وعائه قَندون ( شكردان ). وقال النواب مظفر عبد الرزاق:
” أتْرَفْ امن اچفافي المَهَرْ قَندون ما ضايگْ شَكَر.
ياحلو ياجَرَّة كُحل، يا حلو يا بوسّة سهر، يا حلو يا ييّزي قَهَر.
شيضَّرّّكْ لُو كُل الشتّه الوَلهان لُو صَحوَة مُطر.”
~~ تتمظهر حسب أَلإمكانية والزمن والمكان، حيثُ لازَمَ، تَقْليد تَلتَم العائلة
صباحاً والمساء. ويحتمل زيارة جار عزيز، وحسب النوايا والقصد، يقال
مَسّي كدعوة لشرب الشاي، وعندَّ ألإعتذار الجواب، إيّمَسّي عْدكُم الرحمن.
جَمهَرَة أهل العراق، ترى الشاي وطقوسه، وتتغَزل بِهِ وبأنواعه، كقضيّة
وطنية، وباتَ ألإعتياد، إقرب للإدمان. وكَثِرٌّ يَشعُر بالصُداعِ والدَوار، عندَّ
تأخرّ وجْبَة الصَباح خاصة. كثار يَحْتَسوهُ مَعَ الخبز أو الصَمون الحافْ.
يعطى للطفل، ماء بسكر يُغطى بقليل الشاي ( للخداع) ويُسمى قُنداغ،
وفئة واسعة تُفضله بالهيل أو النعناع وتَتَغَزّل بِهِ:
” خدَر كَلبي بقواري الضيم بَچاي.( #)
ومنو مثلي على الصُحبان بَچاي. ( بكاء )
عندّي اصْحاب مْثلْ الهَيل بَچاي. ( شاي )
اشمّا يخدَر حلاتَهْ اتزيد بيّه.”
# ( الچاي هنا تطلق على الأَرْضِ البعيدة، ومَوانعِها المياه العميقة )
~~ المهم وقتها شاي سيلاني المنشأ وبعلامات معتبرة، ويباع جيده
بربع دينار وأكثر قليلاً، وأخرون قلة لديهم شاي متميز يباع بأضعاف،
لأنَهُ خَلِيْط أجود وأثمن أنواع الشاي، بعضه للون وأُخر للطعم والنكهة،
وجيد فعلاً. الشاي الخشن مرغوب لصعوبة غْشِّه، والناعْم مُعرضاً لَهُ.
~~ يُتَناوَلُ طول الْيَوْمَ ولمَرات، خلال العَمل والإستراحة بمزَاج، وكُلُّ
الدوائر والمؤسسات والشركات، فيها زاوية چاي خانة تخدم مُنْتَسبيها.
مُدن العراق أسواقها وقَصباتها فيها الچايچي، مَحٍلُهُ مُتَواضع بَسيط،
يُضاهي المقاهي بل ويبزها بجودة مايقدم. ويُتَفَنَنْ في توزيع المَطلوب،
وبالتَنافُس والتَباهي بعَدَدِ ما يَحمل من مواعين الشاي، باليدِ الواحِدة،
ويَفخَر بأن شايَهُ من ماركة أبو العبد، أبو سيفين و.و سيلاوي أصلي.
في الذاكرة چايخانة ( ابو اسماعيل ) في الباب الشرقي مقابل مطعم
نزار، بداخله مجموعة زبائن شباب خُرس، ونقاشهم محتدم بحركات
الأيدي والإشارة، ويتحول جدلاً يشد المراقب، ولا أحد يدري لماذا.
بقيّة الرواد في الصَدر والرَصيف، يبدأ حوارهم وجدلهم، وأبرز روادها
الشاعر والمتمرد، وليد جمعة المشهداني، المشاكس بموهبتهِ وذكاءه.
يسمى مقهى المعقدين، أو مقهى چاي ابو عطرة، لانه يقدم بالعطرة.
وأيضاً چايخانة هوبي، يسار سينما شهرزاد، وجودة شايه معروفة،
ومظهر صاحبها والعامل ببدلة بيضاء ناصعة، يتبختر كمدير لحديقة
زهور، أخذت تنافس وتَتَفوق على السابقين، بالجودة والخدمة والنظافة.
~~ لم نَكن نَعِرف ألشاي الأخضر أو الأبيض، وأكياس( تي باك) وللآن
جيلنا يرفض مطاوعة الزمن الجديد وصَرعاته. وَهيَّ جزء من طَبيعة حياة
العائلة العراقية، يصعب تغيرها. وتؤكد الدراسات، أهمية الشاي وفوائده
الصحية، عدا تأثيره بأمتصاص بعض المكونات الغذائية، ويمكن تلافيه
بتأخيره قليلاً عن وجبة الغذاء.
~~الشعر العامي، مشحون بالأغاني الّلتي تناغي الشاي بلغة الحبيب:
” خَدري الچاي خَدري عيوني المَن أخَدْره،
مالچ يَه بَعد الروح دومچْ مْكدْرَّه،
بَعد اهواي يا ناسْ آنَه المَن اصُبّه،
مَحَدْ بَعَدْ عينا يستاهلْ يشُربَه.
أحلفْ ما أخَدرَه اولا أگعُدْ اگبَاله،
إلَّه يجي المَحبوب واتهَنّه ابجَمالَه.
إيّ والّله وحياتَك أبداً ما أخَدْرّه،
وآخْذْ فاسّْ بيدي للقوري أكسرّه.”
و: ” أخَدّر الچاي الحَبيبْ الروح، أو حاضرّ عَلَه أمرَه.”
~~ فترة التموين عشيّة الحرب الكونية الثانية، ردَدَ حضيري أبو عزيز:
” عيني يَبو التَموين، دْمْضّي العَريضة.( وقيّلَ عَمّي )
السَمرَّة عَلَ الچاي طاحَت مَريضَه.”( وقيّلَ الحلوة )
~~ آخرها أبوذية تُظهِرُ كيف يتَوَحَد الحُب والغزل بالحبيب، مع الشاي:
” أريد أگصُدّْ هَلَكْ يا مَدْلولْ بَچّاي. ( ذكرت سابقاً أعلاه )
او عَليك أگضي اليالي أبْكْدْر بَچّاي. (بكاءً).
والّله او حَياتَك لو تخَلي الكُحلْ بچّاي ( الكُحُل بالشاي للتسميم )
أشُربَه او كُلْ ألَم ما يَظَل بيّه. ( يتَشافى).”
~~ نَعود لختامها، بقولٍ البَدَويُ، في مقامٍ الشاي، الّذي لَم يَكتُب عِنهُ
مثلما حصل مع الشعراء البَدْو، تبدأ بشاعر أتعبته مَجالسها فهجاها:
” تَمّرْ الحَسّا يّكفي لَذيذٍ وحَالي، وانا تَرى الشاهي ترَكتَه ولا أبيهْ.
و:” الشاي خَلّيته ولّا بَهْ لَنا زودْ، ولاظَنْنِّي من داخل السوق نَشرِيهْ.”
أما عُشاق الشاي ( أحياناً يُنادى ب شاهي ) فرُواد مَجالسِّه كِثار:
” مَقصودي شاهي وبحُبَه أنا مْحتَار، يَوْمَ اليجيني وَنَا وَيّاه مَسرورْ.
الشاي يا خَويّ في شُربَه أسرار، يطّيبْ النَفَس لَكيفَه الراس دكتورْ.
وانتَ ياخَوي قبلت منّي لَعْذار، لَيشْ آني بالشاي اليوم مَسْحُورْ.”
وآخر أعتبرها أوَل لَذات الدُنيا قاطبةً :
” لَمْ يدرِّ ما لَذَةُ الدُنيا وبهجتِّهِا،
مَن لَمْ يَكُنْ من كؤوس الشايِّ قَدّْ شَرِبَا .
فهيََّ المُريحَةُ للأحزانِ قاطِبَةً،
ناهيّكَ إذ لَونُها قَدّْ شاكَلَّ الذَهَبَا.”
~~ المنشور كُتِبَ زمان وتأجل كَكٓثير النُصوص بشاكِلَتّها. حب
الوطن والناس زاهي بتراثِنا، فالنَشر للتوثيق والتنويع وترك الرتابة.
وللجميع أمسية حلوة مع الشاي، وللعراق /بغدادْ السلام…رشدي.
‎2020-‎02-‎18