خطر تهويد البتراء يعود إلى الواجهة.. نواب غاضبون والحكومة تتهمهم بـ “الشعبوية” وإعاقة تدفق الاستثمارات!


سعد الفاعور.
بُعَيدَ فترةٍ وجيزةٍ فقط من فشل المعارضة الأردنية في اسقاط صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي، وتمريرها قسراً وبطريقة ملتوية دون اخضاعها لتصويت أعضاء مجلس الأمة بفلقتيه (النواب والأعيان)، لتصبح أمراً واقعاً مع أول أيام العام 2020، رغم كل الطعون الشعبية وتبرؤ البرلمان منها، عادت إلى الواجهة من جديد المخاوف من خطر تهويد إقليم (البتراء) جنوبي الأردن.

مدرجات البرلمان في العبدلي بوسط العاصمة عمّان، شهدت أمس الأحد، حالة احتقان شديدة في ضوء طرح الحكومة مشروع قانون معدل لقانون سلطة اقليم البتراء التنموي السياحي، بما يسمح برفع الحظر عن بيع أراضي الإقليم للمشترين الأجانب.

المجلس رغم رفضه اقرار المشروع المعدل، وتصويته بإعادته إلى لجنة السياحة والآثار النيابية لمزيد من الدراسة، كي لا يشرعن بيع أراضي الإقليم لغير الأردنيين وبالتالي تسربها إلى اليهود. إلا أنه يظل فاقداً للثقة الشعبية، بسبب سجل حافل من الضعف في ممارسة الدور الرقابي والتشريعي والخنوع لإملاءات الحكومة في العديد من القضايا المفصلية، كما تقول البيانات الصادرة عن قوى المجتمع المدني الحزبية والنقابية.

النائب عبدالكريم الدغمي، هاجم مشروع القانون المعدل. وقال في مداخلة خلال الجلسة النيابية: “بنعيش وناكل خبز ناشف ولا أرضنا تتسرب لليهود بحجة الاستثمارات”.

الرد الحكومي على موقف النواب المعارضين جاء قاسياً وعلى لسان المسؤول الرفيع في الإقليم، الدكتور سليمان الفرجات، الذي شدد في تصريحات صحفية متداولة “على أنّ بعض من يعارض هذه التعديلات هم من أصحاب الشعبويات أو من المستفيدين من بقاء الوضع بالإقليم على ما هو عليه”.

وزيرة السياحة، مجد شويكة، بررت طرح مشروع القانون المعدل، بسعي الحكومة إلى تعزيز التنمية والاستثمارات السياحية وزيادة العائدات في ظل تنامي أعداد الزوار والسياح الذين يحتاجون إلى بنية تحتية متطورة واستثمارات كبيرة تلبي احتياجاتهم.

المخاوف من تهويد إقليم البتراء تتزامن أيضاً مع قلق الأردنيين من ارتدادات رؤية الإدارة الأميركية للسلام، التي تعرف بين الأوساط السياسية بـ “صفقة القرن” التي تهدد بتقويض أمن واستقرار الأردن وتغيير حدوده وهويته وتركيبته الديمغرافية وقدرته على التحكم بأجوائه التي قد تصبح مجالاً حيوياً لضمان أمن الكيان الصهيوني كما تشير فصول الصفقة..!

الإقليم الجنوبي، ذو القيمة الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية والشهرة السياحية، يعدُّ كنزا لواردات السياحة الأردنية، وهو أحد أهم شرايين رفد الخزينة بالعملات الصعبة.

بتصدره مكانة بارزة في قائمة التراث الحضاري والإنساني العالمي، يحظى الإقليم بشهرة دولية بفضل احتوائه على السيق وجبل رم الشاهق و(البتراء) المدينة الوردية الأشهر بين وجهات السياحة العالمية.

هو أيضاً من منظور “توراتي” أراضٍ يهودية مقدسة وطأها نبي الله موسى وشقيقه هارون، عليهما السلام. وهو ما يدفع بالكثير من اليهود المتعصبين لشراء أراضي الإقليم عبر وسطاء وسماسرة من جنسيات مختلفة وبمبالغ مغرية تفوق القيمة السوقية بعشرات المرات..!

القصة طفت على السطح في عام 2007، بعد التصويت عالمياً على اختيار البتراء من عجائب الدنيا السبع الجديدة. في ذلك الوقت بدأت وكالات السياحة والسفر الإسرائيلية بالترويج عبر منشورات سياحية إلى أن البتراء أرض إسرائيلية.

تنبهت الجهات الأردنية للخديعة الإسرائيلية التي تقوم بها وكالات السياحة اليهودية بوضع برامج لجذب السياح الأوروبيين وتشجيعهم على زيارة المعالم الأثرية في فلسطين المحتلة مع منحهم يوماً مجانياً لزيارة البتراء، مما حرم المنشآت السياحية الأردنية من الاستفادة من هؤلاء السياح الذين كانوا يأتون لساعات محدودة مع طعامهم فلا يبيتون بالمنشآت السياحية الأردنية ولا يشترون منها طعاماً.

في 2009 سرت تقارير إعلامية تحدثت في وقتها عن عمليات استملاك وشراء أراضٍ في البتراء يقوم بها وسطاء وسماسرة لصالح يهود، ما أثار أردنياً موجة سخط وغضب شعبيين.

فصول الأزمة توالت في عام2011، إثر أنباء عن تراخ حكومي وتسهيل متعمد لعمليات بيع وتملك عقارات وأراض في إقليم البتراء بشكل عام ومنطقة “وادي موسى” ومقام “هارون” بشكل خاص.

في عام 2013، رصد أهالي المنطقة وسكان محليون ورجال أمن احضار سياح وزوار للمنطقة من اليهود الإسرائيليين دفائن قديمة وخرائط ودفنها بالأرض، ثم استخراجها في أوقات لاحقة، للترويج لكذبة أن الأرض يهودية وأن هناك تاريخ يهودي بالمنطقة يجب التنقيب عنه عبر الحفريات الأثرية.

على مدار عام كامل، تم رصد المزيد من الممارسات اليهودية التي كان يتم كشفها من قبل الأجهزة الأمنية التي واجهت الزوار اليهود بما يقومون به من أفعال والرفع بتصرفاتهم إلى وزارة الداخلية التي كانت تنسق عبر مذكرات رسمية مع الخارجية لمخاطبة دولة الاحتلال والتعبير عن الشجب والرفض التام لهذه الممارسات.

في عهد حكومة الدكتور عبدالله النسور، وتحديداً في آذار من عام 2016، وبعد جدل شعبي دام لأكثر من ثلاثة أعوام، خفف مجلس النواب من مخاوف الأردنيين، بإقراره قانوناً يحظر بيع أراضي البتراء للإسرائيليين.

القانون الذي رفض فكرة السماح بتملك إسرائيليين أراضٍ داخل الإقليم بحجة الاستثمار السياحي وبناء فنادق وتطوير البنية التحتية، رغم بعض الأصوات الداعمة لهذا الاتجاه تحت قبة البرلمان، نسب بالأغلبية وبشكل قاطع بحرمان كل من يملك الجنسية الإسرائيلية من حق شراء أو تملك أراض في البتراء.

لكن المجلس سمح بتأجير أراضٍ خارج المحمية الأثرية إلى الأجانب من غير حملة الجنسية الإسرائيلية، وهو ما أبقى المخاوف من تسرب الأراضي للصهاينة عبر وسطاء وسماسرة قائماً، لا سيما وأن الكثير من المستثمرين اليهود يحملون جنسيات مزدوجة، ويقومون بعمليات الشراء والتملك بموجب الجنسيات الأخرى التي يملكونها وليس بموجب جنسياتهم الإسرائيلية.

في المدينة النبطية ذات التاريخ الممتد، يقبع مقام النبي هارون على قمة جبل شامخ يطل على فلسطين المحتلة، وهناك ترتفع أصوات راديكالية لتؤكد أن شرق الأردن هو أراضٍ إسرائيليةٍ وأن من حق اليهود ضمها.

في آب 2019، تجددت المخاوف من أطماع اليهود في البتراء، عقب انتشار مقاطع فيديو لسياح إسرائيليين يقومون بطقوس تلمودية داخل مقام النبي هارون، ما حدا بنواب وناشطين للمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن السماح لليهود بإقامة شعائرهم.

وزارة الأوقاف الأردنية أجبرت على اغلاق المقام ومنع اليهود من زيارته لامتصاص نقمة الغضب الشعبي العارمة التي اجتاحت الشارع الأردني.
إحصاءات وزارة السياحة والآثار الأردنية تشير إلى أن عدد السياح الإسرائيليين للأردن يتجاوز 100 ألف زائر سنويا. وفي ظل هذا العدد الكبير، دفعت حكومة الدكتور عمر الرزاز بمشروع قانون معدل يهدف إلى الغاء ما سبق وأقره البرلمان عام 2016، مما يعيد إلى الواجهة من جديد المخاوف من تسرب أراضي البتراء إلى تجار يهود عبر وسطاء وسماسرة.

* سعد الفاعور، كاتب وصحفي وباحث في القضايا السياسية والدينية – من الأردن.
‎2020-‎02-‎17