تحريران: بالمحمدية واليوم بالابراهيمية الثانية .ج8!


عبدالامير الركابي .
      عام 2003 مع غزو الإمبراطورية الامريكية المفقسه خارج رحم التاريخ لارض الازدواج التحولية الرافدينية، لم يسقط صدام حسين ونظامه، بل تداعت هيكلية ماعرف بالدولة التي حكم من خلالها، لدرجة ان سحقت وزالت بعد قرابة 82 عاما على انشائها وفبركتها، والحدث المذكور ونتائجه ليس نموذجا للتعميم، ولاهو من النوع القابل للتطبيق على حالة مصر على سبيل المثال، فالدولة هناك ماكانت لتنهار وتسحق لوتعرضت لعملية الغزو ذاتها، لانها هي عنصر الكيانية المجتمعية المصرية الأساس، وركيزتها الأساس في مجتمع احادي الدولة، حيث الدولة تستوعب المجتمع وتدمجه فيها، وهو مايمكن ان ينطبق على معظم بلدان العالم الأحادية البنية والتكوين بتدرجات، بينما هو تكرر عكسيا وكخاصية وايقاع قبل اليوم لمرتين في التاريخ الرافديني، فاختفى العراق كبنية امبراطورية بعد انهيار بابل تحت وطاة الغزو الفارسي بقيادة كورش في القرن السادس قبل الميلاد، واختفى مرة أخرى اثر الغزو المغولي بقيادة هولاكو لبغداد عام 1258، والاختلاف بين الواقعتين الأولى والثانية قياسا الى، ومقارنة بالحاليّة، كبيرجدا ونوعي، مع ان الثلاثة يؤشرن الى حقيقة مشتركة تقول بان “الدولة” العليا في ارض الرافدين، وفي العراق لاحقا، هي بناء اعلى ازدواجي، وليس نمط او نموذج دولة أحادية تنشا عن نمو مجتمعي احادي ونصاب تمايزي بمختلف اشكاله، أي ان الانقسام الذي تقوم الدولة في سياقه هنا في ارض الرافدين”عمودي” بين دولتين ومجتمعين، تنتظمهما بنية كيان واحد موحد، من دون كافة الانقسامات “الافقية” التي تعرفها عادة المجتمعات الأحادية.
وبما ان هذا النمط من الكيانيه ومن نوع الامة من امتينن، غير معروف أصلا، فمن البديهي بناء عليه ان لايكون قد نظر فيه وبمميزاته عن غيره وماجاوره من كيانات أحادية، مثل الكيانية الفارسية، او تلك الاسيوية الاتيه من جهة الشمال، او حتى بالمقارنه بالامبراطورية الرومانية المستندة لبنائية أحادية انشطارية افقية اعلى ضمن نوعها هي الانشطارية الطبقية، فاستبعد على سبيل المثال التاشير على الطبيعة غير الصلدة، والاقل غلظة ومصمتية تكوينية كمادة، مقارنة بالبنى الإمبراطورية الأحادية، مايجعل البنية الازدواجية الإمبراطورية الرافدينية نمطا مختلفا اسبقا وتاسيسيا، او نوعا بذاته، من بين أنواع الامبراطوريات، الشرقية منها والغربية، فالامبراطورية العراقية شرط قيامها متصل بالدرجة الأولى بغياب منافسها الأحادي، والكيانية الأولى الرافدينية من سومر الى بابل العليا، وجدت منذ سرجون الاكدي اول امبراطور في التاريخ قبل مايزيد على الخمسة الاف سنه ( 2334/ 2279 قبل الميلاد)، عندما لم تكن الحضارات الأحادية قد اكتملت نموا، أي انها عاشت منفردة ولوحدها، في حين انها اختفت ولم تعد قائمه مع تبلور الحضارات والامبراطوريات الاوربية والشرقية وصعودها الأحادي بالاخص الفارسية المحاذية.
وهذا القانون تكرر مرة أخرى ابان دورة الصعود الامبراطوري الثانية، بعد القرن السابع والثورة الجزيرية المحمدية بخاصياتها وطاقاتها الاحترابية الاستثنائية كمجتمع لادولة احادي، مرتكزه اقتصاد الغزو ومبدا “اقتل لتعيش”، الذي وفر بالفتح شرقا وغربا المجال الحيوي الأقصى، لانبعاث الاليات الازدواجية الإمبراطورية التحولية الرافدينه،من دون منافس، ماوفر الأسباب لبلوغ الذروة،حيث تامن لبغداد موقع عاصمة النظام الاقتصادي المجتمعي الريعي العالمي بصيغته الاكمل والأعلى، واتيحت خلال خمسه قرون من الزعامة العالمية الشاملة، الأسباب لتكريس الابراهيمة بصيغتها النبوية الأخيرة *، والنهائية المستمرة الى اليوم.
وهنا لابد من التلبث قليلا تذكيرا ب”القوانين” الناظمة للوجود، ولعملية التصير التاريخي المجتمعي ومآلاتها، لكي نسال، أولا عن سر الاسبقية الزمنيه التي تمتعت بها بقعة وارض مابين النهرين قياسا لسواها ومجاوريها، مااتاح لها ممكنات التحقق الأول السومري البابلي الابراهيمي المنفرد، وعن القانون الذي وفر الى جانب وبمحاذاة ارض الرافدين حالة مثل تلك الجزيرية بطبيعتها كمجتمع لادولة، له مثل تلك القدرات الاحترابية الاستثنائية الخارقة والتي لاترد، مع الدافعية الكونية المتداخلة بحانب حاسة ومحفز الأفق الريعي التجاري كما هو راسخ في الوعي الكياني الجزيري، في موضع يستند في توازنه المجتمعي الى منفذ تجاري قاري يؤمن جانبا مهما من التوازن القبلي، باخراجه من نطاق الهيمنه البحته لقانون اقتصاد الغزو، يمتد من البحار جنوبا، الى الهلال الخصيب شمالا، فاذا انقطع اختل قانون التوازن القبلي كما حصل ابان الاحتلال الفارسي اصلا/ الروماني، ماكان قد هيا للثورة المحمدية النبوية الابراهيمة الأخيرة، وامن لها الانتقال للمرة الأولى بالمجتمع الجزيري الى مجتمع لادولة تخضع فيه كما لم يحدث من قبل، القبيله للعقيدة، ماقد افضى الى إعادة تامين للافق الضروري الذي كان قائما في الدورة الرافدينية الانفرادية الأولى، بل ووسعه واعطاه دفعا يستحق معه ان يعتبر قمة صعود واكتمال نظام الريع العالمي الشرقي في حينه بوصوله الى الصين والهند شرقا واوربا غربا.
هنالك اذن دورتان ابراهيميتان تحوليتان، أولى نبوية تاسيسية، وثانية امبراطورية ختامية تولدتا ضمن وفي غمرة وفعل قوانين كوكبية، هي اعلى واكثر شمولا من تلك التي سادت خلال زمن التفارقية الرباعية في جزئه الأول، وبالأخص منها تلك القائله بقانون المادية التاريخية والحتمية المراحليه، والتي تعتقد بخضوع المجتمعية للقانون من دون ان تعلمنا عن مصدر ماتعلن عنه، او ترينا مايبرر تحققه بالصيغة التي تعلن عنها، فلا تفعل بهذا الشأن سوى ان تؤكد على ماديتها المقصود منها بالدرجة الأولى، القول بان ماتقوله الدولة السماوية التوراتية القرآنية، مجانب للحقيقة الناظمه للمجتمعات وسيرورتها وتاريخها، في حين هي تحل عمليا قانونا جديدا، غير معروف المصدر والخلفية المنشئه، مقابل قوانين سماوية انية ومرحلية مصممه لكي تعايش زمنا من غلبه مايضادها.
المؤكد الذي لاشك بشانه ان الحياة والتاريخ والصيرورة المجتمعية، خاضعه لقانون هو قانون التحولية ودوراتها الثلاثة، يعز ويتعذر ابانها وخلالها، وبالأخص خلال الدورتين الأولى والثانية، على العقل الارتقاء الى مستوى وعي منطويات المجتمعية، في حين تباشر الكيانية الانشطارية الطبقة الاوربية خلال زمن التفارقية الرباعية بدء الكشف عن مكنونات ومنطوى الظاهرة المجتمعية وغاياتها الموافقة لكينونتها، الامر الذي يبدا بالتحقق ابان الدورة الثالثة مع وعي المنطقة الكيانية الانشطارية الطبقية لذاتها، واكتشافها قوانين تاريخها وحركته صعدا باعتبارها الشكل الأدنى الانشطاري، مقارنه بالانشطارية المجتمعية التمهيدي والاحادي الارقى والاعقد بنية، والأعلى دينامية ضمن نمطه ونموذجه قبل ان تتهيا الاشتراطات المادية والعقلية التفكرية الضرورية للمجتمع الازدواجي التحولي، فيبلغ لحظة القفز نحو وعي ذاته ومكنونها، حيث يصل العالم وقتها وليس ارض الرافدين منفردة، الى ادراك ذاته ومكنوات وجوده بما يعني بكلمه ان وعي ارض الرافدين لذاتها، هو حصرا وعي العالم والمجتمعات البشرية لذاتها المضمرة الغائبة.
ان سياقات وشكل تحقق القفزة الضرورية نحو وعي العالم والمجتمعية الكوكبيه لذاتها، يناقض تماما الصيغ التي كانت تجلت خلالها الازدواجية الإمبراطورية في الدورتين الأولى والثانيه بظل غياب المنافسه الموافقة لغياب الكيانيات الامبراطورية الأحادية الشرقية والغربية، موضوعيا بدايه، بحكم االاسبقية الحضورية الرافدينية زمنيا اولا، ثم بقوة فعل الكيانية التحريرية الملحقة بالكيانية الازدواجية التحولية، أي نهوض مجتمع وكيانية اللادولة الأحادية الجزيري الخارق والاستثنائي الاحترابيه، وماتحقق بفعلها من عملية الفتح الكوني التي نفذها في القرن السابع.
خلال الدورتين الأولى والثانيه المنتكستين، وغير القادرتين على تحقيق ذاتهما تحوليا، فضلا عن الوعي بها، كانت التعبيرية الانتظارية الابراهيمية الأولى بالاخص، وطبعاتها النبوية الكتابية، أي بنية مملكة السماء على الأرض بما متاح وممكن ابان زمن هيمنة وانتصار الاحادية المجتمعية، مع صيغتها الثانية الفرعية ” الانتظارية المهدوية” في الدورة الثانية، هما الممكنان المطابقان لحكم واشتراطات تعذر التحقق لصالح هيمنة الأحادية، في حين تبدل تماما الحال مع زمن التفارقية الرباعية، فلم يكن التشكل الرافديني الثالث الراهن خلال هذا الطور متاحا له التعبير عن ذاته بما تقتضيه ملزمات الانتظارية، بينما امتنع كليا تحقق الإمبراطورية، ومنذ القرنين السادس والسابع عشر الى مفتتح الواحد والعشرين، عاش الكيان الازدواجي الرافديني طورا من التاريخ هو طور مايمكن تسميته بتعذر تحقق الذاتية الشامل، فلا الهيكلية الا مبراطورية صارت اليوم ممكنه، ولا الانتظارية بشكليها التاريخيين الدالين على الإحالة للمستقبل تحت طائلة التعذر الاني، متاحه، خاصة بظل هيمنة وحضور القمة العليا الأحادية نموذجا وتصورا مع صعود الغرب ونهضته وحداثته.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• لا اسلام ممتدا الى اليوم الى الهند والصين من دون بغداد، ومن يقولون بالفتح على انه السبب النهائي في انتشار الإسلام شرقا وبالأخص استمراره اللاحق الى اليوم يخالفون ابسط قواعد إعادة الصياغات المفهومية لدى الأمم والشعوب في التاريخ البشري، فالفتح لم يكن سوى عملية افتتاح وتمهيد اساسيه لمهمة تاريخية مجتمعية مفهومية اقتصادية عالمية شاملة، مارسها ونهض بها موقع القيادة الامبراطوري الرافديني، ببنيته المرنه واستيعابيته، وتوحيده للحضور والمساهمة الاقوامية غير العربية، على عكس مايرى العنصريون الذين يعتبرون انفسهم “قوميون”، الفعالة، في الطور مابعد العسكري الجزيري، الذي يتوقف فعليا عند أداء تلك المهمة.
‎2020-‎02-‎17