الثورة الملونة ومنظمات المجتمع المدني
“واجهات للسادة المستعمرين”!
(يد مختفية) – (تهجين سياسي)
إعداد: إشراق علي.
الهلع من الديمقراطية الملونة..
أشعلت حالات التحول الدرامي تجاه الديمقراطية، من صربيا إلى أوكرانيا مرورا بجورجيا مخاوف الأنظمة الحاكمة في مناطق كثيرة من العالم، جاءت الانتفاضة ضد الديمقراطية في صورة تعقب وأحيانا إغلاق فروع المنظمات غير الحكومية الأمريكية التي حصلت على موافقة للعمل في هذه الدول، ويشتبه أنها لعبت دورا في تعزيز حالات التحول الديمقراطي في أوكرانيا وجورجيا على وجه الخصوص. يرافق ذلك تزايد الترصد الأمني للمنظمات غير الحكومية المحلية، خاصة التي تحصل على تمويل خارجی، ومن الملاحظ أن الشك يتضاعف، والضغوط تتزايد في حالة حصول هذه المنظمات على دعم خارجي في مشروعات تتعلق بتعزيز التحول الديمقراطي مثل: مراقبة الانتخابات، بناء القدرات التنظيمية لقوى المعارضة، وغيرها.
في دراستين مهمتين، حاول اثنان من الباحثين الأمريكيين المرموقين تحليل هذه الظاهرة، التي لا تزال في تصاعد مستمر، محاولين التعرف على أبعادها، وإيجاد تفسيرات لها، ليس فقط بالاستناد إلى النزوع التلقائي للأنظمة الاستبدادية لإغلاق منافذ الحرية، ولكن أيضا بالعودة إلى عورات السياسة الخارجية الأمريكية ذاتها.
خطوات للخلف
تحت عنوان “The Backlash Against Democracy Promotion” يحاول توماس کارودرس – Thomas Carothers، وهو مدير مشروع الديمقراطية وحكم القانون في وقفية “کارنیجی – Carnegie للسلام العالمي” – النظر إلى المسألة برمتها والإجابة عن سؤال هو لماذا حدثت خطوات للخلف على طريق التحول الديمقراطي في العديد من الدول؟ السبب المباشر هو الخوف من الديمقراطية، وخاصة بعد أن تردد صدى الثورات الديمقراطية في جورجيا وأوكرانيا في أرجاء كثيرة من العالم، جعلت حكومات زيمبابوى والصين وروسيا وغيرها في حالة استنفار وترقب.
القضية بالنسبة للعديد من الدول شبه الاستبدادية واضحة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين كان هناك فصل واضح بين الدول الاستبدادية الخالصة التي تغلق الباب في وجه أي تمويل خارجي للأصوات المطالبة بالديمقراطية داخلها، وبين ديمقراطيات حديثة تفتح الباب على مصراعيه أمام الهيئات والجماعات التي تريد التسريع من وتيرة التحول الديمقراطي بها. بين هذا وذاك كانت الصورة واضحة، وإستراتيجيات التعامل من جانب الهيئات الأمريكية واضحة كذلك.
في أواخر التسعينيات تعقدت الصورة، عندما تحولت العديد من الدول إلى دول ديمقراطية شكلا، واستبدادية جوهرا، بمعنى أن هناك انتخابات و أحزابا ومنظمات مدنية، لكنها في النهاية مقيدة بأغلال من القوانين المقيدة والإجراءات الأمنية القمعية. هناك سيناريو اتبعته الميثات الأمريكية والأوروبية في دعم الديمقراطية في صربيا، ويقوم في الأساس على دعم المعارضة السياسية عبر بوابة المجتمع المدني. هذه الجهود التي بقدر أنها تکلفت ما بين ستين مليونا ومائة مليون دولار أمريكي أدت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالرئيس الصربي سلوبودان مليسوفيتش. تكرر السيناريو نفسه – تقریبا – في ثورتي التغيير الديمقراطي في كل من جورجيا وأوكرانيا.
إذن هناك ملمح واضح للتغيير المدعوم أمريكيا وأوروبيا عبر بوابة المنظمات المدنية بشكل عام، والتي تتحول – بمرور الوقت – إلى قوى سياسية قادرة على طرح البديل السياسي، وحشد الجماهير العريضة خلفه. من هنا كان طبيعيا أن تسعى الأنظمة المدرجة على قوائم التغيير الديمقراطي بتحصين نفسها ضد عدوى الديمقراطية الملونة بتضيق الخناق على بوابة العبور الأمریکي – الأوروبی لمجتمعاتها، وأعني المنظمات غير الحكومية.
من أكثر الأنظمة التي سعت إلى تحصين نفسها ضد الثورة البرتقالية الديمقراطية هو نظام الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا، الذي اتخذ سلسلة من الإجراءات لحصار المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية، ومحاولة منعها من الولوج إلى مجال التغيير السياسي، فقد تعرضت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE إلى هجوم من جانب الكرملين؛ بسبب قيامها بمراقبة الانتخابات في روسيا والدول المجاورة، وبعض المنظمات الأمريكية التي تعمل على تعزيز الديمقراطية في روسيا تعرضت لانتقادات وهجوم من النظام الروسي، وصدرت عن بوتين وبعض أركان النظام تصريحات ترفض الديمقراطية الغربية، وتنتقد منظمات حقوق الإنسان الروسية من أجل حصولها على تمويل خارجي في قضايا سياسية حساسة.
ولم يكتف بوتین بالإجراءات الداخلية الاحترازية ضد الديمقراطية، بل سعى إلى تحذير الأنظمة الحاكمة الشمولية في الدول المجاورة، والتي كانت يوما جزءا من الاتحاد السوفييتي. وبالتالي فإن التحذيرات الروسية من الديمقراطية الأمريكية، وانتقاداته الدائمة لعمل المنظمات غير الحكومية في بلده، بدأ صداها يتردد في دول أخرى، في أوزبكستان فام الرئيس إسلام كاريموف – Karinnov ، بفرض العديد من القيود على المنظمات غير الحكومية بلغت حد إغلاق بعض البرامج التي تسعى لتعزيز التحول الديمقراطي، في غضون عام ۲۰۰۵م أصبح ما يقرب من 60٪ من المنظمات غير الحكومية في أوزبكستان “خارج نطاق الخدمة” رافق ذلك حملات صحفية في الصحف المملوكة للدولة تتهم الديمقراطية بأنها حصان طروادة للانتقاص من سيادة أوزبكستان.
في روسيا البيضاء قام الرئيس ألكسندر لوکاشینکو Lukashenko منع المساعدات الخارجية التي تقدم للمنظمات الحقوقية، وحاول جاهدا التخلص من معارضيه السياسيين والمجتمع المدني والمستقل، الذي يشكل تحديا بالنسبة له. هذه التوجهات وجدت ترحيبا من حكومة طاجيكستان التي طلبت في إبريل ۲۰۰۵م من كل السفارات الأجنبية والمنظمات الدولية التي تعمل في البلاد الحصول على تصريح مسبق قبل الاتصال باي من الأحزاب السياسية. في الوقت ذاته أطلقت حملة تشهير بالتدخل الأمريكي في شئون أوكرانيا وغيرها من البلاد المجاورة بزعم تحقيق الديمقراطية. وفي دولة أخرى مجاورة، أي كازاخستان، فرضت قيود على تعامل الهيئات الأجنبية مع الأحزاب السياسية في الداخل، وجدد الرئيس نیر سلطان نازارباید – Nazarbayev- في خطاب له في سبتمبر ۲۰۰۵م مخاوفه من الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية الخارجية في زعزعة استقرار دول الاتحاد السوفييتي سابقا.
امتد الخوف من الثورة الديمقراطية إلى الصين. في إبريل ۲۰۰۵م اتهم مقال نشر في صحيفة الشعب اليومية الديمقراطية الأمريكية بـ”المسيئة” التي تخرب “دول الاتحاد السوفييتي” السابق بوصفها “إكراهية” و”تخدم مصالحها الضيقة” و”غير أخلاقية”. في الشهر التالي مباشرة – أي مایو ۲۰۰۵م – قرر الحزب الشيوعي الصيني وضع إستراتيجية لمواجهة الجهود الأمريكية والأوروبية لإشعال ثورات ملونة (إشارة إلى الثورة البرتقالية في أوكرانيا) في الصين والدول المجاورة، أعقب ذلك حملة منظمة قامت بها حكومة بكين لحصار المنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلا من هيئات أمريكية. والملفت أن الخوف من الثورات الملونة، وصل إلى نيبال، التي قررت بعد نحو خمسة عشر عاما من الانفتاح على الغرب الحد من البرامج التي ترمي إلى تعزيز الديمقراطية.
وتدفق تأثير الثورة البرتقالية في أوكرانيا إلى إفريقيا. في زيمبابوى أبعد الرئيس روبرت موجابي المنظمات غير الحكومية الغربية، وأغلق العديد من المنظمات المحلية التي تتلقى دعما خارجيا، واصفا إياها بأنها تمثل مجرد “واجهات للسادة المستعمرين” بهدف إخضاع الحكومة، وفي مايو 2005م قررت إثيوبيا طرد كل من المعهد الجمهوري الدولى IRT والمعهد الديمقراطي الوطني NDI قبل عقد الانتخابات العامة. وذكر رئیس الوزراء مليس زيناوي في حديث بثه التليفزيون « إثيوبيا ليست في حاجة إلى ثورة ملونة »، وفي إريتريا صدر قانون يحظر على المنظمات غير الحكومية المحلية الانخراط في أية أنشطة أخرى باستثناء العمل في مجال الإغاثة، وفي أغسطس ۲۰۰۵م طلبت الحكومة من الوكالة الأمريكية للتنمية وقف نشاطها في البلاد، بسبب انزعاجها من أنشطة المنظمة التي تهدف إلى تفعيل مشاركة الأفراد في الحياة السياسية.
وفي أمريكا الجنوبية يقود الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز التحالف المناهض للولايات المتحدة، اتهم شافيز كلا من IRI و NDI بدعم المعارضة الفنزويلية، وقام بملاحقة عدد من المنظمات غير الحكومية المحلية التي تتلقى تمويلا خارجيا. وفي الوقت الذي يسعى فيه فلاديمير بوتين إلى بناء تحالف مناهض للديمقراطية الأمريكية في دول الاتحاد السوفييتي سابقا، يحاول شافيز بناء تحالف مماثل مناهض للديمقراطية الأمريكية في أمريكا الجنوبية من خلال استخدام الموارد البترولية المتنامية التي تحصل عليها بلاده في دعم الأحزاب والجماعات السياسية المناهضة للولايات المتحدة في كل من بیرو وبوليفيا وإكوادور. أثمر كل ذلك عن قرار منظمة الدول الأمريكية عام ۲۰۰۵م برفض اقتراح الولايات المتحدة بإنشاء آلية محلية لمراقبة التزام دول المنطقة بالقيم الديمقراطية.
لماذا المنظمات غير الحكومية؟
في دراسة مهمة تحمل عنوان New Threat to Freedomn the Assault on Democracy Assistance يحاول «کارل جيرشمان – Carl Gershman – رئیس الوقفية الوطنية للديمقراطية NED – الإجابة عن تساؤل أساسي هو لماذا يجرى التصدى لرياح الديمقراطية من خلال التضييق على العمل غير الحكومي في الدول التي تعلو فيها الأصوات المطالبة بالديمقراطية؟
الإجابة هي أن هذه المنظمات بات ينظر إليها على أنها “بوابة الاختراق الأمريكي” للأنظمة الاستبدادية غير كاملة النضج أو “المهجنة سیاسیا – Hybrid Reginnes” حسب تعبير جيرشمان. يعني ذلك أن هذه الأنظمة تحوي بين جنباتها بعض سمات الديمقراطية، وبعض سمات الديكتاتورية، جنبا إلى جنب، فهی دیکتاتوریات منفتحة، أو ديمقراطيات مقيدة، ولذلك فهي تسمح للمجتمع المدني بممارسة نشاطه، ولكن في ظل رقابة قانونية وأمنية لصيقة.
وعادة فإن هذه الدول تحمل بعض أو كل هذه السمات: اقتصادها موجه، تحكم بانظمة استبدادية تنظر إلى المعارضة سواء كانت داخلية أو تباشر نشاطها في دول مجاورة بوصفها “خطرا على الحزب الحاكم أو النظام القائم” تنشط فيها الحركات السياسية الراديكالية، وبصفة أخص الإسلام السياسي، وتلجأ إلى محاكاة الدول المجاورة لها في فرض قيود على العمل المدني، وغالبا ما يكون لديها سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان.
هناك عدد من الذرائع تقدمها الحكومات التي تفرض قيودا على العمل المدني مثل: محاربة الإرهاب، مكافحة عمليات غسيل الأموال، التصدى لتردي الأوضاع في المنظمات غير الحكومية.. إلخ. لكن الأمر الملاحظ أن كل الجهود الرامية لتقييد المنظمات غير الحكومية تنبع من الرغبة في حصار المعارضة السياسية.(1)
التهجين السياسي
الافتراض الضمني الذي يستند إليه نموذج مایکل ماكفول هو الذي انتهى إليه کارل جیرشمان – Carl Gershman – رئيس الوقفية الوطنية للديمقراطية NED – من أن الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي خلفت وراءها «أنظمة سياسية مهجنة Hybrid Reginnes» تحمل في طياتها بعض سمات الديكتاتورية والديمقراطية معا، فهی دیکتاتورية منفتحة، أو ديمقراطية مقيدة.
من أبرز ملامحها: المسحة الشكلية الديمقراطية سواء في إجراء انتخابات غير نزيهة، وجود أحزاب غير فاعلة، منظمات مجتمع مدني تحت رقابة الدولة وأجهزتها، مؤسسات إعلامية حكومية، مستويات عالية من الفساد، برلمان ضعیف، سلطة تنفيذية طاغية … إلخ. (2)
[يد مختفية]
وإذا كان هذا الطرح الذي يقدمه کارل جیرشمان يعكس إلى حد بعيد خياراته “التمويلية” بوصفه رئيسا للوقفية الوطنية للديمقراطية، فإن هناك طرحا ثانيا يأخذ في اعتباره “النظرة الكونية للديمقراطية الأمريكية” يقدمه توماس کاروزرس. وفي رأي الأخير أن تشجيع الحركات الداعية للديمقراطية في العديد من دول العالم – بدعم أمريكي – أضر كثيرا بالديمقراطية ذاتها؛ نظرا لما سببته إدارة الرئيس بوش تحديدا من إساءة لصورة الولايات المتحدة؛ والإخفاق الأمريكي في الحرب في العراق، وانتهاكات حقوق الإنسان في سجن أبو غريب على أيدي قوات الاحتلال الأمريكية. رافق ذلك صدور العديد من التقارير الدولية التي تشير إلى تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العراق في ظل الاحتلال الأنجلو أمریکی، مقارنة بما كانت عليه في عهد الرئيس المخلوع صدام حسين، یری کاروزرس أن المطلوب من واشنطن لدعم الديمقراطية هو «ید مختفية – Subtle Hand» بمعنى هو ألا تدفع الولايات المتحدة في اتجاه تغییرات ديمقراطية بعينها، بقدر ما تحاول «دمقرطة» شروط العملية السياسية ذاتها، وربما قد يكون مفيدا في هذه اللحظة الخروج من “العمل المنفرد- Unilateralism” إلى “العمل الجماعي -Multilateralism» أي التلاقي على أجندة واحدة في مجال دعم الديمقراطية مع أطراف أوروبية وغير أوروبية، مع إشراك الأمم المتحدة ذاتها. في هذه الحالة فإن الدفع بالقوى الديمقراطية في العديد من دول العالم لن يتضرر بالصور المأخوذة عن الولايات المتحدة، التي تبدو في بعض الأحيان قمعية استبدادية، خلافا لما تروجه من خطابات. (3)
_________
1- كتاب:ألوان الحرية – الموجة الرابعة للتحول الديمقراطي في العالم/ لـ سامح فوزي/ ص (67-71)
2- نفس المصدر/ ص (44)
3- نفس المصدر/ ص (7
‎2020-‎02-‎17