ابراهيمية ثانية بلا بيان اول.ج6!

عبدالامير الركابي. 

مع التعرف على التوزع الانماطي المجتمعي، وعلى مايشمل الظاهرة المجتمعية من قانون واليات مفضية الى التحول والزوال، تغدو مسالة النظر الى القانون الناظم للعملية المجتمعية وتصيّرها التاريخي، ماضيا وحاضرا، من جنس الانقلابية الكبرى العقلية، بعد قرون مديده من الغفلة والعجز، والنكوص دون كشف النقاب عن الظاهره المجتمعية ومنطوياتها، والمضمر فيها، بما يجعل من المنجز المنوه عنه بمصاف الولادة الجديده للكائن الحي،لاتقاربها معنى واهمية ربما سوى لحظة انبثاق العقل، ماسيبدل كليا علاقه الكائن البشري بذاته، و بماحوله، وماهو معني به، ومنخرط فيه من مقومات الوجود والصيرورة الكونية الكبرى.
ولايتوقع في حال مثل هذه ان تأخذ عملية التحول صفة او طابع الثورات او الانقلابات المعتادة في الزمن الأحادي المجتمعي المنقضي، حيث الاحداث والمحطات جاريه ضمن المجتمعة ذاتها، وخاضعه لسلسلة المتغيرات السائره نحو التحول، ومن غير المتوقع اطلاقا ان تعرف الابراهيمة الثانية، صيغة مشفوعه بالبيان الأول او الثاني، والاعلان الموافق المتوقع الراهن هو اعلان عن نهاية “الزمان” كما هو متمثل في الأحادية المجتمعية، التي ستزداد هي ومتبقياتها وحضوها المتراكم عبر القرون، ثقلا ووطاة، كلما تقدمت الرؤية الابراهيمة ودلائل قربها واقترب أوان وساعة التحول.
وليس ثمة من باس هنا من التذكير بظاهرة عرفت في التاريخ، هي الابراهيمة الأولى وعبقرياتها( قراءاتها) الثلاثة، وكيف نمت وتشكلت عبر التاريخ وخلال قرون مديده، بدات بالتجربة والسياقات الاصطراعية بين المجتمعية الأولى السومرية الكونية السماوية، وصنوها وثنائيها، الدولة الأحادية ومجتمعيتها، مارة ببضعة الاف من السنين قبل التشكل في الصيغة العليا، والاستقرار على مبدا”الدولة السماوية وممكنها الأرضي ابان زمن تعذر التحقق” واداتها “النبوية الالهامية الحدسية الكتابية”، الصائرة الى مجتمعية منفصلة عن مجتمعية الأحادية / جيتو/ بداية، مع ترسم قانون دولة اللادولة الممتنعه على التحقق الأرضي، والمحكومة لقاعدة العيش على حافة الفناء، وضرورة تجسدها اللاارضي ابان زمن غلبه الأحادية الارضوية.
اكثر من الفي سنه استغرقها بناء”الدولة السماوية الكونية على الأرض ضمن”ارض الاحتشاد النمطي” مابين الفرات والنيل نزولا الى جزيرة العرب، حيث الأنماط الثلاثة الازدواجي الرافديني، ومجتمع الدولة الأحادي النيلي، ومجتمع اللادولة الأحادي الجزيري، والمجال الوسط المفتوح الشامي، في هذه البقعة حيث الديناميات التحولية الأعلى على مستوى الكوكب الأرضي، وجد تشكل اللادولة المتعذرة على التحقق الأرضي حضوره السماوي الكوني الشامل لمعظم بقاع الكرة الأرضية، دوائرا: أولى نبوية شرق متوسطية، وثانية شرقيه ممتدة الى الصين والهند، وثالثة اوربية وما تولد عنها وقاربها.
وقبل طور البناء النبوي الابراهيمي، عرفت المملكه اللاارضوية مايزيد زمنيا على تاريخ بنائها التصوري بدا مع ظهور المجتمع السومري واستمرلحين التجلى الابراهيمي الأعلى، بينما كانت البشرية قد مرت بزمن مديد من تبلورات اللاارضوية البدائية، باشكالها الأولى دليلا على كون قوة التحولية والانشطارية المجتمعية لازمة ومتطوره واساس تكويني في الكائن الحي، وفي اشكال وجوده المجتمعية الأولى، قبل ان يظهر المجتمع الازدواجي الأعلى، والمتضمن كمال التعبير اللاارضوي المجتمعي، بشكله المتناسب مع زمن الأحادية والغفلة المجتمعية، بما هي لاارضوية، مادانت مؤجله وممتنعه على التجسد والتحقق.
ان المجتمعات كلها محكومة للانشطار التحولي بدرجات، مادامت مادتها الأساس أي الكائن البشري هو نفسه منشطر، او اصبح كذلك منذ انبثق العقل في الجسد الحيواني،لينتهى مع انبثاقه طور النشوء والارتقاء الحيواني الأحادي، لصالح طور جديد من النشوئية المزدوجة ( عقل/ جسد) وهما عنصران غير متماثلين ومحكومين بالانفصال تحت طائلة قوة التحولية الناظمة للوجود، ولا تتوقف التحوليه على الطور النشوئي الحالي الجسدي العقلي،فهي كانت حاضرة ابان تحولات الكائن الحيواني خلال الطور النشوئي الأول من العضية الى اللبائن الى القرد، ثم الكائن المنتصب الذي يستعمل يديه وله عقل، وهي تحولات عزاها دارون بسبب قصوره العقلي الأحادي بغض النظر عن عبقريته الأحادية ضمن محيطه وزمنه، الى مااعتبره “انتخاب طبيعي” و “غريزه بقاء”، مثلما حكم خطئا على الكائن البشري بالثباتية النهائية، وتوقف العضو البشري عن الارتقاء والتطور، بعدان وصل بحسب رايه الى الكمال، مايجعل من المتغيرات التي قد تطرا عليه، كمية ومنو طه بالاستعمال زيادة او نقصانا، كما قرر بالنسبه للجمجمه والدماغ اللذان سيتضمان مقابل اليدين اللتين سيكون مستقبلهما الضمور، متوقفا من جهة دون رؤية الازدواجية الناشئه بعد انبثاق العقل في الجسد الحيواني، ومعها تغير مادة وعناصرالتحول ومسارها ماوراء الحيواني.
وقبل كل هذا وبالاساس فان دارون لا يقارب ابان وفي نتائج مجهوده البحثي، المسالة الاساسيية في الوجود الحي، والتي هي مانطلق عليه “قوة التحولية” أي الطاقة الكامنه في الوجود الحي، والتي اليها تعود ظاهرة الحياة والحيوية، او مايسمى أحيانا “الروح” التي من دونها لاحياة، فالكائنات التي تتوقف فيها “طاقة التحول” لاتعود مؤهلة للاستمرار او للحياة وتقع في السكون والجمود، أي الموت،على تعدد اشكال ودرجات حضورها في الأشياء والمخلوقات الحية، واعلاها الكائن الحيوان المتحول الى الانسايوان، ومن ثم الى الانسان عبر المرور بالطور التحولي المجتمعي، وهو الطور الذي تنتقل فيه “طاقة التحول” من الفردية الحيوانية، الى المجموع، بحيث تصبح حاضرة في البنية الاجتماعية، وبحيث يصير المجتمع كظاهرة، منوطا بتحقق التحولية فيه، وهو مايتحقق في الازدواج المجتمعي، وقبلا واساسا في “مجتمعية العيش على حافة الفناء” وصيغة المجتمعية غير القابلة للتجسد ارضويا، أي في ارض الرافدين، الشكل الأعلى والأكثر قربا من ذروة حضور أسباب “قوة التحولية”، وأكثرها رقيا من بين جميع وكافة اشكال المجتمعيات المحكومة بجملتها لعنصر التحولية بتدرجات، وبمستويات ضامنه على مستوى المعمورة للتحول العام الشامل.
ان “طاقة التحول” او “قوة التحول”، هي عنصر أساس في الوجود، متغير هو نفسه من حيث فعاليته وشكل تجليه، وهو بالذات من اهم المغفلات التي تظل محجوبة على العقل، مع انها تظهر اهم جوانب الوجود الحيوي والحي، مع ماتجدر ملاحظتة من اقتران اماطة اللثام عن الطاقة الكامنه خلف الحياة والحيوية، باكتمال الحقيقة المجتمعية امام العقل، وفهمه لمنطوياتها، ولما تحمله في اعماقها وبنيتها من ممكنات مستقبليه.
كبف يمكن وضمن اية اشتراطات للابراهيمة الثانية ان تشخص وتصير قوة حاضرة في العقل وفي التوجهات العامة العملية؟ لابد أولا من ادراك طبيعة وحجم عملية الانتقال التي نحن بصددها ونتحدث بخصوصها، وبالذات درجة المفارقة بين الوعي الراسخ الأحادي المتراكم والمستحصل، وثوابته واثره على العقل وبنيته واستجاباته، وبين ماهو مطلوب واصبح من هنا فصاعدا من قبيل الامكانية والضرورة الحيوية، وفي هذا يتوجب ان نلاحظ حال التفارق بين الحدث والوعي به، او اعقاله، وهو مابترتب على، ويتولد عن طول وحجم تراكم المفارقة العقلية المجتمعية المنوه عنها في اعلاه، ومع ان العالم والاحداث ومسار التطورات الغالبه على واقع المجتمعات البشرية اليوم، قد انتقلت الى مابعد مجتمعية، والى انتهاء ظاهرة المجتمعات، الا ان العقل السائر والمتعارف عليه يقف عند ركامات الماضي واشكال رؤيته، وتفسيره لماهو حاصل، والامر هنا ليس من قبيل الاختلاف المعتاد بين راي وراي، فما نتحدث عنه يمس معتقدات واراء وأفكار وفلسفات راسخه، من الاقرب الى المستحيل التخلي عنها بمثل السرعة التي قد يتصورها أيا كان.
وكمثال او عينه تبدو للوهلة الأولى صغيرة، نذكر الحدث الجاري في العراق منذ اول تشرين 2019 والى اليوم، وقبله ماكان قد وقع في البصره، فمن الواضح لمن ينظر للحدث الكبير وللثورة التشرينية من حيث مقصدها المستجد الكامن فيها، ليتحرى ما تنطوي عليه كلحظة تجل تحولي، لايغيب عنه ان يلاحظ كونها محاطة بمفارقة هائلة، بين مايحمله الثوار انفسم ومن يقفون معهم، من أفكار ينظرون بها لانفسهم ويقيمون ماهم بصدده، ومنها وعلى أساسها تتولد حزمة مطالبهم الحيوية وشعاراتهم، وهي كلها من نسج جاهز،عائدة الى، ومستلة من ترسانه الأفكار والايديلوجيات والمفاهيم الاحادوية، سواء بشكلها الارقى الأعلى الأوربي الحديث، او أي شكل من اشكال ومتبقيات الأفكار الانتظاريه الرافدينية او الابراهيمية الأولى، وبين المتضمن الاعمق والابعد الناظم للحدث المستجد ودلالاته، ومنطوياته,
ولاينسجب مايلاحظ بهذه المناسبة على الحدث المذكور الراهن، والحيوي الحاضر حاليا لوحده، بقدر مايذهب الى اجمالي النظر الشائع عن مجريات الاحداث على مستوى المعمور منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ منتصف القرن الماضي الى اليوم، حين بدات لحظة الصعود الغربي الحديث تتراجع، بعد ان بلغت اقصى وقمة ماتنطوي عليه من ممكنات، ليدخل العالم مع أواخر الخمسينات والستينات، زمن نهاية المجتمعات، وتبدأ عملية التحول الكبرى، بدلالات تفاقم ازمة المنتجية واثرها المتنامي على البيئة، وانهيار الاتحاد السوفياتي الذي هو بداية انهيار الغرب، والحرب الامريكية الكونية على ارض الرافدين، والاختلال الكلي في النظم الشرق متوسطية، وعلى مستوى الكرة الأرضية، وعودة مفاعيل التحولية للنمو في ارض الرافدين تحت طائلة تفاقم اشتراطات “العيش على حافة الفناء”، وهو الحال المستخلص من تاريخ العراق خلال النصف قرن الأخير ومتوالياته التدميرية الفائقة للتصور.
مع سقوط الاتحاد السوفياتي، شاعت جملة اطلقها فوكوياما تقول ب “نهاية التاريخ”، أي وقوفه وختامه عند مشروع الغرب الليبرالي، وفوكوياما تراجع لاحقا الى حد بعيدعن مقولته تلك، الا انه لم ينتقل منها الى ماهو ادق واكثر انطباقا على حالة الصيرورة التي غدت شامله للكوكب، وللمجتمعات البشرية، والتي هي بالأحرى “قرب انتهاء الظاهرة المجتمعية”.
ـ بتبع ـ

2020-02-13