العراق في منتصف الصراع العالمي!
اقتباس “لِنُدرك” ما الذي يجري حولنا
إعداد: إشراق علي.
“بريجنسكي والإدراك الجيواستراتيجي الجديد
عمل مستشار الأمن القومي السابق “زبيغينيو بريجنسكي” على وضع رؤية معمقة عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية في عالم ما بعد الحرب الباردة في مؤلفه الشهير “رقعة الشطرنج الكبرى” عام ۱۹۹۷، ليمثل إطارا عمليا جديدا للمبادئ الجيوبوليتيكية الأميركية من خلال ربطها بالإدراك الاستراتيجي للأهداف القريبة والمتوسطة والبعيدة التي يجب عليها أن تبدأ بفهمها وتنفيذها.
لقد انطلق بريجنسكي من فكرة مؤداها، أن السيطرة الإقليمية على الأرض كانت دائما تشكل بؤرة تركيز النزاع السياسي. فقد كان الرضا الذاتي القومي عن احتلال مساحة كبيرة من الأرض أو الإحساس بالحرمان القومي إزاء فقدان أرض مقدسة يشكلان سببا وجيها لمعظم الحروب الدموية التي تم خوضها منذ نشوء القوميات. فمسألة الارض كانت ولا تزال الحافز الرئيس الذي يدفع إلى السلوك العدواني من قبل الدول. لذا فان التنافس المعتمد على امتلاك الارض لا يزال يحكم الشؤون العالمية، حتى ولو أن أشكاله تميل حاليا إلى أن تكون ذات طابع مدني بدرجة أكبر.
وفي هذه المنافسة فان الموقع الجغرافي لايزال يشكل نقطة الانطلاق لتعريف او تحديد الأولويات الاستراتيجية للدولة، كما أن حجم او مساحة الارض الوطنية تبقى ايضا أحد أهم العوامل الرئيسة للهيبة والقوة. ومن ثم فكلما ازدادت القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية لدولة ما، ازداد ایضا نصف قطر دائرة مصالحها الجيوبوليتيكية الحيوية، ونفوذها، وتدخلها، على نحو يتعدى جيرانها المباشرين.
ووفقا لذلك فان الجيواستراتيجية تدعو الى تصميم يضع أولويات للتحديات الجيوبوليتيكية لتسهيل الردود الفورية والحاسمة. وعليه فان ممارسة السيادة العالمية الأميركية يجب أن تكون حساسة إزاء الحقيقة القائلة أن الجيوبوليتيكية تعد وتبقى حرجا في الشؤون الدولية.
وبذلك يحث بريجنسكي، على أن تكون الاستراتيجية الأميركية فضلا عن تطوير وصقل مختلف الأبعاد الجديدة للقوة، كالتكنولوجية، والاتصالات، والمعلومات، علاوة على التجارة والمال، بان تحافظ على اهتمامها بالبعد الجيوبوليتيكي، ويجب أن تستخدم نفوذها في اوراسیا – اوروبا وآسيا – بطريقة تخلق توازنا قاريا مستقرا، مع استمرار الولايات المتحدة في القيام بدور الحكم السياسي.
لذا انطلق بريجنسكي من فرضية مفادها، أن السيطرة على القارة الأوراسية التي تمتد من الاتحاد الأوروبي غربا إلى اليابان في أقصى الشرق – كلها اساسا للسيطرة على العالم، اذ ان علماء الجيوبوليتيكيا عرفوا هذه الكتلة من الارض – اوراسیا- بانها المنطقة المركزية أو المحورية الحيوية للقوة العالمية. لذلك فقد حان الوقت لكي تضع الولايات المتحدة وتنفذ مبادئ جيوبوليتيكية متكاملة، وشاملة، وطويلة الأمد لأوراسيا كلها. وتأتي هذه الحاجة من التفاعل بين حقيقتين جوهريتين اثنتين هما ان الولايات المتحدة هي الآن القوة العظمى العالمية الوحيدة، وأن اوراسيا هي المسرح المركزي للعالم. ومن هنا، فان ما يحدث من توزيع للقوة في اوراسیا سيكون ذا أهمية حاسمة للتفوق أو السيادة الاميركية وللأرث التاريخي لها.
غير أن السؤال الذي يثار، لماذا هذه الأهمية لاوراسيا جيوبوليتيكيا؟، يؤكد بريجنسكي بان اوراسیا منذ أن بدأت القارات تتفاعل سياسيا فيما بينها شكلت مركز القوة العالمية، وكانت الشعوب التي سکنت اوراسیا اخترقت مناطق أخرى من العالم وأخضعتها لسيطرتها، وذلك عندما حققت دول اوراسیا منفردة ذاتها أو وضعها المتميز وتمتعت بأمتيازات نجمت عن كونها قد اصبحت القوى الأولى في العالم.
فضلا عن ذلك، فان أهميتها تنبع من كونها – اوراسیا – هي أكبر قارات العالم، وهي محور العالم جغرافيا، والقوة التي تحكم اوراسیا ستسيطر على اثنتين من مناطق العالم الثلاث الأكثر تقدما والأكثر انتاجا على الصعيد الاقتصادي. كما أن السيطرة على اوراسیا سوف تستوجب تبعية افريقيا جاعلة نصف الكرة الغربي وأوقيانوسيا في وضع محيطي -ثانوي- بالنسبة إلى القارة الرئيسة في العالم. وزيادة على ذلك فان ۷۰٪ من سكان العالم يعيشون في اوراسيا، كما أن معظم الثروات المادية للعالم موجودة فيها ايضا.
ويبلغ الدخل القومي السنوي لاوراسيا نحو 60% من اجمالي الدخل القومي السنوي في العالم، كما أن مصدر الطاقة فيها يساوي تقريبا ثلاثة ارباع موارد الطاقة الاجمالية المعروفة في العالم. علاوة على أن اوراسيا هي موطن معظم دول العالم الدينامية والحازمة سياسيا. فبعد الولايات المتحدة نجد ان أقوى ستة اقتصاديات، وأكثر ست دول انفاقا على التسلح العسكري موجودة في أوراسيا. وان كل القوى النووية المعلنة في العالم ما عدا واحدة، وكل الدول النووية غير المعلنة ما عدا واحدة موجودة ايضا في اوراسيا. ثم أن الدولتين الأكثر سكانا في العالم والمرشحتين للهيمنة الاقليمية وللنفوذ على العالم هما اوراسيتان. وكذلك فان كل المتحدين المحتملين سياسيا واقتصاديا للسيادة والسيطرة الأميركية هم اوراسیون، وعليه فان قوة اوراسیا تفوق إلى حد كبير قوة الولايات المتحدة، ولكن لحسن حظ الأخيرة، فان اوراسيا هي من الكبر -الاتساع- على نحو يصعب معه ان تتوحد سیاسيا.”
__________________
1- كتاب: الادراك الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية دراسة في المبادئ الجيوبوليتيكيا. لـ(عادل البديوي)/ من صفحة: 176 الى 178
‎2020-‎02-‎13