مراحل التدجين العربي!

ابو زيزوم .
منذ ان قامت الدول العربية أواسط القرن الماضي ومعها قامت القضية الفلسطينية كان هناك خطان متوازيان في السياسة العربية : الخط التحرري الداعي لمقاومة الاستعمار وتحرير فلسطين، والخط الاستسلامي الداعي للتبعية للغرب ونبذ فلسطين ودعاوى النضال . كان الخطان يصطرعان في بوتقة واحدة في تطبيق حي لقوانين الجدل الهيجلي بكل عناصرها. ويتبع احدهما الاخر في مراعاة اضطرارية لموازين القوى .
تنقلت قيادة الخط الاول بين عواصم الدول المحورية ( مصر ، سوريا ، العراق ) بينما قادت السعودية الخط الثاني بثبات وطوال الوقت حتى الان . وكانت الغلبة في المرحلة الاولى لقوى التحرر بدعم جياش من لدن الشعوب . فيجبر الاستسلاميون على الالتحاق يقدمون رجلا ويؤخرون اخرى . انتهت تلك المرحلة بحرب حزيران التي كانت انتصارا للخط الاستسلامي بقدر ما هي انتصار لإسرائيل والغرب . وظهرت الى السطح طروحات التعامل بواقعية مع الوجود الاسرائيلي التي اختتم جمال عبد الناصر بها حياته .
هناك محطتان بارزتان في مسلسل انتصارات الخط الاستسلامي على الخط التحرري : الاولى وفاة جمال عبد الناصر والثانية وفاة الشيخ زايد بعد 34 عاما . ليس لأن الرجلين ماتا فكل الناس تموت وانما لنوعية اللذين خلفاهما على الحكم . السادات ليس عميلا ولكنه مؤمن حتى النخاع بأن امريكا لا تقاوَم . فانتقل بمصر من المعسكر التحرري الى المعسكر الاستسلامي . اما ابن زايد (محمد) فصهيوني حتى النخاع .
دعوات الواقعية في التعامل مع الوجود الاسرائيلي ليست كل ما يحمله المعسكر الاستسلامي وانما هي مرحلة تمهد لما بعدها . لقد انتصر هذا الخط انتصارا حاسما وأدخلت في ربقته جميع القيادات العربية المعنية بالصراع مع اسرائيل وفي مقدمتها القيادة الفلسطينية . وبدأ مسلسل التنازلات بالجملة ودون مقابل . وكشفت قيادة هذا الخط عن وجهها الحقيقي ؛ فالأمر لم يعد ان اسرائيل قوية ولا نستطيع مواجهتها في هذا العصر وانما اسرائيل صاحبة حق شرعي ونحن معتدون عليها . هكذا اصبح المنطق السائد ولا بد ان يعاد تحوير كل الأمور لتنسجم معه بما فيها الثوابت الدينية . وللتنويه لا للحصر نذكر ان آخر طبعة قرآنية في الإمارات شطبت عنوان سورة الاسراء وعنونتها بـ ( سورة بني اسرائيل ) . واصدرت مؤسسة الملك فهد ترجمة عبرية للقرآن فيها العديد من التحريفات أهمها ان ( المسجد الأقصى ) ترجم الى ( جبل الهيكل ) رغم وجود مفردة عبرية مقابلة ( جيروزالم ).
يرى البعض ان ليس جميع الحكام الحاليين خونة وانما هي الظروف أرغمتهم على السكوت او التنازل عن بعض المسائل ، وان الخونة أقلية بينهم . وأقول ان الأمور لا تقاس بهذا الشكل . فالمسالة ليست عددية لإحصاء نسبة الخونة من غيرهم . انها سيادة قيم معينة وتلاشي اخرى. فالذي ينشىء مبغى يعرف مسبقا نوعية الناس المستعدين للعمل فيه . تستطيع القول ان السواق والحراس والطباخين والخدم شرفاء يبحثون عن لقمة العيش . لكن هوية المبغى هي هي بصرف النظر عن نسبة المنخرطين في البغاء من سواهم . فالهوية الحالية للسياسة العربية انها عميلة للامريكان والصهاينة بغض النظر عن عدد المؤمنين بها والمرغمين عليها . لقد انقلبت هذه الهوية منذ ان تهاوت قلاع التحرر العربي وسادت الهوية الخيانية . وستبقى كذلك الى ان يظهر قائد يتحدى المستسلمين والعملاء .
( ابو زيزوم _ 789 )
‎2020-‎02-‎13