مالذي جرى ويجري ؟ ….محاولة اولية في قراءة الوقائع …(2)
عارف معروف.
يمكن القول بثقة ، ان معظم من دعى الى تظاهرة تشرين ، اشخاصا ومنظمات ، فوجيء بزخم الاستجابة ، وبأعداد الشباب التي تواردت الى ساحة التحرير خلال الايام القليلة اللاحقة ، وتحت شعارات غاية في البساطة ، حتى ان بعض قادة التنسيقيات وصف ما يحصل وكأنه حلم لا يمكن له تصديقه بسهولة ، فطوال الفترة التي سبقتْ والتي تمتد الى سنوات لم تبلغ حركة التظاهر والاحتجاج هذا المبلغ ، بالرغم من توفر وتفاقم كل الاسباب للاحتجاج ، وكانت تُبذل قصارى الجهود في محاولة بلوغ عتبة مؤثرة لها وادامة زخمها في احتجاجات 2011 و2015 دون نجاح يذكر، حتى وصل االامر بالبعض ، مؤخرا ، حدّ التشائم واعلان اليأس من احتجاج حقيقي مؤثر ” لهذا الشعب .. الذي ادمن الخنوع واللامبالاة ” على حد تعبيرهم ، فكيف امكن لرحم الايام العراقية ان تلد هذا الافعوان الضخم ، هذا الاحتجاج السلمي الكبير والمتواصل وهذه الكتله الجماهيرية غير المسبوقة ؟!
صحيح ان التراكم الكمي ، على الصعيد الاجتماعي يمكن ان ينتج تحولات نوعية كبيرة ، مثلما يُحدث في عالم التطور البايولوجي والوراثة طفرات جينية تبّدل مسار الكائن الحي من حال الى حال ، لكنه ، على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي كذلك ، لا بد له ان يمر بمحطات ضرورية او مقدمات حتمية تتمثل في تبلور وعي الناس بمعاناتهم من خلال اشكال للوعي الاجتماعي وليس الجمعي وهذه الاشكال تأخذ في العادة شكل فعاليات او ” مؤسسات ” تركز ّ وعي الناس ازاء ظروفم في بؤر او خلاصات وتحدد لفعالياتهم الاجتماعية والسياسية أُطر واشكال وبرامج مناسبة للتحرك والنشاط ، كالتنظيمات النقابية والاحزاب السياسية والزعامات الاجتماعية والتجمعات ذات الديمومه والتخمر المناسبين ، مرحليا ، لانتاج نقلة في الوعي والممارسة او الفعالية الى مستوى ارقى ، لكن ذلك لم يحصل في الواقع العراقي الملموس ،وبقيت طبيعة ومستوى الاحتجاج اقل من ذلك بكثير ، واتخذت ثلاثة مسارات معروفة : الاول هو التذمر الفردي والشكوى وكيل الشتائم واعلان اليأس من ان لا صلاح ولا اصلاح والذي كان معظم العراقيين ، خصوصا الشباب ، يلخصه بمفردة ” خربانه …” ويطال هذا المسار بروحه ومفرداته قطاعات واسعة من الناس وهو لم يتجاوزعتبة ما يححده هذا المسار من فكر وممارسه ، حتى عشية انتفاضة تشرين . المسار الثاني هوالمسار الذي تحدد وعيه وممارسته اشكال من التنظيمات الاجتماعية والسياسية سابقة على توصيف الاحزاب والتنظيمات المدنية مثل المرجعيات الدينية ، وياتي بالمرتبه الثانية من حيث السعة والفاعلية ، وهو في الغالب جمهور سلبي ، منفعل واتباعّي في وعيه وتحركه .اما المسار الثالث فهو المسار الذي تحدد وعيه وممارسته ما اصطلح عليه القوى المدنية وهو اضعف المسارات تاثيرا وسعة لكنه ، في الوقت نفسه ، الاكثر صخبا والاكثر تاثيرا في الاعلام والاكثرلفتا للانتباه وللرعاية من قبل وسائل الاعلام الخارجية . وغني عن البيان ان هذه المعطيات لم تكن لتؤسس لوعي او نشاط اجتماعي وسياسي ثوري ومنظم وينطوي على او يمثل برامج تغيير اجتماعية اصيلة وجادة وواسعة .
ان تاريخ الثورات الشعبية والاحتجاجات الاجتماعية الحقيقية التي اسفرت عن تغيرات كبرى وجذرية ، جميعا ، يكاد يقدم مسارات وآليات متشابهة ، من ناحية الاسس والصراعات الاجتماعية المؤسسة على والمنبثقة عن بنية اجتماعية اقتصادية ذات محتوى صراعي وتناقضي والمستنده الى تبلور وعي اجتماعي بطبيعة الازمة والانسداد ووعي بوسائل حلها ومن تنامي هذا الصراع باتجاه الحسم ثم تطوره الى نوع من الحرب الاهلية ، مهما اختلفت الوسيلة والاداة التي لا تعني ، بالضرورة وفقط ، الاحتكام الى السلاح والدماء . ثم الى غلبة وميل ميزان القوى لصالح ارادة الفئات الجتماعية الصاعدة وممثليها السياسيين من قوى ومنظمات وشخصيات . وتتّبعْ تاريخ ووقائع الثورات الفرنسية والروسية والتركية والمصرية والايرانية وغيرها ، تجد نفسك في مواجهة تشابهات لا تخلو من معنى وتقودك ، حتما ، الى بلورة ادراك ولو اولي بمحدداتها .
ولكن على مقلب آخر نجد ان تاريخ الثورات الزائفة والفعاليات المغرضة والمفبركة ، وان طالت بتأثيرها وقدرتها على التحريك كتل جماهيرية كبيرة واستثمرت في حالات غضب ونقمة حقيقية وذات جذور واقعية فانها تتشابه ايضا في الطرائق والاساليب وتؤول ، غالبا ، الى ذات النتائج او الى نهايات متشابهة او متقاربه ، وهذا ما تعارفنا على تسميته بالثورات الملونه ، استنادا الى سلسلة ” الثورات ” التي حرضّتْ باتجاهها ورعتها اعلاميا وسياسيا وحتى لوجستيا اجهزة المخابرات والخارجية في الولايات المتحده والغرب سواء في دول الاشتراكية السابقة والاتحاد السوفيتي او الدول التي اختطت او حاولت ان تنتهج سلوك مسارات اجتماعية او سياسية مستقله او ترمي الى الابتعاد عن الغرب وهيمنته الاقتصادية والسياسية العالمية .
لكن العالم العربي ، شهد ، منذ عقد من السنين تقريبا ، ظاهرة ” الربيع العربي ” التي اججت احتجاجات اجتماعية واطاحت بانظمه سياسية وقادت مجتمعات عربيه معينة الى حال من اللا استقرار السياسي والاجتماعي لم تنجح في الافلات من مداره الى شاطيء الامان والبناء حتى الان ، رغم ان هذه الظاهرة او الموجة استندت الى تناقضات اجتماعية حقيقية وانسدادات سياسية متفاقمة واستوعبت في اطار فعاليتها قوى وجماعات وافراد مخلصين ومندفعين ويملكون ، كل على حدة ، رؤى وبرامج ، خصوصا في بداية ذلك ” الربيع ” ، فكان ربيعا مختلطا هجينا وملتبسا بين ثورات حقيقية مأمولة واخرى ملونة وزائفة ومصنّعة لغايات تقف ، في الجوهر ، على النقيض من مصالح وتطلعات شعوبها الحقيقية وآلت نتائجه الى العكس تماما من اية توقعات ايجابيه من ناحية المحتوى الحقيقي وليس من ناحية الرداء القشيب ولكن المهلهل من ” الديمقراطية ” والتداولية والشفافية وغيرها !
( للحديث صلة ….)
‎2020-‎01-‎25