حقا ماذا لو ربح الجمهوريون ؟

kongress

غالب قنديل

منذ خطاب نتنياهو الشهير في الكونغرس يدور كلام في جميع الدوائر الرجعية في المنطقة والعالم ولبنان بالطبع حول احتمالات وصول رئيس جمهوري إلى البيت الأبيض وانقلابه على السياسات التي يتبعها الرئيس الحالي باراك اوباما وشكلت عنصر إزعاج واستفزاز للكيان الصهيوني والمملكة السعودية واحيانا لحكومة أردوغان وفي المقدمة من تلك العناوين التفاوض مع إيران والإحجام عن التورط في غزو عسكري أميركي وأطلسي لسوريا بل ويذهب البعض إلى روسيا مباشرة في طلب المغامرة العسكرية الأميركية او تمنيها وهي محكومة باستعصاء توازن الرعب الذي يعرفه الديمقراطيون والجمهوريون على السواء.

أولا من الواضح في المعلومات ان المحافظين الجدد الذين شكلوا عصب الإدارة الجمهورية في عهدي بوش الأب والإبن يتصدرون الآلة الانتخابية والتخطيطية للغالبية الجمهورية في الكونغرس الأميركي وقد عادوا يطلون عبر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وصنع السياسات بطروحاتهم المتشددة في مختلف المواضيع وهذا هو مصدر تلك الرهانات التي وصلت بوزير لبناني نقل صحافيون عنه القول في مجالسه الخاصة "انتظروا حتى الانتخابات الأميركية لسنا ملزمين بتقديم التنازلات كقبول الجنرال ميشال عون رئيسا للجمهورية او التمسك بالحوار مع حزب الله فعندما يربح الحزب الجمهوري سوف تنقلب المعادلات وعندها سنرى ماذا يبقى من الاتفاق مع إيران وماذا سيحصل في سوريا واستطرادا في لبنان" ويقول الناقلون إن حرارة الأحاديث المتداولة في الكواليس بهذه النبرة تذكر بسخونة تموز 2006 ورهاناته المعروفة.

لكن المفارقة هي ان المحافظين الجدد جميعا وأشدهم تطرفا والتصاقا بالصهيونية لم يصلوا في خطبهم ومقالاتهم إلى تبني ما يتمناه بعض رموز الحريرية في لبنان أو الأمراء المستجدون في المملكة السعودية او حتى القادة الصهاينة الذين يظهرون "تعقلا" أكبر من عرب المحافظين الجدد لأنهم أدرى بقواعد اللعبة الأميركية رغم أنهم عارضوا اوباما علنا ولعبوا دورا في معركة الجمهوريين للسيطرة على الكونغرس.

ثانيا  إن الخيارات الاستراتيجية الأميركية العليا تنتجها المؤسسة الحاكمة بمجموع قواها وكتلها المقررة والرئيس باراك اوباما هو الرئيس الأكثر تعبيرا عن هذه الحقيقة فهو منذ انتخابه رئيسا يضم في إدارته وزراء جمهوريين شاركوا في وضع خطط المؤسسة الحاكمة السياسية والعسكرية والخيارات التي اتخذها تعكس توازنات قاهرة هي التي ترسم حدود القدرة الأميركية في جميع الملفات التي يتهم اوباما من معارضيه وخصوصا من إسرائيل والمملكة السعودية وحكومة أردوغان بالتهاون فيها .

الاعتراف بالقوة الإيرانية هو حاصل خسارة الرهان على الحصار والضغوط والتهديد بالحرب طوال ستة وثلاثين عاما ومشروع اوباما للتكيف مع قوة إيران ينطوي على محاولة جدية لبناء علاقات اقتصادية وسياسية باردة وإتاحة المجال لاستعمال استراتيجية القوة الناعمة في مواجهة هذه القوة الصاعدة الجديدة على غرار ما فعلت الولايات المتحدة مع الصين طوال اكثر من أربعين عاما حتى الآن أما في سوريا فإن اتباع الولايات المتحدة لطريق الحرب بالوكالة وبواسطة عصابات التكفير الإرهابية هو الخيار الممكن والأقل كلفة على الولايات المتحدة وإسرائيل لأن اختبار صيف 2013 الاستراتيجي أظهر مخاطر المغامرة بالغزو العسكري المباشر وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج وتكاليف استراتيجية خطيرة وشاملة تطال المطالبين بالضربة انفسهم أي السعودية وإسرائيل وتركيا العثمانية.

ثالثا من يتابع مقالات المحافظين الجدد ومتطرفيهم في الولايات المتحدة يلاحظ انهم يشددون في الموضوع السوري على المزيد من السلاح لفصائل الإرهاب ويدعون للتعامل مع جبهة النصرة القاعدية تحت شعار خفض سقف الاشتراطات على الجماعات المسلحة لجهة سلوكياتها وعقائدها وهذا ما تفعله إدارة اوباما عمليا ومعها حلفاؤها إسرائيل والمملكة السعودية وحكومة أردوغان والحكومة الأردنية وفي لبنان هذا التوجه هو ما يفسر مواقف حريرية وجنبلاطية كثيرة داعمة لجبهة النصرة ومشاركة في تغطيتها ومن الواضح ان سقف الرهانات هو التأثير على توازن القوى وتسييله سياسيا بفرض تنازلات اقتصادية وسياسية على الدولة الوطنية السورية بعدما تهاوت في واشنطن أوهام الإسقاط المعششة في رؤوس بعض اللبنانيين ومراجعهم السعودية وحلفائهم من العثمانيين الجدد.

في الموضوع الإيراني كان المحافظون الجدد في مقدمة المطالبين بالبند الخاص بتفتيش المنشآت العسكرية وبالتشدد في شروط الاتفاق عموما دون ان يجرؤ أي منهم أو من الزعماء الجمهوريين على الدعوة لمنع الاتفاق بل حصروا مطالبهم بتشديد الشروط الأمر الذي يبرز حدود الهوامش التي تسمح بها المؤسسة الحاكمة والحسابات الكلية لمصاح الولايات المتحدة وهي حسابات تقع في صلبها مصالح الشركات الكبرى المتلهفة للأسواق الإيرانية الواعدة كما يردد خبراؤها .

يتضح لمن يقرأ ويتابع أن ما يتردد في الكواليس ليس سوى أوهام الخاسرين الذين خابوا غير مرة ولم يتعلموا منذ ما تلاه على أسماعهم جيفري فيلتمان الذي نسب مؤخرا إنجاز حزب الله بحماية لبنان من عصابات التكفير إلى قرار اميركي هو في الواقع نتيجة التوازنات اللبنانية الفعلية التي يعرفها الأميركيون اكثر من "أصدقائهم" اللبنانيين الممتعضين من إجبارهم على التكيف مع المعادلات المستعصية حتى لا يغامروا بخسارة كل شيء وهو ما يظهر منذ دور السفير ديفيد هيل المعلوم في تشكيل حكومة الرئيس سلام وإسقاط الفيتوات السعودية الشهيرة التي اعترضت طريقها.

‏20‏/06‏/2015