الدين وركنهُ التاسع في مواجهة الإرهاب الصهيوني

د. عمر ظاهر

 

ليس المقصود من هذا الإيحاء بأن استخدام اللغة الدينية ظاهرة تقتصر على الفئات الأقل تعليما مثل ميكانيكي السيارات. هذه ظاهرة عامة نلمسها على كل المستويات، وبدرجات متفاوتة – أيضا كاتب هذه السطور مشمول بذلك. وقد يتمكن بعض الناس من إخفاء انغماسهم في اللغة الدينية في خطاباتهم المكتوبة، لكنهم لا يستطيعون فعل الشيء نفسه في التواصل الشفهي في الحياة اليومية.

 

ننتهي من هذا الحديث بشيء مهم، نحن من حقنا نقد الإسراف في استخدام اللغة الدينية للسببين اللذين ذكرناهما سابقا، عدم اتفاقنا على فهم معنى العبارات الدينية (غالبا الآيات القرآنية) وتفسيرها، وثانيا لأن أغلب الناس يستخدمون اللغة الدينية كتعويد فارغ من المعنى، بل وتصبح اللغة الدينية قناعا يخفي حقيقة الشخص، تماما مثل الطقوس. ولكن الأهم من كل هذا هو أن ندرك أن ثقافتنا – وربما طريقة تفكيرنا أيضا، ستبقى، حتى بعد ألف سنة من العلمانية، لها جذور في الاستخدام القرآني للغتنا العربية. من أين سنأتي بأفضل من هذه الصياغات البلاغية التي تنزل كالمسمار في الخشب إن جاءت في مكانها؟ بدون شك فإن مجتمعاتنا العربية، وبعد هذه الهزات التي تعصف بها، ستستقر يوما وتعود إلى ممارسة الحياة العادية، ويرجع التعليم إلى سيرته ومساره، فينشأ لدى الناس وعي أكبر بكيفية استخدام الصياغات القرآنية استخداما بناءً.

 

ما يمكن تقييده في الدين، علمانيا، إلى حد كبير هو اتخاذ النصوص المقدسة كمصدر رسمي للتشريع، أي في واحد من مجالات سلطة الدولة التي هي التشريع، والقضاء، والتنفيذ. وحتى في هذا شيء من المفارقة، فطالما لا تتدخل الدولة العلمانية في الأركان الأخرى للدين فهذا يعني أن التشريع المدني العلماني يمكن أن يوضع بين أيدي قضاة  عندهم نزعة دينية، ويمكن أن يُعهد بتنفيذ التشريع أيضا إلى من يمارسون الدين بطريقة أو بأخرى. العلمانية المطلقة أسطورة. وإذا كانت هذه هي الحال فيما يخص التشريع وهو مجرد ركن من أركان الدولة، فكيف الحال مع السياسة؟ السياسة هي تعبير عن مواقف الناس من كل شيء وعن الطرق التي يتبعونها في تأكيد تلك المواقف وتحويلها إلى واقع. إذا لم يكن هناك في التشريع مكان للنصوص الدينية فإن السياسة فيها مكان ومنبر لكل الفرق في المجتمع، بمن فيهم أولك الذين يدعون إلى اتخاذ النصوص الدينية مصدرا للتشريع. السياسة أعم وأشمل من التشريع، ويخطئ من يظن أن بإمكانه فصل الدين عن السياسة كليا. الدين هو فكر يشمل الأمور السياسية أيضا أسوة بكل فكر آخر، ولا يمكن استثناؤه في الصراع السياسي. ثم على من يريد أن يقول غير هذا أن يتفكر لحظة، ويتذكر أن المحورين الأساسيين في الفكر الديني هما محور الخير والشر، ومحور الحق والباطل، والسياسة في جوهرها لا تدور إلا حول هذين المحورين مهما تعددت أوجهها، وكثرت نظرياتها، واختلفت تطبيقاتها. طالما هناك معسكر يرى نفسه معسكر الخير وعدوَه معسكر الشر، وطالما هناك صراع بين الحق والباطل لن يستطيع أحد منع خط التفكير السياسي من الالتقاء بخط الفكر الديني، ولا حتى منع استخدام لغته. لا نحتاج إلى نقاش طويل في هذا فنظرة بسيطة إلى دور الكنيسة الكاثوليكية ودور بابا الفاتيكان في سياسة البلدان العلمانية تعطي جوابا عن مدى صحة الفصل بين الدين والسياسة. كذلك ففي بلدان العلمانية لا توجد فقط أحزاب مسيحية، بل هي في برلماناتها أيضا. وأكثر من هذا فالأحزاب الأخرى، العلمانية، لها علاقات ودية مع الكنيسة بدرجات متفاوتة، ومواقف إيجابية من التعاون معها. الدين هو جزء لا يتجزأ من السياسة.

 

على أن ما يعطي أهمية الدين في الحياة الإنسانية عامة صفة الشمولية هو الركن التاسع، الهوية، فالدين يدخل كعنصر أساسي في هوية كل شخص ينشأ فيه، سواء أكان مؤمنا أو لم يكن، يمارس الطقوس أو لا، يحترم النصوص المقدسة أو لا، منغمس في اللغة الدينية أو متحرر منها، متمسك بالثقافة الدينية أو متمرد عليها، يساري الهوى في السياسة أو يميني. لأن الإنسان يولد في دين فإن الدين يدخل كعنصر في هويته.

 

عندما نتحدث في مسألة الهوية ينبغي لنا أن نؤكد على أمرين: معنى الهوية، ودورها في حياة الفرد. أما معناها فهو بكل بساطة تعريف الفرد، أي من هو. وهنا فإن كل ما ينتمي إليه الفرد، وكل ما يخص الفرد عنصر في هويته: العائلة التي يولد فيها، لغة العائلة ودينها، وغير ذلك؛ المدينة التي يولد فيها؛ البلد الذي يولد فيه، أو ولد فيه أبوه، ومهنة أبيه أو أمه؛ المدرسة التي تعلم فيها؛ اسمه وعمله؛ والحزب الذي ينتمي إليه، بل والزعيم السياسي الذي يُعجب به، بل وحتى المرض الذي يعاني منه الشخص يدخل كعنصر في تعريفه، ليس فقط في أعين الآخرين، بل في فهم الفرد لنفسه. نقول إن كل هذه الانتماءات تدخل كعناصر في تشكيل هوية الفرد، ولكن قد يكون الأصح أن نقول أنها تشكل طبقات في الهوية تأتي بعضها فوق بعض فتغطي الجديدة منها القديمة دون أن تمحيها، فمثلا قد يكون الانتماء إلى الحزب الشيوعي أعلى طبقة في هوية الشخص، والآخرون يرون الشخص كفلان الشيوعي، ويرى هو نفسه أيضا شيوعيا علمانيا، ملحدا، مؤمنا بالعلم، ورافضا بشكل مطلق "للخرافات" الدينية. لكن هذه الطبقة الأخيرة في الهوية لا تمحي على الإطلاق تلك الطبقات التي تكونت قبل الانتماء إلى الحزب الشيوعي، في تربية الطفولة وسنوات المدرسة، ومنها طبقة كونه مسلما، أو مسيحيا، أو غير ذلك. إنها هناك يكبتها المرء ويخفيها، ليس بالضرورة عمدا، بل هكذا هي طبيعة الهوية لا نرى منها إلا ما هو على السطح. وكم من شيوعي وجد بعد عقود من شيوعيته أنه في الحقيقة شيعي، أو مسيحي. لا تبحثوا عن هؤلاء بين من تعرفون من الناس، بل انظروا في أمر راؤول كاسترو الزعيم الشيوعي الكوبي الذي كادت ثورة أخيه الشيوعية تؤدي بالبشرية عام 1962 إلى جحيم الحرب النووية. إنه، وبعد كل معاناة الشعب الكوبي خلال أكثر من خمسين عاما يتذكر بمجرد لقائه ببابا الفاتيكان أنه مسيحي، وقد يعود إلى أحضان الكنيسة. شيء جميل يؤكد أن ما يدخل في الهوية لن يخرج منها.

 

ولكن دعنا نترك الحديث على مستوى عال فيما يتعلق بكارثة الشعب الكوبي مع الهوية الشيوعية، وننزل إلى مستوى الناس العاديين. هنا نجد أنه حتى التمرد على عنصر من عناصر الهوية أو طبقاتها لا يمحي أهميتها في حياة الفرد، وتبرز أهمية هذا العنصر بشكل خاص في حالة تعرضه للعدوان. خذ مثلا شخصا يعيش خلافا مع والده يصل حتى القطيعة، أو يعيش صراعا مع شقيقه يصل حد التقاتل. لكن ماذا يفعل هذا الشخص إذا ذكر الآخرون أباه بسوء، أو تحدثوا بحديث غير مقبول عن شقيقه؟ بكل تأكيد سيدافع عنهما مهما كان الذي يذكرهما بسوء محقا. لماذا؟ لأن حديث السوء يمسه هو، يمس هويته فهو، شاء أو أبى، ينتمي إلى أبيه وشقيقه، وهما ينتميان إليه، وخلافه أو صراعه معهما لن يزيلا علاقة الانتماء هذه، ولن يمحوا كونها طبقة راسخة في هويته.

 

لنأخذ مثالا آخر، إنسانا عربيا روحه "طفرانة" من العرب، ومن ثقافة العرب، وحتى من لغتهم، ويعيش في بلد بعيد عن وطنه العربي، ويتكلم لغة ذلك البلد، ويريد حتى أن ينسى أنه عربي. وفجأة تظهر في ذلك البلد موجة من كره العرب، والإساءة إليهم، والسخرية منهم. ليس غريبا أبدا أن يشعر هذا الإنسان أنه معني بالأمر، وأن الكره، والإساءة، والسخرية كلها واقعة عليه أيضا. ربما يكون لديه في البداية فائض من "الطفرنة" بحيث يغض النظر عما يجري، لكن عند نقطة ما ينتفض .. لأنه، مهما تعلم من لغات، واشمأز من تخلف العرب! وعانى من جورهم، عربي. ألم يكن في يوم من الأيام ينشد بكل حماس في ساحة المدرسة صباح كل يوم:

بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغدان

ومن نجد إلى يمنَ، إلى مصر فتطوان.

 

فتراه يردد في نفسه: بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، وأهلي وإن شحّوا عليّ كرام.

 

ولا غرابة أيضا أن عناصر الهوية تنتقل بالوراثة، وتبقى فعالة لأجيال. وهنا أسوق مثالا أترك تفسيره للقارئ. قبل بضع سنوات رأيت مشهدا لم أر مثيلا له في المدينة التي أعيش فيها في الدنمارك .. عشرات السيارات تخترق شوارع المدينة وتحدث صخبا هائلا بأبواقها، وهتافات وموسيقى وأغاني. وقف الناس، وأنا منهم، يتفرجون ولا يعرفون ما يجري. ولاحظت على بعض السيارات أعلاما عراقية، وانتبهت إلى أن كل من في السيارات شباب وأطفال عرب. ثم رأيت آخرين يتجولون ويوزعون الحلوى. سألت ماذا يجري، فقال لي فتى يافع باللغة الدنماركية "لقد فزنا على السعودية" "فزتم؟ من أنتم"، فقال "الفريق العراقي". لم أكن أجهل أن في المدينة هذا العدد من الفتيان من أسر عراقية، ولكن ما كنت أجهله هو أنهم ما يزالون عراقيين إلى حد يهز معه وجدانهم فوز فريق بلد آبائهم، فمعظم هؤلاء مولودون، بلا شك، في الدنمارك، وبعضهم حتى لا يتكلم العربية، لا بل وكان بينهم فتيان أكراد. الهوية العراقية تعيش في الدنمارك حية وقوية، أليس كذلك؟

 

قلت إنه بالعلاقة مع مسألة الهوية ينبغي لنا أن نؤكد على أمرين: معنى الهوية، ودورها في حياة الفرد. إذا كانت الهوية تعني كل هذا، فما دورها في حياة الفرد؟ في الحقيقة إن ما يتحكم بالسلوك الاجتماعي للإنسان هو، قبل كل شيء، هويته، فهو يتصرف، أو يحاول أن يتصرف، بالشكل الذي تمليه عليه هويته، وهذا السلوك يشمل ليس الفعل والكلام، بل وحتى اختيار الملابس، وحتى طريقة المشي، وطريقة السلام على الناس، أو الرد على تحيتهم. لهذا ليس مستغربا هنا أن علمَي النفس والاجتماع يفردان مساحة واسعة من بحوثهما لمسألة الهوية، ويطوران نظريات متوالية الظهور عنها. كذلك لن يكون مبالغة أن نعتقد أن أجهزة الاستخبارات العالمية، باستثناء العربية فهي تخترع وسائلها بالإيغال في الوحشية حتى تجد ما ينفع، تهتم بأمر الهوية والنظريات حولها، واستخدامها إلى حد بعيد.

 

عندما يقول الكاتب الأمريكي أرنست همنغوي على لسان واحد من أبطال رواياته "الإنسان يمكن أن يُدمّر، ولكن لا يمكن أن يُهزم"، فإنه يلهمنا في هذا السياق فنرى أن (الجلاد مثلا)  يمكن أن يقتل ضحيته، ولكن لا يمكنه أن يصل إلى قلب هويته لينال منها، فقد يمزق الضحية جسديا ونفسيا، لكنه (الضحية) يبقى في دواخله مصرا على الإيمان، مثلا، بالشيوعية. لكن المتفننين من العرب في اختراع وسائل التعذيب، ودون جهد واطلاع على النظريات، يكتشفون بأنفسهم كيف يصلون إلى هناك فينتصرون على ضحاياهم. مثلا، عندما تمسك الميليشيات الطائفية في عراق اليوم بأحد من المعسكر الآخر فإنها لا تكتفي بإسماعه شتما مقذعا على من يقدسه، الإمام علي أو الخليفة عمر بن الخطاب، فقد تكون لدى الشخص ميكانيزما فعالة في اتقاء الشر بأن يصم اذنيه، وكأنه لا يسمع. الجلاد يذهب خطوة أبعد فيطلب من الأسير أن يشتم بنفسه الرمز الذي يقدسه. وهنا يتبين مدى الصمود في الحفاظ على الهوية ومنع انتصار الجلاد على الضحية، فأن تسمح لنفسك بشتم المقدس – وهو جزء من هويتك، يطلق شعورا مدمرا بالسقوط والهزيمة. في رواية "طارق .. الرقص مع الأفاعي" لكاتب هذه السطور يتعرض طارق لصنوف من التعذيب في أقبية الأمن العامة في بغداد في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ويتحملها بجَلد، غير أن الجلاد يعرف طريقه إلى نواة هوية طارق، أمه التي هي قدس الأقداس بالنسبة إليه، فيطلب منه الجلاد أن يقول عن نفسه "أنا ابن عاهرة". وبعد التعرض لتعذيب فوق طاقة البشر يقول طارق عن نفسه "أنا ابن عاهرة". لقد هزم الجلاد طارق، ثم صار يتلذذ بانتصاره بأن جعله يعيد العبارة ويكررها. ولم يستطع طارق بعد خروجه من السجن أن يغفر لنفسه أنه قال بعظمة لسانه عن أمه أنها "عاهرة" حتى وإن كان ذلك تحت التعذيب الوحشي.

 

كيف إذن بالنسبة لعنصر الدين في هوية الفرد؟ يمكن أن نقول إن كل من يولد في الإسلام فهو مسلم بالهوية، وكل من يولد في المسيحية فهو مسيحي بالهوية، وهكذا. وفي غير تلك، أي في كل الأركان الثمانية الأخرى، يختلف الناس، ويمكنهم أن ينكروا أي شيء، ويتمردوا عليه. وعنصر الدين لكونه طبقة في قعر هوية الفرد يحتاج ظهورها وتفعيلها إلى استثارة قوية ومستديمة كتلك التي يتعرض لها المسلمون في العالم كله، خاصة في أوروبا (قد يقول أحدهم أن هذا لا شيء قياسا إلى ما تتعرض له الأقليات الدينية في بعض بلدان الشرق الأوسط على أيدي الإرهابيين من قتل، وتهجير، وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان – انتباه: ليس المسيحيون والأيزيديون وحدهم ضحايا هذا الإرهاب، بل المسلمون هم أول الضحايا).

 

في بلدان الديمقراطيات الغربية التي يتزايد فيها عدد المسلمين لا وجود لأية مظاهر لحرب دينية، بل هناك حرب صهيونية مكشوفة على الهوية الإسلامية. دعنا نقولها مرة أخرى. في البلدان الغربية هناك حرية دينية تضمنها الدساتير العلمانية. وهذا يعني أن الدولة والمجتمع لا يتدخلان في 1) ايمان الفرد. ليؤمن الفرد بما يشاء، وبمن يشاء؛ 2) الدولة والمجتمع يتدخلان بشكل إيجابي في مسألة الطقوس الدينية. ولهذا نرى عدد المساجد في أوروبا في ازدياد، بل وإن غرف إقامة الصلوات للمسلمين تكاد تنتشر حتى في أماكن العمل والدراسة. لسان حالهما يقول للمسلم: صلي بقدر ما تشاء. وهناك أيضا تسهيلات لأداء كل الطقوس من الصوم في رمضان إلى الاحتفال بالأعياد، وصولا إلى أداء الحج والعمرة؛ 3) الدولة والمجتمع لا اعتراض لديهما لا على النصوص المقدسة، ولا على تفسيرها. هناك اعتراض واحد فقط وهو على اعتبار النصوص المقدسة مصدرا للتشريع، وهذا يشمل الدين كافة؛ 4) الدولة والدين لا يتدخلان في أمر اللغة الدينية والثقافة إلا بالحدود التي قد تتعارض فيها مع القوانين والسلم الأهلي، فاستخدام النصوص المقدسة لتهديد مجموعات أخرى في المجتمع ممنوع، وقتل البنات أو الإساءة عامة إلى النساء بدعوى الثقافة الدينية غير مسموح به؛ 5) الدولة والدين لا تمنعان تدخل الدين في السياسة وذلك ليس فقط بدليل وجود أحزاب مسيحية في البرلمانات، وأحزاب إسلامية غير ممنوعة من النشاط، بل أيضا بدليل أننا نشهد في هذه الأيام بالذات، حيث تقترب الدنمارك، مثلا، من الانتخابات البرلمانية، مجموعات إسلامية أصولية متطرفة تجول في الشوارع، وتحرض المسلمين على مقاطعة الانتخابات لأنها بدعة. الديمقراطية الغربية يتسع صدرها لهذه المواقف. هؤلاء هم جزء من المشهد السياسي.

 

إذن، الديمقراطيات الغربية المسيحية تحترم ثمانية من أركان الدين الإسلامي، لكنها تفشل، تحت ضغط من الصهيونية، في احترام الركن التاسع، فنحن نلمس هجوما كاسحا على الهوية الإسلامية تحت يافطة حرية التعبير التي تسمح بالإساءة إلى نبي الإسلام بالدرجة الأولى، وهو حجر الزاوية في هوية كل مسلم. هذه الحرب على الهوية الإسلامية تلقى جزئيا ترحيبا تلقائيا من الأوروبيين باعتبارها ردة فعل على ما يراه بعض الأوروبيين تهديدا إسلاميا للهوية المسيحية لبلدانهم. ولكن هذه الحرب أكبر من مجرد دفاع عن الهوية المسيحية لأوروبا. إنها ليست دفاعا، بل هجوما. إنها ليست مسيحية، بل صهيونية، ولها أهداف .. صهيونية .. خبيثة، في مقدمتها تشجيع ما يسمى بالإرهاب "الإسلامي"، بدفع الشباب المسلمين إلى إبداء ردود أفعال قوية على العدوان على هويتهم، وإلا فإن بلدان الديمقراطية مطالبة بتقديم تفسير مقنع لجنوح شباب غض يافع من المسلمين نحو الإرهاب، وهم ليسوا بحال من الأحوال من الذين يعيشون وفقا للشريعة، مثلا أولئك الذين يتركون مجتمعات الرفاهية، ويلتحقون بداعش وغيرها. إنهم، في الغالب، شباب تصيب صواريخ الإعلام والرسوم الكاريكاتورية الذكية كيانهم، وتنزل إلى طبقات عميقة في هوياتهم، وتنفجر هناك. ويبدو أن تلك الصواريخ قادرة على تدميرهم، والانتصار عليهم أيضا، لأن دفعهم إلى الالتحاق بالإرهاب هو النصر الذي تريده الصهيونية.

 

إن هذه البالونات التي يطلقها الإعلام المستندة إلى "تقارير" في الدول التي تدعي محاربة الإرهاب عن قوة المنظمات الإرهابية التي تحمل راية الإسلام، وعن أنها ربما ستستولي قريبا على الشرق الأوسط برمته هو اعتراف ضمني بأن هذه الدول تدرك أنها قد أسرفت في الإساءة إلى الهوية الإسلامية التي يحملها كل من ولد في الإسلام، وأغضبت بذلك فئات واسعة من المسلمين الشباب في كل مكان، والذين حتى لا يعيشون الإسلام وأركانه في حياتهم اليومية، ولكن يفتقرون إلى ميكانيزما للدفاع العقلاني عن هويتهم، فصاروا يندفعون إلى التعاطف مع من يتوهمون أنه يصون هذه الهوية.

 

العدوان على الهوية الدينية جزءً من مشروع صناعة الإرهاب، وليس محاربته.

 

المثقفون العرب، المسلمون منهم والمسيحيون، تقع على عاتقهم، إضافة إلى الحوار البناء في الدين، مهمة كبيرة في محاربة الإرهاب. عليهم أن يتخلصوا من خجلهم من هويتهم الدينية، على الأقل،  حتى يكونوا مؤهلين لمساعدة هذا الجيل على مواجهة الإرهاب النفسي الاجتماعي الإعلامي .. الصهيوني.

 

‏20‏/06‏/2015

  لقراءة الجزء الاول ..اضغط على الرابط

http://www.sahat-altahreer.com/?p=5698