” تركيا – روسيا … مصالح مشتركة تتلاقى على هامش فوضى الأقليم !؟”
بقلم :هشام الهبيشان .
يخطئ من يظن أنّ العلاقات التركية – الروسية ، ستصيبها انتكاسة كبرى جراء أي تطورات عسكرية في شمال سورية أو في ليبيا أو غيرها من بؤر الصراع في المنطقة ،ففي موسكو وأنقرة فليس هناك ما يدعو لقلق دوائر صنع القرار في كلّ من موسكو وانقرة، بشأن احتمالات تدهور العلاقات الروسية – التركية، في ظلّ ما يجري حالياً في المنطقة بمجموعها، رغم اختلاف وجهات نظر البلدين، في معظم ملفات المنطقة، سبب ذلك، مردّه أن هناك، في النهاية، حالة من تقاطع المصالح بين الاستراتيجية الإقليمية التركية والاستراتيجية الإقليمية الدولية الروسية ، مع أنّ البعض ما زال يراهن على تفاقم الخلافات بين البلدين، بالنظر للتباعد في التوجهات الاستراتيجية بين تركيا، حليفة أميركا الفاعلة في حلف شمال الأطلسي، وروسيا العدو اللدود، لأميركا وللغرب عموماً وحليفة بكين، الا أنّ جميع المؤشرات الواردة من موسكو وأنقرة، تؤكد عكس هذه الفرضية وهذا الرهان.
وعلى الرغم من كلّ التطورات العسكرية المتوقعة في شمال سورية ومجمل تطورات المنطقة ، وعلى رغم مجمل الخلافات التكتيكية التركية – الروسية بخصوص بعض ملفات المنطقة ،أكد تشغيل الرئيسان الروسي والتركي مشروع “السيل التركي” ،على نمو متصاعد في العلاقات بين البلدين “تجمعهما المصالح المشتركة “، وفي كلمة مشتركة للرئيسين أشادا بالعلاقات الثنائية بعد تشغيل الخط البحري من مشروع “السيل التركي”، والذي سيربط الاقتصادين التركي والروسي لعقود من الزمن، و”السيل التركي” هو مشروع يمد أنبوبين باستطاعة 15.75 مليار متر مكعب من الغاز سنويا لكل منهما، من روسيا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا عبر البحر الأسود، يغذي الأنبوب الأول تركيا، والثاني دول جنوب شرقي، وجنوبي أوروبا، ومع إتمام المشروع بالكامل، تحولت تركيا كما يتحدث الروس إلى عقدة لضخ الغاز الروسي إلى جنوبي أوروبا ووسطها ، ما سيعطي النظام التركي موقع جيوسياسي في المنطقة،وبدعم روسي مباشر .

وهنا وليس بعيداً عن مشروع ” السيل التركي ” ، فحقائق الواقع تؤكد أنّ حجم المؤشرات الاقتصادية لحجم التبادل الاقتصادي والتجاري وصل في الأعوام الأخيرة بين تركيا وروسيا إلى حدود غير مسبوقة “حجم التبادل التجاري زاد 26 بالمائة، خلال العام “2018”، “الصادرات الروسية إلى تركيا ارتفعت 24 بالمائة، وزادت الصادرات التركية إلى روسيا بـ36.6 بالمائة، مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الماضي” ،وفي الشق السياحي ، “4.7 مليون سائح روسي زاروا تركيا، في 2018، ومن المتوقع أن يبلغ العدد، العام الماضي “2019”، 6 ملايين ، كما إنه تم مؤخرًا رفع كافة القيود التي فُرضت على القطاعات الزراعية والصناعية والنقل بين الجانبيين وهذا ينسحب كذلك على التعاون العسكري والتسليحي الكبير بين الجانبيين،بالاضافة إلى استمرار موسكو بتمويل كامل لمشروع محطة توليد الطاقة النووية “أق قويو” وغيره من مشاريع توليد الطاقة النووية في تركيا،كما لوحظ بالفترة الأخيرة زيادة استخدام الليرة التركية والروبل الروسي، في علاقات التبادل التجاري بين البلدين “رسالة تحدي للأمريكي ؟؟” ،وهذا مايؤكد حقيقة أن هناك تحالف استراتيجي تركي – روسي ،نسجت كامل خيوطه بالأعوام الأخيرة .

من هنا، يمكن القراءة أن حجم العلاقات والمصالح الاستراتيجية لكلا البلدين وحجم الزيارات المتبادلة للمسؤولين الروس والأتراك، يمكن، في أيّ مرحلة، أن يساهم في تقريب وجهات نظر الطرفين وكسر كلّ الرهانات على حصول انتكاسة في علاقاتهما، وهذا بالطبع، سيتمّ من دون التأثير على استراتيجية كلّ بلد في المنطقة العربية والإقليم ككلّ، رغم أنّ هناك اختلافاً في تعاطي كل من أنقرة وموسكو مع الحرب على الدولة السورية ومع ما يجري في ليبيا والعراق والمنطقة بمجموعها ،لكن هذا لا ينكر أنّ هناك تنسيقاً وتبادلاً لوجهات النظر بشأن هذه الأزمات، بالتحديد.

النظام التركي ،يدرك بدوره ، حجم القوة المتصاعدة الاقتصادية والعسكرية لروسيا “بوتين” ، ويعلم أنها هي البوابة الأوسع لأنقرة للانفتاح على “بكين “مستقبلاً، اقتصادياً وسياسياً، ولهذا يسعى لبناء وتجذير وتوسيع حالة الشراكة القائمة مع الروس، في هذا الاتجاه، غير أنّ هذا الانتفاع المتبادل والمصالح الكبرى المشتركة ،لا يخفي حجم التنافس بين البلدين على قيادة دفة المنطقة العربية ،ولعلّ الحرب المفروضة على الدولة السورية والصراع في ليبيا، كشفت جانباً من التباين بين البلدين وعن الرغبة في احتلال موقع الدولة القائدة والفاعلة في الأحداث، فقد رمت تركيا بكلّ ثقلها ضدّ الدولة السورية، فيما تدعم روسيا بكلّ قوة الدولة السورية.

ما يدفع تركيا أيضاً، إلى تعميق التحالف مع روسيا ، هو حجم التحديات التي تواجه الأتراك،بهذه المرحلة ، فقد بات حلم تركيا بأن تكون واحده من اعضاء دول الاتحاد الأوروبي، وهماً أقرب إلى الخيال، منه إلى الواقع، وعلينا ألا ننسى أنّ تركيا، في الفترة الاخيرة، بدأت تعاني عزلة إقليمية وضغوطا دولية، بعد فشل الرهان على الحليف الأمريكي ،وعدم حدوث اختراق في الملف السوري وهي التي كان لها نفوذ كبير فيه بدعم مايسمى “المعارضة السورية “، التي تآكل جسدها السياسي والعسكري بشكل كبير، في الفترة الاخيرة .

ختاماً،من الواضح أن حجم التحالف والشراكة الروسية – التركية في الفترة الأخيرة ، تسعى من خلاله كلتا الدولتين ،لفرض نفسها لملء حالة الفراغ الاقليمي والدولي ، من خلال تشكيل كيان سياسي – اقتصادي جديد في المنطقة “يكون نواة لتكتل اقليمي – دولي أوسع ” ،في ظل حالة الفوضى السياسية والتشرذم التي يعيشها العالم بمجموعه، على اعتبار أنهما، في ظلّ غياب دور محوري لبعض الدول الأقليمية والدولية، تستطيع أن تستوعب فوضى الاقليم والمنطقة ، فـ روسيا وتركيا ستسعيان إلى القيام بهذا الدور، مستفيدة من حالة التخبط الأمريكي في المنطقة والعالم بمجموعه ،وهذا ما سيعطي كلتا الدولتين ، مساحة كافية للمناورة مع كلّ القوى الإقليمية والدولية .
‎*كاتب وناشط سياسي – الأردن .
hesham.habeshan@yahoo.com
‎2020-‎01-‎25