سيناريوهات الإقليم السني في العراق!
شجاع محمود.
لطالما كانت القاعدة السُكانية في المحافظات الغربية، رافضة بشدة، للدستور العراقي النافذ لعام (2005)؛ لما يحتويه من مواد تُهدد كيان وحدة العراق الجغرافية، والسياسية، حسب وجهة نظرها، وأعلنت في حينها تيارات دينية، واجتماعية، في تلك المحافظات بصورة علنية، مقاطعة الدستور، أو التصويت بالرفض، وبالفعل صوتت محافظتي الأنبار، وصلاح الدين، بالرفض بنسبة الثلثين من ناخبيها، إلا أن نسبة الرفض لم تصل إلى ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات، حسبما نصت عليه حينها شروط نفاذ الدستور من عدمه، بالتالي بلغت نسبة المصوتين بالموافقة على الدستور (59، 78%) في عموم العراق، و (21%) صوتوا بالرفض.
وأشار الدستور إلى الأقاليم في مواد دستورية عدة منها المادة (116)، والتي أشارت إلى أن النظام الاتحادي يتكون من عاصمة وأقاليم، ومحافظات، وكذلك المادة (117)، والمادة (118)، وكذلك نصت المادة (119)، على أنه “يحق لكل محافظة، أو أكثر تكوين إقليمًا بناءً على طلب بالاستفتاء عليه”، ولم تكتفِ مواد الدستور بالإشارة إلى تشكيل الأقاليم، وإنما ذهبت تلك النصوص إلى أبعد من ذلك، حينما نصت أنه لا يجوز تعديل الدستور الاتحادي إلا بموافقة الأقاليم؛ وذلك في المادة (126).
واستنادًا على هذه النصوص الدستورية، ارتفعت الأصوات المطالبة بإقليم الجنوب الذي يضم (البصرة، وميسان، وذي قار) في عامي (2007، 2008)، إلا أن هذه الأصوات جُوبهت بالرفض من شخصيات سياسية، ودينية، واجتماعية، سنية وشيعية؛ لأن هذه الدعوات تهدد وحدة العراق، كما يقولون. فضلًا عن الضغوط الإقليمية من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتركيا، والدولية من الولايات المتحدة الأمريكية، حالت دون تنفيذ مطالب تلك المطالبات.
إذًا، في المرحلة الممتدة من عام ( 2007 – 2010)، كنا أمام رفض شعبي سني، لمشروع أقلمة العراق الذي أشارت إليه النصوص الدستورية الآنفة الذكر، وبعد عام (2010) انطلقت دعوات مهمة من التيارات السياسية، وبعض التيارات الاجتماعية في المناطق السنية، مطالبةً بإقليم خاص للمكون السني في العراق، احتجاجًا على سياسات التهميش، والإقصاء التي تمارسها الحكومات المتعاقبة اتجاه المكون السني، كما ترى الجهات المطالبة بالإقليم السني.
وإزاء هذه الدعوات، هنالك بعض السيناريوهات المتوقعة تتعلق بإقامة الإقليم السني في العراق من عدمه، وهي كالآتي:
السيناريو الأول: استحالة إقامة الإقليم السني في العراق على المدى المتوسط، والبعيد؛ وذلك راجع إلى العوامل الآتية:
أولًا: العوامل الداخلية، وتتعلق بما يلي:
1- عدم توفر المستلزمات الضرورية لإقامة الإقليم، من ناحية جهوزية البنى التحتية، والمرافق الحيوية، والمؤسسات اللازمة، فضلًا عن عدم توفر الموارد الاقتصادية اللازمة، ومن ثم فإن الثروات الطبيعية التي تضمها أرض المحافظات السنية غير مستثمرة.
2- سيكولوجية الشخصية السنية الاجتماعية التي ترفض تكوين الإقليم، فالأمر يتعلق بوحدة العراق، وكذلك فإنها تخشى من أن تذكر كتب التاريخ للأجيال القادمة، أنها كانت سببًا في تقسيم العراق، وهنا لا نتحدث عن الإقليم، بوصفه تقسيمًا للعراق؛ وإنما ربما وبعد سنوات سيكون البداية للتقسيم بعد استكمال المقومات التي ينبغي توفرها للدويلة الوليدة، ونتحدث هنا عن مقومات أمنية، سياسية، واقتصادية، واجتماعية.
3- تركيبة القاعدة الاجتماعية للإقليم السني المفترض، وهي ذات طابع عشائري، بالتالي ربما نكون إزاء صراعًا عشائريًا على رئاسة الإقليم، لا يخلو هذا الصراع من الطابع الدموي على اعتبار أن كل عشيرة تفكر بأنها الأغلبية في الإقليم، ويحق لها الاستحواذ على مؤسسات الإقليم، وهياكله الإدارية.
4- التداخل الجغرافي بين المحافظات، التي تروم تكوين الإقليم، وتقسيماتها الإدارية مع المحافظات الأخرى تحول دون إقامته، وذلك بسبب التداخل الجغرافي بين محافظة الأنبار، وكربلاء، وبين نينوى، وأربيل، وصلاح الدين، مع بغداد، وفي حالة قيام هذا الإقليم، ربما يؤدي ذلك إلى نشوب نزاعٍ حدوديٍ، يؤدي في النهاية إلى احتراب داخلي، يحمل مضامين وأبعادًا عشائرية.
ثانيًا: العوامل الخارجية، وهي كالآتي:
1- ترفض الدول الإقليمية، لا سيما تركيا، وإيران، إقامة إقليم سني لتعارضه مع مصالحها الإستراتيجية؛ إذ أن التكوين الاجتماعي لهذه الفواعل متنوعة، بالتالي تخشى من وجود إقليمٍ سنيٍ في العراق، ربما يدفع إلى إثارة تكويناتها الاجتماعية المتنوعة، إلى المطالبة بالحكم الذاتي، أو الإقليم، لا سيما تلك التي ستنطلق من الكرد القاطنين في كلا البلدين، ولذلك رأينا كيف أن كلتا الدولتين وقفتا، بالضد من استفتاء إقليم كردستان في عام (2017)، ونجحت في إفشاله بالتعاون مع الحكومة العراقية إبان عهد رئيس مجلس الوزراء السابق حيدر العبادي.
2- وهنا نتحدث عن الفاعل الدولي كالولايات المتحدة الأمريكية، التي لا ترغب بإقامة الاقليم السني؛ إلا أنها تدفع باتجاه المطالبة بالإقليم، كورقة ضغط على الفاعل السياسي الشيعي من أجل الاستجابة للمصالح الأمريكية في العراق، والعمل على حمايتها؛ لأنها تعلم جيدًا، أن الفاعل الشيعي لن يسمح بإقامة إقليم يقوم على أساسٍ مذهبيٍ أو قومي.
أما السيناريو الثاني: إقامة الإقليم السني على المدى القريب
في الواقع تعمل بعض الأطراف السياسية الداخلية في المحافظات السنية على الترويج، والمطالبة بالإقليم، وربما تستعد للعمل على اتخاذ خطوات عملية في هذه الاتجاه، إلا أنها ننتظر إقامة انتخابات مجالس المحافظات، والفوز بأغلبية المقاعد؛ من أجل العمل على تقديم طلب الإقليم، وتدعم هذا التوجه دولتان خليجيتان وهما: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، إلا أنهما تختلفان في الهدف من وراء الإقليم، ونحن هنا نتحدث عن غاية الدعم في إطار التحليل، وليس بالدليل .
فالمملكة العربية السعودية موقفها متأرجح بين الموافقة على الإقليم السني من عدمهِ، ففي إطار الموافقة، تعمل على اقامة إقليمٍ سنيٍ مؤقت تقتضيه مصالحها الإستراتيجية، الراغبة بإيقاف التمدد الايراني عبر حلفاءها المحليين من سُنّة العراق. وتخشى المملكة أنه في حالة نشوب الحرب مع إيران؛ ستكون في مرمى الصواريخ الإيرانية، فهي ترغب بإقليم مؤقت لحين انتفاء الخطر المحدق بها، لذا تجد في الإقليم موقعًا دفاعيًا يحمي أراضيها، أو ربما تريد الضغط على إيران لتتخلى عن سياساتها العدائية حسبما يصرح فيه مسؤولو المملكة.
أما الإمارات العربية المتحدة، التي تيقنت أن طموحاتها الإقليمية في المنطقة أخذت لا تتناسب مع إمكانياتها الجيوسياسية، فهي تريد إدامة الرفاه الاقتصادي الذي تتمتع به، وهذا لا يكون إلا عن طريق البحث عن مناطق جيوسياسية لمد نفوذها إليها، وهذا النفوذ بدأت ملامحه في مناطق الثقل السني التي تتواجد فيها مواقع اقتصادية، وقواعد اجتماعية ملائمة لنفوذها، وهذا النفوذ بدأ جنوب اليمن، عندما دخلتها القوات العسكرية، وعملت على تدريب، وتسليح فصائل يمنية متحالفة معها، تتبنى فكرة استقلال اليمن الجنوبي لغرض السيطرة على باب المندب، ولذا تتبنى الإمارات العربية المتحدة فكرة الإقليم السني في العراق؛ لما يحتويه هذا الإقليم المفترض من ثروات اقتصادية وموقع جغرافي مهم، ربما يسهم في إدامة الرفاه الاقتصادي لها، وفي ذات الوقت يحقق لها مشاريعها الإقليمية.
‎2020-‎01-‎25