ثورة العشرين الثانية في العراق!

بغداد: عادل الجبوري.
قبل مائة عام، قاد عدد من علماء الدين وشيوخ العشائر ثورة شاملة في العراق ضد الاستعمار البريطاني، شاركت فيها شرائح وفئات ونخب اجتماعية مختلفة، واعتبرت تلك الثورة نقطة تحول كبرى في مسيرة ومسار الدولة العراقية الحديثة. وهي – اي الثورة- رغم أنها لم تنهِ وتطوِ صفحة الاستعمار البريطاني بالكامل، الا أنها نجحت في فرض واقع جديد لم يكن ساسة بريطانيا العظمى حينذاك يريدونه ويرغبون فيه.
ولعل ثورة العشرين كانت واحدة من بين أبرز عوامل انكسار وانحسار عظمة بريطانيا وقوتها ونفوذها الاقليمي والدولي. ومن يبحث في الخلفيات والمقدمات ويحلل ابعادها ومضامينها على ضوء النتائج والمعطيات المتحصلة، يجد أن مفردات المقاومة والارادة والوطنية، كانت حاضرة بقوة، حيث مثلت مفاتيح التحول والتغيير، وان بدا ذلك التحول والتغيير في بعض الاحيان بطيئا ومتعثرا ومتلكئاً.
عموم المؤرخين والساسة والكتاب، العراقيين والبريطانيين وغيرهم، وان اختلفوا في سرد وقائع وتفاصيل الثورة، الا أنهم اتفقوا وتوافقوا، ولو ضمنيًا، على حقيقة مفادها أن الارادة الوطنية العراقية بإطارها العام الشامل نجحت أيما نجاح في كسر هيبة وسطوة وعنجهية بريطانيا العظمى بصورة غير مسبوقة.
واذا صحت مقولة ان التاريخ يعيد نفسه، فإن الثورة التي راحت تتبلور وتتضح صورتها حاليًا ضد الاحتلال الاميركي للعراق، يمكن أن نطلق عليها ثورة العشرين الثانية.
فرغم مرور مائة عام، حفلت بالكثير من التحولات والمتغيرات العالمية الكبرى بمختلف الصعد والمستويات والمجالات، الا أن هناك أوجه شبه كبيرة بين صورة الأمس البعيد في العراق وصورة اليوم، تؤشر الى أن نتائج ومعطيات ثورة العشرين الثانية يمكن أن تكون أفضل وأكثر وقعًا من نتائج ومعطيات ثورة العشرين الأولى.
يوم الجمعة، الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني – يناير الجاري، ستتبلور صورة الموقف الوطني الرافض للاحتلال الاميركي، عبر الحشود المليونية المرتقب خروجها في العاصمة بغداد.
واذا اعتبرنا أن مليونية الجمعة، أو ما أطلق عليها مليونية طرد المحتل، أو مليونية السيادة، تمثل الموقف الشعبي العراقي حيال الوجود الاميركي في البلاد، فإن الموقف السياسي كان قد اتضح جليًا في الخامس من الشهر الجاري، بتصويت مجلس النواب العراقي على قرار يلزم الحكومة بإخراج القوات الاميركية من البلاد، هذا فضلا عما صرح به رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عدة مرات بهذا الشأن، واعلانه عن الشروع بخطوات عملية واضحة لانجاز ذلك الاستحقاق الوطني التاريخي الكبير.
الثورة التي راحت تتبلور وتتضح صورتها حاليًا ضد الاحتلال الاميركي للعراق، يمكن أن نطلق عليها ثورة العشرين الثانية
ولا نبتعد عن الواقع كثيرًا، حينما نعد تظاهرة الجمعة بأنها بداية النهاية للوجود الأجنبي، أي نقطة الانطلاق والشروع العملية والمؤثرة باتجاه انهاء الاحتلال وتصحيح الواقع السلبي الخاطئ بصورة حقيقية وفعلية.
ولا يمكن لأحد أن يتجاهل جملة حقائق مؤلمة عن الاحتلال الاميركي في العراق طيلة الأعوام السبع عشرة المنصرمة، لعل من بينها اغراق البلد في كم كبير من الأزمات والمشاكل السياسية والامنية والاقتصادية المعقدة والشائكة، وجلب التنظيمات الارهابية اليه، وتأجيج الفتن الطائفية والقومية والمذهبية، وعرقلة اية خطوة نحو النهوض والتقدم الى الامام، وتدمير وتخريب البنى التحتية والمنشآت الحيوية، والاكثر من ذلك الاصرار على البقاء رغم المطالب والدعوات المتتابعة للخروج والمغادرة.
أضف الى ذلك، فإن واشنطن سعت طوال الوقت الى فرض ارادتها على القرار الوطني العراقي في المستويات والمفاصل العليا، في ذات الوقت الذي تحركت فيه عبر مختلف الوسائل والأدوات والأساليب لتمرير وتكريس حالة التشضي والانقسام المجتمعي والسياسي والمناطقي والجغرافي، والاساءة والتجاوز والتعدي على الرموز الدينية والوطنية، كالمرجعية الدينية والحشد الشعبي.
وكل ذلك خلّف أعدادا كبيرة من الضحايا المدنيين، وخسائر مادية هائلة، وفوضى وغيابًا فاضحًا للامن والاستقرار في كثير من الاحيان.
وطبيعي أن هذا وغيره، يعد مبررا كافيا لتفجير ثورة كبرى عارمة ضد الاميركيين ومن يقف وراءهم ويدعمهم ويساندهم.
ولعل الأمين العام لحركة عصائب اهل الحق الشيخ قيس الخزعلي، قد أصاب الحقيقة وشخص الواقع حينما قال “ان أمريكا رفضت وترفض قرار البرلمان والحكومة، وبلدنا الان يعيش مرحلة احتلال، والمقاومون بأعلى الجهوزية، وان يوم الجمعة المقبل سيكون يوم الدفاع عن السيادة ويوم ثورة العشرين الثانية”.
حتى تكون الرؤية واضحة وواقعية، فإنه من الخطأ افتراض وتوقع أن الخروج الاميركي من العراق سيكون سهلا ويسيرا وقريبا، لان هناك حسابات ومصالح، ومعادلات وتوازنات تحكم المنطقة وليس العراق فحسب، أطرافها قوى دولية واقليمية ومحلية، وكل بحسب ثقله وتأثيره وحضوره. بيد أن الحراك السياسي والشعبي (والعسكري اذا اضطر الأمر) العراقي، لا سيما بعد اغتيال كل من نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، وقائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد الدولي مطلع شهر كانون الثاني-يناير الجاري، يمكن ان يساهم الى حد كبير في بلورة وتنضيج حقائق جديدة، قد لا تروق لساسة واشنطن، لكنهم سوف يتعاملون معها وفق قاعدة (مرغم اخاك لا بطل)،. هذه الحقائق، وان كان من الصعب تلمس وتشخيص كل خطوطها ومعالمها وملامحها، الا انها اغلب الظن ستكون محرجة ومربكة وعسيرة على الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها واصدقائها، خصوصا مع اتساع دائرة مشروع انهاء الوجود الاميركي ليتجاوز الجغرافيا العراقية الى المساحات الاقليمية الاوسع والابعد، كما لوحت بذلك طهران وبعض اصدقائها وحلفائها قبل بضعة ايام.
‎2020-‎01-‎24