سلطة لا تقيم العدل لا حاجة لها !

 

صباح علي الشاهر

 

إمتهان الكرامة البشرية شيء لا يُبرر مهما كانت الأسباب.. لست ممن يرى أنه لايجوز أعدام القاتل بذريعة إنسانية، فأنا من المؤمنين بـ ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.)، وأرى في هذا قمة الإنسانية والتحضر، إذ ليس من الإنسانية ترك أعداء الإنسانية يحتطبون البشر دونما سبب، ولا ذنب أو جريرة، ولست ممن يزعمون أن الرحمة فوق العدل، إذ لا شيء فوق العدل، العدل قيمة عليا، لا تدانيها قيمة،  ليس العدل أساس الملك فقط، إنما هو أساس الحياة التي تستحق أن تُعاش، الرحمة تأتي بعد إحلال العدل، ولا يمكن أن تكون عوضاً عنه، العدل هو الرحمة، كل الرحمة، أما اللعب بالكلمات فهو تبرير للجريمة وتسويغ لها في أسوء الأحوال، أو خلط ينتاب بعض الذين يقعون بالشكلانية وعبودية الشعارات في أحسنها.

إعدام القتلة إجراء منصف، ليس لأنه قد يحول دون تكرار الجريمة، وليس لأنه يأخذ حق المغدور من الغادر، وإنما لأنه عدل، ولكن إنزال العقاب العادل بالقتلة لا يبيح إمتهان آدميتهم، قبل وأثناء وبعد تنفيذ القصاص بهم .

يؤلمني تصرف بعض الصبيان بعد إمساك الإرهابيين، كضربهم وسبهم، وركلهم والبصاق عليهم، ترى ما نفع هذا؟

الإرهابي طوّق جسمه بالحزام الناسف، وهو ذاهب ليفجر نفسه، فهل يهتم للركلة والبصاق في وجهه. أنه مُغيب كلياً، مسلوب العقل والإرادة، إلا إرادة الموت التي ستعجل لقاءه بالحور العين!

المقاتل الذي يأسر إنتحاري بطل، لكن المقاتل الذي يمتهن إنسانية أسير جبان رعديد.

إن الدعوة إلى الإمتناع عن إمتهان كرامة الإنسان، في أي وضع هو فيه، لا تعني التساهل مع المجرمين، الذين ينبغي تقديمهم بالجرم المشهود والأدلة الثبوتية إلى القضاء العادل ليقول فيهم قولته، دونما تسويف أو مماطلة، أو تأخير، وإنما تعني إحترام إنسانيتنا أولاً، وعدم الوقوع فيما وقع فيه الإرهاب من عدم إعتبار لإنسانية الإنسان .

عندما لا يأخذ العدل طريقه، خصوصاً في بلد كالعراق، تجاوز عدد ضحايا العنف العشوائي فيه نفوس دول، ولا يتم إنزال الجزاء العادل بمقترفي الجرائم البشعة، التي تستفز كل ضمير حي، فإن الحديث عن الرحمة يصبح لغواً، ولعلنا لا نبتعد كثيراً عن التوصيف الحقيقي عندما نقول يضحى هذا الفعل بمرتبة التواطؤ مع الجريمة والمجرمين، إن الإستشهاد بدول مستقرة تحترم كرامة الإنسان، ويطيع مواطنوها القانون، وتنحصر الجريمة فيها إما بسبب الخلل العقلي، أو الخروج عن الحالة الإنسانية السوية لمختلف الأسباب، ومقارنة وضع هذه الدول ببلد كالعراق الذي عاث فيه الأرهاب دماراً ، وتفاقمت فيه الجريمة لدرجة صادمة، حتى لأكثر الضمائر قسوة وبلادة، بلد يتلاعب المجرمون فيه برؤوس الضحايا تلاعبهم بكرات القدم، ويحصدون الضاحايا أنّى كانوا، في السوق أو المدرسة، في الجامع أو المستشفى، من دونما تفريق بين طفل أو شيخ، صبية أم صبي، رضيع أم رضيعة، أصحاء أم مرضى، عقلاء أم مجانين، إن مثل هكذا مقارنات بالإضافة إلى كونها باطلة فهي ظالمة، تعمى إنسانيتها عن رؤية لحم الضحايا المهروس، وتنفتح بأوسع الحدقات على المجرمين الذين ينبغي أن لا يطالهم القانون، خشية أن يكون مُسيس، حتى لكأن لا ضحايا ولا دماء في العراق، فهل الموت العراقي بسبب الطاعون أم الكوليرا، أم بفعل فاعلين ينبغي أن ينالوا عقابهم؟!

عندما لا ينال المجرم العقاب الذي يستحقه، والذي يتناسب مع درجة إجرامه، فإننا سنجد بالضرورة، وكتحصيل حاصل صور نأباها، ولا نرضاها، عندها لن نشاهد صور إذلال الأسرى فقط، وإنما سنرى الجرائم البشعة المقابلة، التي قد لا تختلف عما يعرضه الإرهاب من صور، مع صرخات الثأر.

لقد إغتيل العدل فماتت الرحمة، هذه متلازمة، عدل يستولد رحمة، ورحمة بعد إشاعة عدل، وانعدام العدل يغير المعادلة كلياً، ويجعلنا جميعاً في مرتبة ما دون الإنسان، لذا فليس من حق أحد، بما فيهم رئيس الجمهورية، إبطال العدالة، وعدم إيقاع العقاب المُستحق بالجناة، إنه في هذه الحالة سيضع نفسه بإزاء مئات آلاف الضحايا، وملايين المكلومين بفقد أحبابهم، من الزوجات والأمهات، الأبناء والبنات، الأخوة والأخوات، إضافة لمئات آلاف المعطوبين والمقعدين، وهذا أمر لا يجوز لأي مسؤول عدم أخذه بعين الإعتبار، وإلا وضع نفسه خارج الآم الشعب الذي يمثله.

أن وصول الفرد إلى قناعة بانعدام العدل يؤدي إلى كوارث لا أول لها ولا آخر، منها أن يمنح البعض لنفسه حق إنزال العقاب بالمجرم، وبالشكل الذي يرتأيه، وبما يتماشى مع وعية وثقافته، ونمط تفكيره، وإذ لم يعد ثمة من يثق بالعدل، ولا بإنزال العقاب العادل بالمجرمين، فإنه في هذه الحالة لم تعد ثمة حاجة للسلطة، فالسلطة العاجزة عن إقامة العدل، رغم أنها تحتكر القوة والقمع بحكم القانون، لا حاجة لها ولا مبرر لوجودها، ستنشأ بإزائها سلطات أخرى، سمها ما شئت، ستحتكر كل منها حق إنزال العقاب على المجرمين، وبهذا لا تعود القوة، ولا القمع حكراً على السلطة التي ستكون قد تخلت طوعاً عن أهم إختصاصاتها.

إذا كنتم لا تقيمون العدل، ولا تنزلون القصاص العادل بالقتلة، فلا حاجة لنا بكم .

‏19‏/06‏/2015