الدين وركنهُ التاسع في مواجهة الإرهاب الصهيوني

 

د. عمر ظاهر


لا ينبغي لنا أبدا أن نتطير من الحديث في الدين وكأن الدين موضوع تاريخي فقد أهميته، وصار لزاما علينا أن نضعه على الرفوف. ذلك، لعمري، موقف صبياني يفتقر إلى النضوج الفكري، وإلى القدرة على تشخيص عناصر الواقع الإنساني، واتخاذ مواقف عقلانية منها.

الدين عنصر هام في وجودنا، شئنا ذلك أو كرهنا، ومهما اختلفنا حول صحة استخدامه، وممارسته، والانغماس فيه، أو كون أي شكل من أشكال الانشغال به مضيعة للجهود وللوقت.

لا بد للنخب المثقفة في هذه الأمة من إعطاء الدين حقه من النقاش، والجدال لأن الإعراض عن ذلك يترك الأمر للجهلة، والمشعوذين، وتجار السياسة، وأيضا لتجار الحروب ليستغلوه أبشع استغلال، ويرتكبوا باسمه جرائم يندى لها جبين الإنسانية.

 

إذا استنكفت النخب المثقفة عن التحدث في الدين فهذا لا يعني أن الآخرين أيضا سيكفون عن الانشغال به، والخوض في متاهاته. على العكس، فالدين ملازم للحياة الاجتماعية، وملتصق بوجود الناس، إنما يتأجج الحديث فيه طورا على حين غرة، ثم يخفت تدريجيا، لكنه لن يختفي أبدا. حديث الناس في الدين يمكن أن يكون بطريقتين، إما أن يتحدثوا عنه بهدف وضعه في مكانه في حياتهم، أو يتحدثوا فيه ليروا مكان حياتهم فيه.

والفارق بين الطريقتين كبير وجوهري. إنه الفارق نفسه بين حالتين في حياة المجتمعات، الأولى يكون فيها الناس منهمكين في البناء والتطوير، ولهذا فهم لديهم مئة مسألة ومسألة ذات أهمية لحياتهم في الحاضر والمستقبل، والثانية يكون فيها الناس في وضع خواء ، ومعاناة مع بنى حياتهم، ولا يكون هناك ما يمكن الحديث فيه بقصد التطوير والتحسين.

في المجتمعات التي تتمتع بوضع سياسي مستقر في ظل دولة قوية، يجد الناس أنفسهم بصورة عادية يناقشون، ويجادلون، ويبنون نشاطاتهم السياسية حول أمور العمل والبطالة، والأجور، والتقاعد، والضمان الصحي، والمدارس، ودور العجزة، والطرق والمواصلات، وأسعار المواد الغذائية، ومشاكل السكن، والترفيه، والمساواة بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات، والبرامج التربوية، وعشرات الأمور التي تستدعي نقاشا، وجدالا، وكفاحا يوميا ليضمن الناس لأنفسهم أو للطبقة الاجتماعية التي ينتمون إليها ما هو أفضل، وهنا يكون الحديث عن الدين للبحث في مكانه بين تلك المشاكل وحلولها. وبالمقابل نجد في المجتمعات التي توقفت فيها الحياة الطبيعية، وتعثرت خطط التنمية والتطوير، وصار الموت والفساد هما الكابوس الذي يعيش الناس في ظله، كالعراق مثلا، أن الحديث في الدين يتخلل كل نشاطات الحياة بشكل سوريالي. وهنا يكون الحديث في الدين بقصد تحديد مكان الحياة المدمرة في ملكوته، ولا يكون هناك حديث في غيره.

 

وبينما نجد أن الدين والحديث عنه في الحالة الأولى لهما مكان عقلاني في سير الحياة الاجتماعية، فإنهما يمكن أن يصبحا في الحالة الثانية سلاحا ماضيا، ليس لإعادة البناء، بل لتدمير ما تبقى من بناء الماضي، وذلك عندما يستخدمان بشكل إجرامي من قبل الذين قاموا بأنفسهم بالتدمير.

ليس خافيا على أحد أن الأمريكان بدؤوا بتدمير الحياة في العراق منذ عام 1991 بإفقار العراقيين، وتجويعهم، وإيصالهم إلى حالة اليأس من رفع العقوبات، ثم بتدمير البنى التحتية للمجتمع العراقي، ومن ثم غزو البلد، وإشعال نار الفتنة الطائفية فيه، وأخيرا بتدشين مشروع داعش الإجرامي.

في ظل الأوضاع المأساوية التي يعيشها العراقيون منذ أكثر من ربع قرن أصبح الدين أكبر من الحياة نفسها، وصارت الحياة في خدمة الدين، بينما الدين هو أصلا عنصر من عناصر الحياة، ووجوده هو لخدمة الحياة والإنسان.

هنا يدور الحديث كله عما هو حلال وما هو حرام، وعن أمور يخجل الإنسان حتى من ذكرها، ثم يصل الأمر حدا من السوء تحل فيه الفتاوى المقرفة محل القانون، بل ومحل العقل.هل يمكن أن يصل انحطاط العقل (مهزلته بتعبير المرحوم علي الوردي) حدا أكبر من إصدار فتاوى تحرم بيع خضروات معينة مع غيرها، مثلا الخيار مع الطماطم؟

 

هذه الحال الأخيرة تزداد سوءً بإعراض النخب المثقفة بشكل عام عن الخوض في الدين، وتفضيل الثرثرة في التنظير السياسي، والأدهى من ذلك فعل ذلك على أساس أن السياسة أرقى من الدين، وأنها هي وحدها طريق التغيير، بينما نحن نرى بوضوح كيف تختلط السياسة بالدين بشكل مأساوي ليأتيا على ما تبقى من مظاهر الحياة، في العراق مثلا.

هذا الإعراض من قبل النخب المثقفة عن تناول الدين بجدية كعنصر أساسي في حياة المجتمع يترك الساحة للدجالين الذين يرتزقون على الفتاوى، والخزعبلات، وينشرون الجهل عن طبيعة الدين أولا وعن الحياة ثانيا، ويؤدي إلى بروز تيار آخر من المرتزقة يتطفلون بدورهم على معاداة الدين تحت راية العلمانية، وهؤلاء ليسوا أقل شرا من دجالي الفتاوى، بل هم الوجه الآخر لأولئك الدجالين حيث ينطلقون أيضا من الجهل المطبق، والفقر الفكري المدقع في هجوم على الدين أقل ما يقال عنه أنه لا أخلاقي، وعبثي، ويصب في مصلحة من يستخدمون الدين كوسيلة لاستعباد الناس.

إن الإعراض عن تناول الدين بالجدية اللازمة هو عدم المقاومة للمشاريع الهدامة القادمة من وراء الحدود لنشر الفرقة والبغضاء بين الناس عن طريق نشر الأكاذيب عن الأديان والمذاهب وعلاقتها بالحياة.

 

ينبغي للنخب المثقفة في هذه الأمة التقدم، وإلقاء الخجل من الدين جانبا، والحديث فيه – في الدين عامة، وليس الإسلام وحده، من منطلقات عقلانية ، ومن منظور اجتماعي/مجتمعي بهدف نشر الوعي، ووضع الدين في مكانه الحقيقي في الحياة كعنصر إيجابي، ودفع الناس إلى المبادرة إلى إعادة البناء، والثقة بالحياة وبالتقدم والتطور، وبحتمية عودة الأمان والسلام والحياة الطبيعية إلى ربوع بلداننا.

 

الدين ليس خزعبلات، وقتلا، وقطع رؤوس، وسبي نساء كما يطيب للمتطفلين عليه من مرضى العقول والنفوس أن يجعلوه؛ وليس مجموعة من الخرافات كما يزعم بعض صبيان العلمانية. الأديان المعروفة لنا تقوم أساسا على ما لا يقل عن تسعة أركان رئيسية هي: أولا) الإيمان؛ ثانيا) الطقوس، الجماعية والفردية؛ ثالثا) وجود نصوص مقدسة؛ رابعا) وجود تفسيرات للنصوص المقدسة؛ خامسا) قيام تشريعات على أساس تفسيرات النصوص المقدسة؛ سادسا) اللغة التي يستخدمها الدين لنشر مفاهيمه؛ سابعا) نشوء ثقافة يدخل فيها الدين؛ ثامنا) تيارات سياسية تستخدم الدين؛ تاسعا) هوية دينية نتيجة التنشئة في وسط يسود فيه الدين.

 

وبهذا فإن الدين ليس ظاهرة عابرة في حياة البشرية، أو ظاهرة ترتبط بالماضي، وبسيادة الجهل والأمية في عالم الإنسان البدائي.

على العكس فإن الدين نشأ أصلا كاستجابة لنشوء الوعي لدى الإنسان بالعالم المحيط به فقدم أجوبة عن الأسئلة الوجودية التي صارت تشغله، وهذه الأجوبة تطورت على مر العصور، وتوالى ظهور الأديان في المجتمعات البشرية حتى اكتسب الدين صفة شمولية فأصبح أحد القواسم المشتركة بين كل تلك المجتمعات، إذ ليس هناك مجتمع إنساني إلا وهو يدين بدين ما.

ونظرة إلى هذه الأركان التي يقوم عليها الدين ستوحي لنا أن الدين هو عامل أساسي في نشوء المجتمعات المنظمة تنظيما اجتماعيا، هذا إن لم يثبت تاريخيا أن النظام الاجتماعي الإنساني قام أساسا حول الدين. هل يمكن لأي فكر، في الوقت الحاضر، بما في ذلك الفكر العلماني،  أن يبني نظاما اجتماعيا يقوم على أركان غير هذه الأركان التسعة؟

 

في عصرنا هذا لم يعد الايمان بالخالق، أو المدبر، أو أي تشخيص للقوة التي تتحكم بالوجود عامة والحياة خاصة، أمرا مرتبطا بشكل مطلق بالانتماء إلى دين معين، فقد أصبح الايمان بذلك الخالق أو المدبر من عدمه مرتبطا، إضافة إلى الاعتقاد الموروث، بالتقدم العلمي، وبتكنولوجيا المعلومات، وبما توفرانه من أدلة ومؤشرات على طبيعة الوجود والحياة.

نحن نعيش في زمن تقدمت فيه العلوم في مختلف المجالات بشكل خارق، وتوفرت لنا فيه معلومات خرافية في حجمها عن كل ما حولنا، والذين يمكنهم الوصول إلى هذه المعلومات أو إلى جزء كبير منها لهم انتماءات دينية مختلفة، ولكن ليس مستغربا أن يبدأ قسم كبير منهم بالايمان بالداروينية في النشوء والارتقاء، أو بالمصادفة المحضة في نشوء الحياة، أو بقوة واعية وراء كل شيء دون أن يتخلى الواحد منهم عن انتمائه الديني، أو عن الخضوع لكل أو بعض الأركان الثمانية الأخرى التي يقوم عليها الدين الذي ينتمي إليه.

الايمان من عدمه لم يعد مرتبطا بالانتماء إلى دين معين، ولكن يبقى الايمان نفسه مفهوما دينيا لأن الدين هو صاحب براءة اختراعه. وغير هذا فإن الأديان هي التي وفرت قوالب، وأطر، ومفردات للتعبير عن قبول الايمان أو رفضه، فقد يقرأ أحد المسلمين المتمردين على فكرة وجود {الله} كتبا عن الكون، والمجرات، والثقوب السوداء، وعن احتمالات وجود الحياة في أماكن أخرى في الكون، ويصاب بالذهول، ويشعر أن الوجود ليس عبثا، وعندما يريد التعبير عن ذلك الذهول وذلك الشعور يردد في نفسه {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ..}، او أنه يقرأ أصل الأنواع لشارلس داروين وما شابه، ويلمس النظام الفكري العلمي الدقيق في تقديم فكرة نشوء الحياة من خلايا استغرق تكونها وتطورها مليارات السنين، فيضحك في نفسه مستهزءً بقصة خلق آدم وحواء، إلخ.

إن العلوم وتكنولوجيا المعلومات توفر لنا فرصا جديدة لاتخاذ موقف من المسائل الوجودية، لكنها لا تقدم إجابات جديدة عن الأسئلة الوجودية، وليس بإمكانها تحرير الإنسان من الأطر التي حددها الدين من عشرات آلاف السنين للتفكر في الوجود.

 

وكل الأديان تفرض على أتباعها طقوسا. وفي تتبعنا لتطور الأديان نجد حصول طفرة جوهرية من الطقوس التي كانت ترتبط بالأديان البدائية، ومنها تقديم الضحايا البشرية إلى الآلهة، إلى ممارسة طقوس تحمل معان إنسانية، ولها وظائف اجتماعية وسياسية أيضا.

على مستوى جماعي يمكن أن نقول إن الطقوس وظيفتها إدخال تنظيم في حياة الجماعة، وتوحيدها حول ممارسات تقوم بها بشكل جماعي، وبوتيرة منتظمة.

خذ مثلا الصلاة في الإسلام. إنه يكاد أن يكون خالق أمة واحدة من أمم لها مقومات مجتمعية مختلفة لكنها تؤدي جميعا خمس مرات في اليوم وفي أوقات محددة نفس "الحركات" البدنية مقرونة بنفس المحتوى الروحي. نكاد نتجرأ على القول أن مثل هذه الطقوس التي بدأت قبل آلاف السنين، ربما مع نشوء اليهودية، كانت تشير إلى وعي جديد بالزمن، وإلى توزيع جديد للوقت بين العمل والنشاطات الإنسانية الأخرى.

في الإسلام، مثلا، يتوزع جدول أداء الصلاة على الوقت الذي يمكن أن يكون الإنسان فيه نشطا ويتمتع بالحيوية، وربما يكون تثبيت وقت أول صلاة، صلاة الفجر، أمرا غير اعتباطي، فهو يجعل اليوم يبدأ في وقت مبكر جدا.

ونظام الصلاة هو في الحقيقة نظام وقت العمل. ولو سمحنا لأنفسنا بالقفز مباشرة إلى العصر الحديث، الصناعي، نجد أن المجتمع الصناعي له طقوسه أيضا، وهذه الطقوس مرتبطة تحديدا بنظام العمل. وهذه الطقوس هي التي تنظم المجتمع الصناعي. في الصباح الباكر يستيقظ ملايين الناس في كل مكان ليؤدوا النشاط نفسه: تحضير الأطفال للذهاب إلى الروضة أو المدرسة، ثم الحضور إلى مكان العمل في وقت محدد، ثم العمل إلى وقت الغداء حيث هناك نصف ساعة استراحة، ثم مواصلة العمل حتى وقت محدد، ثم الخروج من العمل وأخذ الأطفال من الروضة أو المدرسة، وإعداد طعام، أو صلاة، العشاء.

لا نخطئ إن قلنا أن تنظيم الوقت في المجتمع الصناعي يدين بدقته، وبإمكانية تطبيقه إلى ممارسة الإنسان للطقوس الدينية عبر آلاف السنين، تلك الطقوس التي ربت الإنسان، مثلا، على النهوض مبكرا، وعلى الالتزام بجدول زمني في أدائها. نكرر القول أن الدين ساهم في تنظيم الحياة الاجتماعية، هذا إن لن يكن النظام الاجتماعي قد قام أصلا حول الدين.

 

وغني عن القول أن الطقوس كأداة للتنظيم يمكن في الحقيقة أن تكون سلاحا سياسيا، ويمكن أن تكون في استخدامها كأداة تنظيم إشكالات جانبية، فالناس لا يجتمعون دائما لأداء الصلاة في الجامع، بل تزحف السياسة إلى التجمع من حيث لا يدري، عبر خطيب مفوه، ومشاكل يعيشها الناس، فنرى أن أداة تنظيم حياة الجماعة يمكن أن تستخدم كأداة لتنظيم جماعات ضمن الجماعة الواحدة، فتصبح بذلك أداة تفريق، وتشتيت وليس فقط أداة جمع وتنظيم. وهذا نلاحظه بنفس الطريقة في أماكن العمل، فالناس لا يأتون إلى هناك فقط للعمل، بل إن التجمع يوفر فرصة لتكوين تنظيمات ضمن الجماعة، الأحزاب، ومعروف أن الفكر الشيوعي، مثلا، يراهن كثيرا على وجود طبقة عاملة تنتظم في أماكن عمل تضم المئات أو الآلاف منهم، وهناك يمكن أن ينثر الفكر الشيوعي بذرته، ويشكل حزبا شيوعيا، بل قد تتشكل منظمات متصارعة فيهما بينها.

 

الطقوس الدينية لم تقتصر وظيفتها على الجماعة وحدها، بل ونزلت إلى مستوى الفرد لإدخال النظام في حياته. ومرة أخرى نأخذ الصلاة كمثل، فهي تدخل النظام والتنظيم في حياة الفرد عبر تنشئة روحية ترتبط بأدائها. ولكن مع أن هذه تفتح أمام الفرد آفاقا للتطور الروحي الذاتي حتى بعيدا عن الجماعة، إلا أن ذلك يمكن أن ينقلب إلى العكس، فتصبح إقامة الصلاة مجرد عادة قسرية يؤديها الفرد إما لتعوده على القيام بها، أو لخوفه، من الله، من عدم القيام بها. وغير ذلك، يمكن لأداء الطقوس بشكل عام أن يؤدي عكس الوظيفة المطلوبة منه، فيصبح الصوم والصلاة والحج قناعا مجتمعيا يخفي وراءه النفاق والدجل، والتحايل على الناس.

 

بطبيعة الحال فإن الطقوس التي تنشأ في المجتمعات الحديثة تتعارض في نقاط عديدة مع الطقوس الدينية إلا أنها ما تزال عاجزة عن الحلول محلها، ويحصل بدلا من ذلك تداخل بين نظامي الطقوس، الديني والعملي، الأمر الذي لا يخلو من إشكالات خاصة عندما ينتقل الفرد أو مجموعة أفراد من مجتمعات ما تزال تقيم اعتبارا كبيرا لنظام الطقوس الدينية إلى مجتمعات لها نظام طقوس جديد.

خذ مثلا بسيطا، فالعامل في بلد صناعي ينتظر بفارغ الصبر حلول الوقت الذي سيتمتع فيه بإجازته الطويلة، ويخطط لسفرة سياحية داخل بلده أو خارجه، بينما يريد المسلم المتمسك بطقوسه الاستفادة من تلك الإجازة لأداء الحج، وفي السنة التي بعدها لأداء العمرة!

 

كل نظم الأفكار لها نصوص مقدسة، الشيوعية، مثلا، رأس المال، والديمقراطيات الدساتير، وهي لا تقل في نظر أتباعها عن قدسية النصوص الدينية لدى المؤمنين بها. العقدة الكبرى والإشكالية الجدية في النصوص الدينية المقدسة هي أنها تنزيل أو وحي إلى البشر، وبلغات البشر، وهي بهذا تُفترض أن تكون معرضة لكل الإشكاليات المتعلقة باللغة، وفي مقدمتها، طبعا، الفهم والتفسير. وهنا من الصعب أن نعترض على الفكرة القائلة بأن معنى، أو معاني، أي نص، بما في ذلك النص الديني المقدس، ليس له وجود موضوعي، بل إن هذا المعنى يعتمد على من يقرأ النص، فمن يقرؤون النص، أي نص، يختلف كل واحد منهم عن الآخر اختلافات كبيرة تنعكس على فهم كل منهم لمعنى النص. وهذه الاختلافات متعددة، وقد تكون في سعة المعرفة، وفي العمر، وفي الوضع الاجتماعي، وفي التمكن من اللغة، بل وحتى في الغاية من قراءة النص، ناهيك عن الاختلاف في المكان والزمان، وتغير أو تطور معاني مفردات اللغة واستخداماتها.

ويختلف الفرد الواحد حتى عن نفسه في فهم النصوص نفسها بين مرحلة وأخرى من عمره، وتوسع معرفته، واكتسابه تجارب الحياة، وتحرره من تأثيرات الآخرين. هذا يعني شيئا خطيرا، ألا وهو أن عدد تفسيرات النص الواحد يمكن أن يكون بقدر، أو حتى أكثر من، عدد الذين يقرؤون هذا النص. وإلى أين يؤدي هذا؟ ببساطة، أليس اختلاف التفسير هو السبب وراء وجود المذاهب المختلفة ضمن الدين الواحد؟ نعم، المذاهب المختلفة تقوم على أساس الفهم المختلف لنفس النصوص. 

ولكن واقعيا ليس كل تفسير مقبولا أو نافذا أو له قيمة، فتفسير النصوص الدينية حكر على أفراد معينين، وهناك ضوابط لمن يُسمح له بالتفسير وتكوين المذاهب. نتساءل: من الذي وضع هذه الضوابط؟ بنظرة بسيطة إلى تاريخ الإسلام، مثلا، نجد أن المذاهب نشأت في زمن غير بعيد عن زمن نزول الوحي، حيث لم تكن هناك من سلطة تضع الضوابط، أو تمنع الفهم المختلف.

وكلما ابتعدنا عن زمن النزول صار تقديم تفسير جديد، وتكوين مذهب جديد أصعب وأصعب، لماذا؟ أحد الأسباب المهمة هو أن المذاهب الأولى اكتسبت صفة الشرعية ضمن الدين الواحد، وصارت تشكل السلطة التي تضع الضوابط، وتعيق الفهم المختلف. صارت محاولات إنشاء مذاهب جديدة توصم بكل ما يضعها، من قبل المذاهب القديمة، خارج الإطار الشرعي للدين. لا نذهب بعيدا، ففي الإسلام تعتبر البهائية، وكذلك الأحمدية، انحرافا عن الإسلام. هذا أمر طبيعي لأن الفرعين تأخرا كثيرا في الظهور، وجاءا بفهم وتفسير مختلفين عما تتقبله المذاهب التي اعتبر كل منها نفسه هو الدين القويم وليس مجرد مذهب.

ماذا عن الوهابية؟ إنها وكل الفروع المتلفعة بعباءة السلفية تحاول أن تكون وريثة تلك السلطة القمعية القديمة. وهناك تفسيرات للنصوص القرآنية وُصمت أيضا بالخروج عن الإسلام مع أنها لم تتأخر كثيرا في الظهور بعد ثبات أقدام المذاهب الإسلامية الأربعة، أعني الصوفية التي اعتبرت، وما تزال، انحرافا عن الإسلام القويم، وتُحارب بمختلف الوسائل.

 

على أن المسألة الأهم في النصوص الدينية هي كونها مصدرا للتشريع في المجتمعات التي تدين بدين ما (لا غرابة فالنصوص المقدسة للنظم الفكرية الأخرى هي أيضا مصدر للتشريع). هكذا كانت بالنسبة إلى الإسلام، مثلا، على مدى مئات السنين، وفي كل دولهِ.

والتشريع مرتبط بالتفسير، والتفسيرات المختلفة للنص الديني تعني تشريعات مختلفة تساهم مع مرور الزمن ليس في توسيع الإطار الفكري للدين الواحد، بل في خلق اختلافات وخلافات سياسية. نتفهم هنا الرأي القائل أن اعتماد النصوص المقدسة كأساس للتشريع يحمل بذور تقسيم خطير للمجتمع، فالتشريع ضمن الدين الواحد يكتسب في آخر المطاف صفة مذهبية، وليس دينية شاملة أصلا، ناهيك عن الغبن القانوني الذي يحصل، دون أدنى شك، بحق مواطنين في نفس المجتمع يدينون بأديان أخرى. ولا ينفع في مثل هذه الحال الادعاء بأن هذا الدين أو ذاك يمكن أن يرضي أهل الكتاب أو غيرهم بضمان حقوقهم، طالما أنه يعجز عن إرضاء أتباع مذاهب مختلفة ضمن الدين نفسه.

 

هناك اليوم حديث عن العلمانية والقوانين المدنية والمجتمع المدني. من المضحك أن بعض "المثقفين" العرب لديه تصور عن العلمانية بأنها تزيل الدين، وترميه في البحر، أو على الأقل تطوي صفحته في الحياة، وتضعه على الرف. ما يجب التشديد عليه في هذا الحديث هو أن الدول، أو المجتمعات العلمانية، لا تعطل من الأركان التسعة للدين إلا ركنا واحدا هو اتخاذ النصوص الدينية المقدسة كمصدر رسمي للتشريع، فهي لا تحارب الإيمان، ولا الطقوس، ولا تعترض على التفسير كما يشاء من يفسر، ولا تعادي الثقافة الدينية أو تمنعها، ولا تحظر الأحزاب الدينية التي تستخدم في الحقيقة الدين كسلاح سياسي. وكذلك فإن المجتمعات العلمانية، حتى المتطرفة منها، مثل البلدان الاسكندنافية، لم تتخل عن هويتها الدينية، المسيحية.

 

ونضيف إلى ذلك أنه مع كون التشريع في البلدان العلمانية مدنيا يستند إلى الدستور، وإلى ما يمرره البرلمان من قوانين يوافق عليها ممثلو الشعب، فليس هناك حجر على القوانين التي قد تنسجم مع التشريع على أساس النصوص المقدسة.

في النرويج، مثلا، يناقش موضوع منع الدعارة، الأمر الذي ينسجم مع تعاليم المسيحية والإسلام. ومثال آخر، ففي الإسلام يقر نص ديني صريح {… حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين …} (لقمان: 14) أن الأم ترضع طفلها لسنتين. متطلبات المجتمع الصناعي الذي يريد من المرأة العاملة العودة بسرعة إلى مكان عملها بعد الوضع يستخف بمثل هذه "الخرافة"، ويرى أن الحليب الصناعي يعوض عن حليب الأم.

ما يقوله العلم الآن عن رضاعة الطفل، وأن سنتين من الرضاعة من الأم لا تعوض بشيء آخر قد يطلق جدلا حول قانون إجازة الأمومة. لا يستبعد، عندما يتخلى الرأسماليون عن جشعهم، أن يأتي يوم تصبح فيه إجازة الأمومة سنتين، كما يوحي بعقلانيته نص قرآني.

 

أما فيما يتعلق باللغة الدينية، فلا نحتاج إلى الانغماس في النظريات المتعلقة باللغة، وبعلاقتها بالفكر وبالثقافة، إنما نختار في الحديث عن ركن اللغة في الدين الانطلاق من بديهية لا نختلف عليها، ألا وهي أن النصوص المقدسة استخدمت في صياغتها لغة القوم الذين نزل الوحي بالنصوص المقدسة بين ظهرانيهم. القرآن الكريم ولد (أو بالأصح أنزل) في بحر اللغة العربية، ويزعم بعض الناس أن بضع كلمات وردت فيه لها أصل أعجمي.

ولكنْ ماذا حصل للغة العربية والثقافة والفكر المرتبطين بها بعد أن فرض القرآن الكريم نفسه ككتاب مبين؟ إنه غيّر بشكل جذري استخدامات اللغة العربية، وأطلق تأثيرا لا يقاوم على الثقافة المرتبطة بها، وكذلك على طريقة التفكير. لا نقول إنه غيّر الثقافة والعقلية (طريقة التفكير) لأن التغيير المطلق مستحيل، بدليل أننا ما نزال حتى اليوم، بعد أربعة عشر قرنا من نزول الوحي، نلمس طرقا في التفكير وأنماطا ثقافية عند العرب كانت سائدة في زمن ما قبل الوحي. لكننا لا نخطئ عندما نقول إن القرآن أطلق تأثيرا، وأدخل تغييرا جذريا في الفكر وفي الثقافة.

وإنه فعل كل ذلك من خلال تغيير استخدامات مفردات اللغة، وإدخالها في صياغات  تضرب جذورها عميقة في فكر الناس وثقافتهم. لنأخذ مثالا في منتهى البساطة. خذ، مثلا، عبارة "إن شاء الله" التي دخلت في الاستخدام اللغوي من الآية الكريمة {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله …} (الكهف: 23 و24). نحن نعرف أن هذه العبارة غدت في الثقافة الإسلامية، والعربية أولا، ما تكاد أن تكون واحدة من معرّفات هذه الثقافة – يطلق بعض الغربيين على ثقافتنا عبارة "ثقافة إن شاء الله".

ولا مكان هنا لمناقشة مسألة ما يضع كل عربي وكل مسلم في العبارة من معنى، ولكن المعنى الغالب في استخدام العبارة، الذي لا يتفق إطلاقا مع ما أريد منها، هو تغليب السلبية، والغموض حول المستقبل، ومحاولة إلقاء مسؤولية التقاعس عن الفعل على مشيئة {الله}. وعلى هذا المنوال يمكن أن نقيس مئات الصياغات التي أدخل القرآن الكريم مفردات العربية فيها بحيث أن لغتنا العربية أصبحت إلى حد بعيد أسيرة الصياغات القرآنية، فنحن ندخل هذه الصياغات في كل مجالات أحاديثنا.

هل هذه مشكلة؟ لا، إلا على مستويين، الأول هو اختلاف فهمنا وبالتالي عدم اتفاقنا على تفسير هذه الصياغات، والثاني هو أننا نحشر هذه الصياغات في كل السياقات، مناسبة أو غير مناسبة، ونفرغها من معانيها بنفس طريقة إفراغ الطقوس من معانيها، فتصبح لغتنا الدينية مجرد عادة نخاف التخلص منها، وتمنعنا مرارا من التعامل مع أمور الحياة بلغة واضحة وملموسة بعيدا عن التجريد الذي تتصف به الصياغات القرآنية.

 

لنعطي مثالا عن هذه الإشكالية. هناك عطل في سيارتك، فتأخذها إلى ميكانيكي أوروبي، وتشرح له الأمر فيقول لك إن الأمر قد يكون هذا أو ذاك، ولو كان هذا فإنه بسيط ولا يكلف تصليحه كثيرا، ولكن لو كان ذاك فإن الكلفة تكبر وذلك للحاجة إلى تغيير قطع غيار غالية، أو إضافية. تسأله هل يمكن أن يتصل بك بعد أن يفحص السيارة ويخبرك عن الكلفة كي تقدر إن كنت راغبا في التصليح. يقول نعم.

وعندما يتصل بك، وتعلم أن الكلفة مناسبة تطلب منه إجراء التصليح، وتسأل متى ينتهي ذلك فيقول، مثلا، في الساعة الثالثة. تذهب في الساعة الثالثة إلى الورشة وتجد سيارتك جاهزة، والفاتورة التي أخبرك عنها بانتظارك. تشكره، وتودعه بعبارة "مع السلامة". لا تسمع خلال هذه العملية من البداية حتى النهاية لا كلمة "الله"، ولا "المسيح" أو "بولس، أو "يوحنا،، أو مريم العذراء، أو الانجيل. ما علاقة كل هؤلاء بتصليح سيارة؟

 

خذ السيارة بدلا من ذلك إلى ميكانيكي عربي. ربما ستعرف أول ما تعرف أنه سيأتي بعد قليل لأنه يصلي في الداخل، وعندما يأتي تدعو له أنت أن يتقبل الله صلاته، ثم يدور الحديث عن السيارة فتسمع منه عبارة "إن شاء الله"، وعبارة "بارك الله فيك" عشر مرات، وإن عرف أن اسمك عمر ستنفتح شهيته لشتم الشيعة حتى توقفه عند حده، ويأخذك في جولة بين الأحاديث، وما قال الرسول وما قال الصحابة، وما قالت السيدة عائشة، وينتقد العرب والمسلمين ببضع آيات من القرآن عن الأعراب والمنافقين، ولن يعطيك موعدا محددا للانتهاء من التصليح، ولا تقديرا للكلفة، فهنا تحديدا "الله أعلم". وتتصل به في آخر النهار فيخبرك عن أعطال في السيارة لم يكتب له الله سبحانه وتعالى تصليحها جميعا فتأجل بعضها إلى يوم غد إن شاء الله.

وعندما تأتي أخيرا لاستلام سيارتك ستسمع أغلظ أنواع القسم بالله وبالرسول والقرآن، وهو يصدمك بالكلفة، بأنه لا يأخذ أجرة يديه لأنه أحبك في الله لكون اسمك عمر، بل هي كلفة قطع الغيار. لا تعرف هل أنت في ورشة لتصليح السيارات أم في مسجد، ولكن تعرف بكل تأكيد أن هذه هي المرة الأخيرة التي تزور فيها هذه الورشة المسجد.

 

في المجتمعات العلمانية يتربى الأطفال في المدارس على استخدام لغة عملية فيها لكل شيء اسم أو كلمة تستخدمها بوضوح، فلا تقحم في الحديث عن شيء أية كلمة لا علاقة لها بالموضوع. اللغة الدينية ليست ممنوعة، وتستخدم في الكنيسة، وفي دروس الدين، وفي المؤسسات الدينية، بل وفي الأوساط الدينية بكثافة، ولكن لا تستخدم في تصليح السيارات، ولا في دائرة الضرائب، ولا عندما يوقفك شرطي المرور لارتكابك مخالفة مرورية، مثلا، ولا عندما تتبرع للمناطق المنكوبة في العالم فأنت تتبرع لأن إنسانا آخر في حاجة إلى مساعدتك، وليس لأنك تريد أن "تكسب الثواب".

 

ليس المقصود من هذا الإيحاء بأن استخدام اللغة الدينية ظاهرة تقتصر على الفئات الأقل تعليما مثل ميكانيكي السيارات. هذه ظاهرة عامة نلمسها على كل المستويات، وبدرجات متفاوتة – أيضا كاتب هذه السطور مشمول بذلك. وقد يتمكن بعض الناس من إخفاء انغماسهم في اللغة الدينية في خطاباتهم المكتوبة، لكنهم لا يستطيعون فعل الشيء نفسه في التواصل الشفهي في الحياة اليومية.

 

على أن ما يعطي أهمية الدين في الحياة الإنسانية عامة صفة الشمولية هو الركن التاسع، الهوية، فالدين يدخل كعنصر أساسي في هوية كل شخص ينشأ فيه، سواء أكان مؤمنا أو لم يكن، يمارس الطقوس أو لا، يحترم النصوص المقدسة أو لا، منغمس في اللغة الدينية أو متحرر منها، متمسك بالثقافة الدينية أو متمرد عليها، يساري الهوى في السياسة أو يميني. لأن الإنسان يولد في دين فإن الدين يدخل كعنصر في هويته.

  يتبع

2015/6/19