“الدم والعثمانية الجديدة”!
أحمد الدرزي.
لا تشكل سياسة الدم صفة خاصة بالدولة التركية بنظامها السياسي الحالي، بل هي سياسة عامة لغالبية الدول، إن كان في التاريخ القديم، أم في التاريخ المعاصر، ولكن ما يميز النظام السياسي التركي الحالي هو إعادة الربط التاريخي مع الدولة العثمانية، والتي انهارت في بدايات القرن الماضي، نتيجةً للتآكل الداخلي من جهة، وبفعل التدخل الغربي الواسع والعنيف في المنطقة.
على الرغم من محاولات مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال للقطع مع كل التاريخ السابق للدولة العثمانية، فإن سياسة الدم لم تغب كلياً عن الجمهورية الجديدة، وقد استخدمت بشكل واسع أثناء التأسيس الجديد للجمهورية، وفِي ضرب الثورات التي تحركت لمحاولة الإنسلاخ عن الإطار العام للدولة الجديدة، وهذا ما حصل لثورة الشيخ سعيد بيران في جنوب شرق تركيا عام ١٩٢٦ م، ومع ذلك فإن أتاتورك استطاع خلال فترة حياته السيطرة على مسارات السياسة الداخلية والخارجية لتركيا، وغابت سياسة الدم عن العمل في قسر حركة المجتمع التركي المتنوع، وقد استمرت هذه السياسة بشكلها المنخفض إلى منتصف الثمانينات، بعد اندلاع المواجهات مع حزب العمال الكردستاني، والتي شكلت خطراً على بقاء الدولة ، واحتمال تقسيمها، مما دفع لعودة هذه السياسة بشكل واسع وعنيف، وهذاأدى لموت آلاف الضحايا من المدنيين في المناطق ذات الكثافة الكردية العالية في جنوب شرق تركيا، وتدمير مئات القرى، ونزوح عشرات الآلاف من سكانها باتجاه وسط وغرب الأناضول، وباتجاه المدن الساحلية، بالإضافة إلى مدينة إستنبول.
مع مجيء حزب العدالة والتنمية ارتفعت سوية الآمال في المنطقة العربية بشكل خاص، وخاصةً بعد أن تم توزير أستاذ العلوم السياسية أحمد داؤود أوغلو، وتسليمه مقاليد السياسة الخارجية، وهو صاحب كتاب العمق الإستراتيجي، بتأكيد واضح لتبني سياسات جديدة للإدارة التركية، تعتمد على إعادة بناء المجال الحيوي لتركيا في محيطها الإقليمي، اعتماداً على سياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار، وإعادة بناء علاقات إيجابية مبنية على التعاون المشترك الثنائي، وترافق ذلك مع نمو اقتصادي كبير جعل من تركيا ضمن مجموعة القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، وتتصدر المركز السابع عشر في مجموعة العشرين خلال بضعة سنوات، وهذا ما جعل منها مركزاً جاذباً، ونموذجاً للنجاح والتوليف بين قيم الديمقراطية والإسلام السياسي، مما عزز الصورة الإيجابية لدى شعوب المنطقة، وفُتحت لها الأبواب رسمياً وشعبياً في أغلب دول المنطقة، وخاصةً في سوريا التي وصلت بأحوال العلاقة بين البلدين إلى درجة تقليص دور الحدود الفاصلة بين الدولتين إلى حد تسهيل عمليات التبادل التجاري والثقافي والاجتماعي والسياحي أقل بكثير من أية دولة عربية، وأصبح الانتقال بين البلدين سهلاً جداً، إلى درجة أن تنبأ السوريون بإزالة كل الحواجز الحدودية بين الطرفين، وأن تتحول العلاقة بين البلدين على شاكلة دول الاتحاد الأوروبي.
مع اندلاع ما يسمى الربيع العربي، والذي فتح أبواب جهنم على دول شمال إفريقيا، ومن ثم الانتقال إلى سوريا، على أيدي الإسلاميين، وخاصةً تنظيم الإخوان المسلمين، تحول موقف السياسة التركية وبخطوة متسرعة، استباقاً للتحولات، واحتواءً للقوى الإسلامية التي أظهرت أغلبها ولاءً مطلقاً لأنقرة، ووضع جميع إمكانياتها في خدمة المشروع الأميركي، الذي تم الإعلان عنه في خطاب القاهرة للرئيس الأميركي أوباما عام ٢٠٠٩، وهو الخطاب الذي حمل بطياته إشارة البدء والتحضير لهذا الربيع الدامي، وقد ظهر دور الإدارة التركية بهذا المشروع من البداية، وفِي صدمة للسوريين بالذات كان الإنقلاب على العلاقات بين البلدين، وخاصةً على مستوى قياداتهما، والذهاب بعيداً في دعم المجموعات المسلحة الإرهابية، والتي قامت بأول مجزرة لمفرزة الأمن العسكري في جسر الشغور، وذهب ضحيتها مائة وعشرون ضحية من رجال الأمن والشرطة، في الرابع من حزيران يونيو عام ٢٠١١، وتتابعت الأعمال الإرهابية في المناطق السورية، وظهرت مجموعات مسلحة بتسميات متعددة، وبدعم من دولٍ خليجية، وخاصةً من قطر، ومن بعدها المملكة العربية السعودية، ولكن تبقى الإدارة التركية هي المسؤول الأول عن دعمها وبنسبة تتجاوز الالسبعين بالمائة، وخاصةً أنها تمتلك حدوداً كبيرة مع سوريا تصل لأكثر من تسع مائة كم، بالإضافة لنفوذ سياسي كبير، يستند لأرضية التجييش الديني الواسع على سكان المناطق الكثيفة السكان في المناطق الشمالية من سوريا.
في استعادة لأحلام الدولة العثمانية لجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكل الوسائل المتاحة بين يديه لتحقيق انبعاث إمبراطوري جديد، ومن خارج سياق الزمن الذي أنهى بنى الدولة القديمة، ومع ذلك فقد كان لابد للحلم أن يتحقق حتى هذه اللحظة، وهذا ما نجده في التصريحات اليومية للرئيس التركي الذي يريد أن يحول بلده إلى دولة عظمى، تبسط سيطرتها على وسط أوروبا إلى حدود ڤيينا، وغرب آسيا وشمال إفريقيا والبحر الأحمر ودول الخليج، والسيطرة على مقدرات هذه المناطق، بالإضافة إلى تحوله إلى حاكماً مطلقاً فيها، وذهب بدرجة تمثل للتاريخ العثماني إلى أن يوقت الأحداث بطريقة تتطابق مع التاريخ العثماني، وهذا ما فعله في احتلال منطقة جرابلس شمال شوق حلب، حيث لم يبدأ الاحتلال إلا بتاريخ ٢٤آب أغسطس ٢٠١٦، وبما يتوافق مع مرور خمس مائة عام من معركة دابق، التي انتصر فيها العثمانيون على المماليك في نفس الفترة، وحتى التنظيمات الإرهابية نحت بهذا الاتجاه، كما فعل تنظيم الدولة الإسلامية الذي أصدر مجلة فاخرة بعنوان دابق إحياءً للمعركة، ودلالة على الارتباط بالمشروع العثماني الجديد، ويعتبر السلطان سليم الأول الذي اجتاح سوريا ومصر في عامي ١٥١٦ و١٥١٧ الأب الروحي للرئيس التركي، على الرغم من سياسات الدم التي اتبعها هذا السلطان، وقضى بموجبها على أبيه وأخوته وأخواته وجميع عائلته، منعاً من تهديدات منافسته على السلطة، وهو بالتالي لا يجد غضاضة لاتباع سياسة الدم لإرهاب أعدائه كما يتصور، وقد مورست هذه السياسة بشكل واسع في الأراضي السورية، وخاصةً تنظيمات الجيش الحر، وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، ونور الدين زنكي، ولَم يكتفي بهؤلاء فأتى بالإيغوريين والأوزبك والشيشانيين، وبتعاون واسع مع الاستخبارات الأمريكية، وأصبحت سياسة الدم بقطع الرؤوس، وبتر الأعضاء، والإحراق للضحايا الأحياء، ممنهجة لإرهاب السوريين على أيدي سوريين تابعون له، من أجل تحقيق الأحلام الشخصية.
خسرت تركيا باتباع قيادتها للأساليب الخشنة في مد نفوذها خسارة كبيرة، وخاصة في ظل تحولات دولية أتاحت لها فرصة لأن تكون قوة إقليمية عظمى مطلوبة ومرغوبة من شعوب المنطقة، وهي لو استطاعت أن تبقى في مسار القوة الناعمة لاستطاعت إنجاز أهدافها على أرضية التعاون بين الشعوب، وكان بإمكانها أن تقود المنطقة في إطار منظومة إقليمية مبنية على أساس التعاون والشراكة، ولكن كشفها لمخطط الاستفراد بالمنطقة دفع بها بعيداً، ولتتحول من سياسة صفر مشاكل مع دول الجوار إلى سياسة صفر سلام، وهذا ما أدخل المنطقة في مزيد من الصراعات التي مازالت تعمل عليها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ليس من خيار أمام الإدارة التركية إلا العودة بتركيا إلى إطارها الإقليمي الكبير المبني على التعاون والشراكة، وترك الطموحات الاتاريخية المبنية على أساس ديني ممزوج بعمق قومي، ففي ذلك خلاصها وخلاصنا جميعاً.
طبيب وباحث سياسي
‎2020-‎01-20