تفاصيل صغيرة في الثورات الكبيرة!
محمود فنون.
إن حظ فلسطين تحت الإحتلال بعد عام 1967م كان بائسا وفقيرا للكادر العسكري المجرّب ولذلك ظل العمل العسكري في مقاومة الإحتلال أقرب إلى المرجلة المعمقة بالجرأة والحقد على العدو والرغبة في إدماءه.
في عام 1967 م تمكنت الجبهة الشعبية مثلا من تشكيل إطار عسكري مدعوم بعسكريين حصلوا على التدريب العسكري في الكليات العسكرية والدورات العسكرية ومنهم ضباط وضباط صف وجنود في جيوش أخرى أو جيش التحرير الفلسطيني .
هذا حصل فعلا ولكن تجربتهم انقرضت في نهاية العام وبداية عام 1968 وظلت الجبهة الشعبية في الأرض المحتلة معدمة الكادر العسكري وهذا عكس نفسه ضعفا وبساطة على الأداء المقاوم وهذا بالرغم من الإستعداد العالي جدا عند الكادر التنظيمي المحلي والرغبة العميقة في الإنضمام للمنظمة العسكرية وهي فقيرة بالسلاح وبالكادر العسكري المقيم والمنظم والقادر على دعم الحراك الشعبي بالنار تخطيطا وهجوما وانسحابا .
إن اشتعال العنف الثوري في فلسطين المحتلة لم يرتكز على معطيات متوفرة اصلا في المجتمع الفلسطيني بل إن صيرورة الصراع هي التي انتجت الكادرات بكل تلاوينها ومستوياتها عبر عملية جدلية ، ولكن العدو كان يتمكن من قهرها. وأول ما يكتشف الخيط ، كان ميدان التحقيق له وحده ما عدا استثناءات فيضرب التجربة كلها ، يضربها كلها , كلها .
فالفدائي كان تضحويا ومهاجما ومقاتلا في المعركة التي يخوضها ، ثم يتمكن العدو من قهره في أقبية التحقيق مما يمكن العدو من القضاء على تواصل العمل العسكري واستمراريته. ولم تتمكن الثورة الفلسطينية من التفوق على العدو هنا .هذا مع العلم أن المجتمع ظل قادرا على تعويض القوى البشرية ولكن الطرائق المتبعة كانت بسيطة ومن خلال الاستعدادت العفوية للناس غير المزودين بالتاهيل العسكري ولا بالتأهيل الضروري جدا للصمود في التحقيق و هناك نجاحات صغيرة وبطولية .
وبالإطلاع على تجربة الأنصار الذين قاوموا الإحتلال النازي للاتحاد السوفييتي ببسالة عالية ونتائج جدية ، كان الأمر مختلفا .
فالقيادة كانت تغرف من المجتمع جنرالات وضباط مؤهلين من مختلف الرتب وتنظم منهم التشكيلات بكافة تكويناتها اللازمة وتزودهم بالسلاح والعتاد اللازم وتُعدهم بكل الاشكال وتدفع بهم إلى الميادين ، وتتوفر لهم إمكانية التدريب والتنظيم والتعويض.
فالكادر العسكري موجود حيث كان التجنيد الإجباري بالإضافة إلى الخدمة في الجيش ، وبالإضافة إلى توفر معسكرات التدريب بالدرجة اللازمة وتوفر العمل الإستخباري الذي يتابع وجود وتحركات الألمان في المناطق المحتلة . لقد كانت حرب الأنصار خلف خطوط العدو بمثابة حرب موازية وشديدة الأهمية وعالية النتائج ، ذلك ان البنية التحتية اللازمة متوفرة في المجنمع بالقدر اللازم ويزيد .
وفي الثورة الفيتنامية كان الأمر كذلك فهناك دولة فيتنام الشمالية وطاقاتها البشرية وإمكانية تأمين مقاتلين بالجاهزية اللازمة وهناك أمثلة كثيرة على توفر إمكانيات المقاومة المسلحة بما مكن الثوار من الإنتصار.
هذا كان موجودا في جميع البلدان التي تعرضت للغزو بشكل أو بآخر .
عندما انطلقت المقاومة العسكرية في العراق بعد غزوها مباشرة عام 2003م تميزت هذه الإنطلاقة بتوفر العدد الكافي من الكادرات العسكرية عالية التأهيل وتوفر العدد الكافي من المقاتلين وبرؤيا عسكرية للمقاومة المسلحة ومارست دورها بالرغم من انكسار الحالة المجتمعية وخلق أجواء عدائية هائلة للنظام العراقي وصلت إلى القواعد الشعبية المذهولة مما حصل ،ومن تآمر قوى رجعية عديدة أحياها الإحتلال وأعوانه بما في ذلك استثارة النعرات الجهوية والقومية والمذهبية في داخل المجتمع وتأجيج التحلل الإجتماعي وانصراف القوى السياسية المؤيدة لأمريكا واحتلالها إلى ممارسة دور عدائي ضد المقاومة ،وانغماسها في الفساد والإفساد وخلق حالة من النقمة على تاريخ العراق السابق وعلى شخص صدام حسين بذاته وكل كوادر المجتمع المدني والعسكري معه .
ومع ذلك حققت المقاومة انجازات على صعيد إدماء ودحر الإحتلال العسكري جزئيا دون الوصول إلى طرده “في 4 يوليو 2005 نشرت مجلة نيوز ويك الأمريكية احصاءات مفاده انه في شهر مايو فقط من عام 2005 تعرضت القوات الأمريكية إلى 700 ضربة مسلحة باساليب اكثر تطورا و تعقيدا مما كانت عليه في السابق. لغاية 15 نوفمبر 2005 قتل 2079 جندي امريكي و 97 جندي بريطاني و 103 جنود من دول اخرى ضمن قوات التحالف وتم اصابة 15,568 جندي امريكي بجروح و تخلف او هرب 5,500 جندي امريكي من الخدمة العسكرية.”
إذن بالرغم من كل ظروف العراق بعد الغزو تفجرت مقاومة أدمت العد ودفعته لإعادة الإنتشار مع بقاء كل هيمنته من خلال القوى الصنيعة .
ثم كرس الإحتلال وجوده ونفوذه مع الزمن ، وبخاصة إن فريقا واسعا من العراقيين والنخب السياسية الرجعية والعميلة وكارهي النظام المهزوم استقبلت قوى العدوان الثلاثيني كمحررين ، وكانت ضد المقاومة .وعمل العدو بكل ما لديه لخلق فتن ومصالحات واستعمل العصا والجزرة لوقف العنف العسكري ضده.
فالتربية المجتمعية للشعب العراقي كانت أصلا تتميز برفض الاحتلال ورفض الخنوع ومستعدة للمقاومة بالرغم من خنوع النخب السياسية التي مثلت حالة رجعية وعميلة وفاسدة ومفسدة ومتنافسة على المكاسب والمغانم ، وهذه النخب التابعة للاحتلال وبوصفها من صنعه ارهقت ولا زالت ترهق المجتمع العراقي وتساهم في تمزيقه و تفسخه اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحولته الى مكونات متفسخة ومتناقضة .ومع ذلك فإن العراق لم يخضع لمثل هذه المشيئة ولا زال بحاجة إلى وقفات مراجعة تجيب على الأسئلة الحارقة .
وفي التفاصيل أيضا :
في التجربة الفلسطينية لم تكن قيادة الثورة ( جدلا ) تنظر للداخل باحترام ولفترة طويلة بعين استخدامية فقط .
ولكن استثناء حصل في عام 1974 حينما رفضت قيادة الجبهة الشعبية في الداخل هذا الأمر وناضلت من أجل ان تتشكل للداخل الفلسطيني قيادة مسؤولة بنفسها وتكون جزءا من قيادة الجبهة وهذا لم يكن من حيث الألقاب بل فقط من حيث الصلاحيات والدور والمنزلة .
وما ان ضربت التجربة عام 1976م حتى كاد الوضع أن يعود لما كان عليه إلى ان جرى تثبيته وترسيمه وترسيخه وبالتأكيد في سياق العمل السري .
وتجربة الجبهة بهذه الصورة افرزت انتشار الجبهة التنظيمي والسياسي والجماهيري بشكل واسع وعميق ومتجذر .وشكلت إضافة نوعية بنشر الثقافة التقدمية وخلق مزاج المطالعة والتثقيف الذاتي بالإضافة الى برامج التثقيف الثوري والاشاراكي وحركت نشاط المرأة ودفعتها الى مختلف ميادين النضال واشاعت ثقافة حرية المرأة واستقلاليتها .
ولكن هذا لم يكن حال فتح التي اعتمدت وظلت تعتمد الإتصال الرأسي من الخارج بالمواقع وخطوط العمل وأقامة نقاط قيادة منفصلة في عمان لكل اتصال ولكل من يتصل .
كان يتوجب ترسيخ منظومات عمل سياسي وعسكري قادرة على الهجوم وادماء العدو وقادرة على الدفاع عن نفسها ووجودها وقادرة على الإستمرار لتتحول الى ظاهرة يمكن الإعتماد عليها .
ولكن عندما تسلل ضابطين من فتح إلى الداخل في اواسط السبعينات لم يجدا المنظومة الحاملة التي تستغل مؤهلاتهما وتمكنهما من البناء والعمل والقيادة والصمود بل عملا مباشرة كأي مجموعة وتم كشفهما وضرب التجربة من جذورها ودون تعويض.
أما الجماهير العراقية ضد السيطرة الأجنبية المتمثلة بأمريكا وحلفها الثلاثيني فهي فتستطيع توليد ثورة عارمة خلال زمن قصير . فالحراك الجماهيري القائم والمتوسع هو مناخ مناسب جدا إذا توفرت قيادة ثورية ، ويمكنها إطلاق العنان لثورة مسلحة تعيد توعية وتثقيف الجماهير وتطهير الكثير من العفن فالثورة مطهر ، وتستطيع رفع شعارات تعبوية وتحريضية تعبيء الجماهير وتحشدها لأعلى درجة من الكفاح .إن هذا الأمر وهو ممكن يحتاج إلى رؤية نقدية تعيد صياغة الرواية العراقية لتاريخ العراق الحديث مستفيدة من كل إنجاز حققه الشعب العراقي في العقود العشرة الماضية وبخاصة بعد الإطاحة بالملكية ودراسة علاقات الأحزاب اليسارية والقومية العراقية التي اتصفت بالتنافر ثم الصراع الدموي ودراسة تجربة العلاقة بين حزب البعث والحزب الشيوعي العراقي الذي كان متجذرا في سنوات الخمسينات والستينات ولكن كانت مناكفة مريرة بينه وبين البعث أثناء حكم عبد الكريم قاسم وحكم البعث ولم يتمكن الحزبان على قاعدة الفئوية والصراع أن يجدا أي قاسم مشترك سوى الصراع المرير وكان العراق هو الخاسر الأكبر .
واليوم لا بد من قوى جديدة قادرة على فهم الواقع ومطاليبه وقادرة على صياغة التحالفات تحت شعار جلاء العدو وقادرة على إيجاد قواسم مشتركة لتوحيد العراق وعلى صياغة قواسم مشتركة لبناء العراق وبناء الإشتراكية . وتطهير العراق من حكم المحاصصة والطائفية والفساد.هذا ولكل محطة ومتطلباتها .
وما دمنا في التفاصيل الصغيرة فإن موجبات العملية الثورية تتطلب العمل السري وشبه السري والعلني ويكون العمل السري هو العمود الفقري .
وتتطلب صيانة البنى التنظيمية من ضربات العدو والإعتقالات والتحقيق .
التحقيق الذي تجب مجابهته بصلابة عالية وثوريين محترفين قادرين على تسكير أفواهم وتجميد أي حركة لألسنتهم في غرف التحقيق والسجون.
وهذا يحتاج إلى تربية وتحشيد وتثقيف واستثارة الهمم لأعلى الدرجات .
وأن تكون الرؤيا هي العراق ومستقبل العراق ووحدة العراق وتوحيد العراق في إطار الوطن العربي الكبير وتحريره من الطغم الفاسدة بأولاية أساسية إلى جانب أولوية دحر العدو وهزيمته.
ولنا حديث في التفاصيل الصغيرة
13/1/2020م