لماذا أسقط ترامب تهديداته لإيران بعد صفعة “عين الأسد”؟

محمد أ. الحسيني.

مشهدان أسفرت عنهما حرب الأيام الستة الأميركية – الإيرانية، في أعقاب الجريمة الأمريكية باغتيال اللواء قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس ومرافقيهما في غارة جوية على موكبهما فجر الثالث من كانون الثاني 2020. مشهد ميداني تمثّل بتداعيات ونتائج الصفعة الإيرانية بقصف القاعدتين العسكريتين “عين الأسد” في بغداد وأخرى في أربيل، ومشهد سياسي تمثّل بتغيّر المعادلة على صعيد التمركز الجيوسياسي الاستراتيجي الأمريكي – الإيراني في المنطقة بعد واقعة هذه الحرب التي من المؤكد أن مفاعيلها لم تنتهِ بعد، بل أسّست لانطلاقة جديدة ومنعطف مستجدّ في سياق رسم خارطة المنطقة العربية والخليجية، وعلى صعيد تقييم موازين القوى وتحديد عناصر اتخاذ القرار على مستوى العالم.

في المشهد الميداني
أعلنت وزارة الحرب الأمريكية مسؤوليتها عن جريمة الاغتيال، مؤكدة أنها تمّت بتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، و”الهدف منها ردع أي مخطّط لهجمات إيرانية في المستقبل”. وجاء هذا التصعيد في إطار الاشتباك الأمريكي – الإيراني الذي بدأ منذ إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتشديد الخناق الاقتصادي والمالي والعسكري عليها بسلسلة عقوبات متدرّجة دولةً ومؤسسات وشخصيات، وتدحرج الوضع إلى العراق حيث اقتحمت جموع عراقية أقساماً من مقر السفارة الأمريكية في بغداد، ردّاً على قصف أمريكي استهدف خمسة معسكرات تابعة لكتائب “حزب الله العراق” في سوريا والعراق.
حمّل ترامب إيران المسؤولية عن اقتحام السفارة وتوعّدها بالمحاسبة قائلاً: “هذا ليس تحذيراً لإيران بقدر ما هو تهديد لها”. ولكنه بعد ساعات من اغتيال سليماني، نشر تغريدة جاء فيها: “إيران لم تفز أبداً بالحرب، لكنها لم تخسر التفاوض أبداً”، ناشراً صورة للعلم الأمريكي، وأكّد في خطاب ألقاه من منتجعه في فلوريدا أن قتل سليماني لا يهدف إلى شن حرب، مؤكداً أن إدارته “لا تبحث عن تغيير النظام الإيراني”. في المقابل، عبّرت مواقف القيادات الإيرانية على مختلف مستوياتها العسكرية والأمنية والدينية عن اتجاه محسوم للثأر، وتوعّد الإمام السيد علي الخامنئي “بانتقام مؤلم” وبقطع الوجود الأمريكي في المنطقة، وغرّد بنشر عبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” دون أي تعليق، ما اعتبره محلّلون إيذاناً لردّ أكيد.
ثمة من رجّح أن إيران لم تتوقّع الضربة الأمريكية لأسباب تتعلّق بالحسابات الانتخابية لترامب وعدم تفضيله اعتماد الخيار العسكري في المواجهة مع إيران، فالرجل أبعد الصقور من إدارته وأبرزهم جون بولتون، كما أن شخصيته لا توحي بكاريزما عسكرية بل يفضّل توظيف الضغط الاقتصادي وتوظيفه في لعبة الاستدراج إلى التفاوض والتسوية، وربط هؤلاء هذا الاستنتاج بتغاضي ترامب عن الدعوات السعودية لضرب إيران بعد الهجوم الذي استهدف شركة أرامكو، وعدم الردّ على إسقاط طائرة التجسّس الأمريكية الاستراتيجية في تموز 2019، ولكن هذا التقدير لا يتوافق تماماً مع ما كشفه المحلّل الإسرائيلي في شؤون الاستخبارات رونين برغمان، بأن “اغتيال سليماني بدأ التحضير له قبل 18 شهراً”، فضلاً عن كشف العديد من المحاولات الفاشلة لاغتياله في إيران وفي أي منطقة كان ينتقل إليها في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن.
ردّت إيران بالنار ودمّرت عشرة مواقع في قاعدة “عين الأسد”، وظهرت أطلالها على شاشات المحطات الأمريكية قبل غيرها، في ظلّ موجة ذعر حقيقي من تحوّل المنطقة إلى أتون مشتعل. وكانت الدول والإمارات الخليجية الخائف الأكبر من احتمال تدهور الوضع العسكري باتجاه حرب مفتوحة، وأظهر الردّ – الصفعة فشلاً عسكرياً ذريعاً للقوات الأمريكية، فقبع مئات الجنود في مخابئهم منتظرين انهمار الصواريخ غير القابلة للاعتراض والتي أصابت أهدافها بدقة، وهذا بحدّ ذاته تفوّق مخيف وضعته القيادات العسكرية الإسرائيلية في جدول حساباتها في أي مواجهة مقبلة مع حزب الله، وأكّد هذا المعطى الميداني القدرة الردعية لإيران على مستوى اتخاذ الموقف والتنفيذ والاستهداف الدقيق، وهو ما يجعل القواعد الأميركية والإسرائيلية على حد سواء أهدافاً مكشوفة أمام الصواريخ الإيرانية، انطلاقاً من إيران أو من مناطق أخرى.
في المشهد السياسي
أدّت عملية اغتيال سليماني والمهندس على أرض عراقية إلى تغيير قواعد اللعبة، ولكن ليس وفق المفهوم الأمريكي للتغيير كما قال وزير الحرب مارك إسبر، فإيران لم تؤخر توجيه “الصفعة للأمريكيين” وفق تعبير الإمام الخامنئي، كرد أوّل، وأكّدت استعدادها لفعل كل ما هو ضروري للدفاع عن نفسها وحلفائها تجاه أي اعتداء أمريكي أو غير أمريكي. ولعلّ الانكفاء الأمريكي عن الردّ على الصفعة يمثّل أولى علامات الغلبة الإيرانية على الصلف الأمريكي، وأولى نتائج كسر الخطوط الحمراء التي طالما رفعها الأمريكيون في وجه الخصوم والحلفاء على حد سواء على امتداد الخارطة العالمية.
كسرت ضربة “عين الأسد” الخطوط الحمر الأمريكية وأسقطت هيبة واشنطن
ورأى محلّلون أن مبالغة ترامب في إطلاق المواقف الناريّة المهدّدة التي أعقبت اغتيال سليماني والمهندس بتوجيه ضربات أقوى وأقسى لإيران، لم تكن سوى خطوة استباقية تهدف إلى إثارة أجواء من الهلع والرعب لدى القيادة الإيرانية من جهة، ولدى قيادات الدول العربية والغربية من جهة أخرى، للدفع باتجاه الضغط الدبلوماسي نحو طهران وثنيها عن الردّ للحيلولة دون إشعال المنطقة والعالم، ولكن جاء الردّ الإيراني ليخلق إرباكاً واضحاً في أوساط الإدارة الأمريكية، فسعى ترامب مع قياداته العسكرية والأمنية إلى تظهير خطاب تراجعي خلا من أي موقف تصعيدي كما توعّد سابقاً على مدى خمسة أيام، مبرّراً عدم سقوط أي جندي في القصف الإيراني (أعلن قائد القوة الصاروخية أمير علي حاجي زادة أن القوات الايرانية كانت تهدف إلى ضرب غرف القيادة والمنشآت الأساسية، وكان بإمكانها، لو أرادت، قتل نحو 500 جندي أميركي على الأقل)، بل تضمّن محاولة للتلطّي خلف قوات حلف الناتو الذي دعاه للضلوع بدور أكبر في المنطقة، معلناً فرض عقوبات أشمل على إيران، وختم خطابه “الهزيل”، وفق تقييم غالبية تحليلات الصحف الأمريكية، بتكرار موقفه السابق بأنه لا يريد حرباً مع إيران بل يريد السلام.
أما المعطى إيرانياً على مستوى تغيير معادلة صوغ القرار العالمي فهو إقرار مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران تعديلاً “عاجلاً جداً” اتخذه مجلس الشورى، بالتزامن مع مراسم دفن سليماني، وقبل ساعات على تنفيذ “الصفعة الإيرانية”، قضى بإدراج كافة أعضاء البنتاغون والشركات والمؤسسات التابعة لها، والقادة والمتورطين بالجريمة، والقوات الأميركية المنتشرة في القرن الأفريقي إلى آسيا الوسطى، مروراً بالشرق الأوسط، على لائحة الإرهاب، وبزيادة ميزانية فيلق القدس، وقابل هذه الخطوة أميركياً إطلاق أعضاء جمهوريين وديموقراطيين في الكونغرس نداءً موحّداً طالبوا فيه باحتواء التصعيد العسكري في مواجهة إيران، وتزامن ذلك مع إقرار الكونغرس في إجماع نادر مشروع قرار بشأن سلطات الحرب للحدّ من تصرفات ترامب تجاه إيران.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن واشنطن، باجتياحها العراق وتمركز قواتها على أراضيه إلى جانب انتشارها في الدول العربية والخليجية الأخرى، كرّست واقعاً جيوسياسياً في قلب المنطقة العربية. كما أن الاستهداف الأمريكي لإيران ليس وليد ساعته أو متعلقاً بإجراءات ميدانية آنية، بل يعود إلى أكثر من أربعين عاماً بعد أن قاد الإمام الخميني (قدّس سره) عملية تحويل إيران من محطة أمريكية – إسرائيلية في المنطقة إلى دولة إسلامية قضت مع إسقاط الشاه على الأحلام التوسعية للإمبراطورية الأمريكية، وبالتالي لا يمكن أن تقبل واشنطن بأي حال من الأحوال تغيير هذا الواقع أو المسّ به، ومن غير المنطقي الاعتقاد بأنها في وارد التخلّي عن هذا التمركز بسهولة، وهنا تتمحور القضية الرئيسية التي ركّز عليها الإمام الخامنئي بأن الردّ على اغتيال سليماني لن يكون سوى بإخراج القوات الأمريكية “الإرهابية” من العراق أولاً وتالياً من المنطقة كلها.
وهذا الهدف يشكّل بحدّ ذاته إعلاناً يطلق أجندة متقدّمة لقوى المقاومة ستعمل بشكل حثيث على تنفيذها، وهذا الأمر لن يكون في واقع الحال خطوة أوتوماتيكية، و”ليس عملية واحدة بل مسار طويل”، وفق ما قاله الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، ولكن الإعلان عنه في هذه الأجواء المحتدمة يقابل تغيير قواعد الاشتباك التي خرقها الأمريكي بجريمة اغتيال سليماني والمهندس، وهو ما يفرض استنفاراً أمريكياً بهدف احتواء هذا الهدف، إما عسكرياً وهذا ليس خياراً سهل التطبيق على وقع التجربة الميدانية التي حصلت، أو سياسياً عبر سحب البساط من تحت أقدام الإيرانيين في العراق أولاً، كونه اليوم بات ساحة الحدث الرئيسية في فترة سياسية وأمنية حرجة من تاريخه.
وعليه فإن من أهم نتائج الردّ الإيراني أنه كبح جماح الاستعلاء الأمريكي، والذي يعبّر عنه ترامب بقوة وصلافة، وجعل الرؤوس الحامية في الإدارة الأمريكية تعيد حساباتها في النظر إلى معايير المعادلة السياسية في المنطقة على وقع الميدان العسكري، وهذا ما جعل ترامب وأركان قيادته يحجمون عن الردَ على الصفعة الإيرانية. ولعلّ نائب الرئيس السابق جو بايدن يعبّر عن جانب من هذا الواقع المستجد، فرأى أنّ كل ما حصل في المنطقة من تدهور أمني هو نتيجة مباشرة للانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وقال إن “شعار ترامب أمريكا أولاً تحوّل في الواقع إلى أمريكا أخرى”. يضاف إلى ذلك استطلاع رأي أجرته “بي بي سي نيوز” ونشرته شبكة الـ “سي أن أن” خلص إلى أن غالبية الأمريكيين يعارضون سياسة ترامب ضد إيران، وأن ذلك “يشعرهم بالقلق ويجعلهم أقل أماناً”.
كسرت ضربة “عين الأسد” الخطوط الحمر الأمريكية، وأسقطت هيبة واشنطن في أبعادها السياسية والعسكرية والأمنية، ليس فقط أمام إيران بل أمام أي دولة أخرى، فلم يعد هناك حاجز نفسي يمنع أي جهة أو طرف من ضرب أي هدف أمريكي ممكن في أي زمان وأي مكان، وبالتالي سيفقد الجنود الأميركيون المنتشرون في دول المنطقة توصيفهم كعناصر ردع وتدخّل، وأصبحوا اليوم رهائن متجوّلة، ومهدّدين في أي لحظة بالاستهداف المباشر، وهذا يتطابق تماماً مع السياسة التي اعتمدها حزب الله ميدانياً مع “إسرائيل”، ولا سيما بعد عملية أفيفيم الأخيرة بحيث أصبحت المبادرة بيد المقاومة الإسلامية، وبات كل وجود إسرائيلي على الحدود اللبنانية – الفلسطينية هدفاً محتملاً لصواريخ المقاومة.
‎2020-‎01-‎16