إنه عصر الشعوب .. أيها السادة

 

د. عمر ظاهر


استمتعت كثيرا في الأيام القليلة الماضية بقراءة العديد من المقالات، وعشرات التحليلات، ومئات التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي عن الانتخابات البرلمانية في تركيا، وعن الوضع الجديد في منطقة الشرق الأوسط الذي من المؤمل أن تدشنه هذه الانتخابات بحرمانها حزب العدالة والتنمية من أغلبيته المطلقة في البرلمان، وبقطع الطريق على السيد أردوغان في محاولته تعديل الدستور لتكريس سلطته الشخصية. الحقَ الحقَ أقول إني لم أتوقف كثيرا عند محتوى التحليلات السياسية ومدى صحتها، وواقعيتها، أو ربما المبالغة في تقديراتها.

ما توقفت عنده بشعور عميق بالغبطة والفخر، هو هذا النفس الرائع والجرأة عند الجميع على أن ينسب إلى الشعب التركي فضلا في الانعطافة التي ننتظرها في الشرق الأوسط، خاصة بخصوص دعم الإرهاب في سورية. كل التحليلات خلت من عبارة "السلاجقة" التي كانت تستخدم بكثافة في الحديث عن تركيا كتاريخ، وخلت من تعميم صورة أردوغان وكأنها صورة ثمانين مليون إنسان تركي، بل ركزت كلها على الحاضر، وعلى شعب مارس الديمقراطية، وأنزل ضربته التي سرّ لها الجميع.

أقول إني أشعر بالغبطة لأن تفاؤل الناس في محله، فنحن بحاجة ماسة إلى سماع أصوات الشعوب وهي تقررر مصائرها، وتمد يد العون إلى من حولها أيضا؛ وأشعر بالفخر لأن صوتي – من الأصوات القليلة التي لم تأخذ الشعب التركي بجريرة سياسات أردوغان- قد انتصر انتصارا مدويا في الكفاح الدؤوب من أجل نشر فكرة اتحاد أمم الشرق الأوسط الأربع، العرب، والكرد، والأتراك، والإيرانيين.

 

أردوغان، كما أصررت دائما، هو سياسي كغيره سيذهب هو وسياساته إن عاجلا أو آجلا، ويبقى الشعب التركي شريكنا في اتحادنا القادم بكل مقوماته الحضارية. تمنيت دائما أن لا يضع الناس علامة مساواة بين  الشعوب وبين زعماء جاؤوا إلى السلطة بهذه الطريقة أو تلك فأساؤوا استخدام سلطتهم هنا وهناك، سواء كان ذلك في تركيا، أو في العراق، أو في إيران، أو في كردستان.

تمنيت لو يتمسك كتابنا بحقيقة أن شعوبنا لها أقدار مشتركة رغما عن أنوف الزعماء والقادة. هل هناك من أساء إلى هذه الأقدار أكثر من صدام حسين، ولكن ها نحن والإيرانيون في خندق واحد ضد عدو مشترك.

 

أيها السادة، لقد بدأ الشعب التركي بقول كلمته، ولم ينته منها بعد. وما قاله حتى الآن هو أن هذا العصر هو عصر الشعوب التي تريد بناء الحياة، وضمان كرامة الإنسان، وتحقيق الرفاهية والتقدم للجميع، وليس عصر السلاطين، ولا عصر الامبراطوريات التي تقوم على قهر الشعوب، ونهبها.

وأنا، كإنسان مؤمن بالمصير المشترك لشعوب هذه المنطقة، لي رأي متواضع في هذه الانتخابات وفهم لحيثياتها، ولكني أتبع سياسة ثابتة في كتاباتي تقوم على أساس متين في عدم التدخل في شؤون الشعوب الأخرى والتضامن مع هذا ضد ذاك من القوى المختلفة في كل بلد.

هذه السياسة أتبعها بصرامة حتى فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني الذي تخصنا كل قضاياه لأن قضية فلسطين هي قضيتنا، وقضيتنا الأولى، ولكن خلافات الفلسطينيين وأمورهم الداخلية تبقى من شأنهم وحدهم، ونحن نؤيد الشعب والقضية، ونعرف أن الخارطة السياسية الداخلية في كل بلد تتغير باستمرار. تركيا هي شأن الأتراك. ما يهمنا هو ما تفعله تركيا تجاه سورية وشعبها.

 

لهذا لن أقوم بأية محاولة لإضافة تحليل آخر لهذه الانتخابات ومؤشراتها، وعواقبها. كل ما يعنيني هو أن الشعب التركي قال لشعوب العالم أن العصر هو عصر الشعوب، وهذا هو جوهر الموضوع. لكني لي كلمة أريد أن أقولها بعد أن اهنئ الشعب التركي على ثورته الديمقراطية، وبعد أن أهنئ اسطنبول على سلامتها لأن العمل على إسقاط دمشق كان سيمهد الطريق أمام قوى الشر إلى اسطنبول، فدمشق وبغداد، كما قلت دائما، قلعتان متقدمتان لن يصل إلى اسطنبول أحد إلا بعد أن يسقطهما.

ودمشق لم تسقط، ولن تسقط، ومؤلم لنا أشد الإيلام أن يكون بين من يريد إسقاط دمشق أحد من أهل اسطنبول نفسها. كانت ثقتي بالشعب التركي عميقة بأنه لن يسمح باستمرار ذلك الجهد المدمر مهما كانت الذرائع، وهذه الثقة ليست اعتباطية، بل هي حصيلة معرفة جيدة بطبيعة هذا الشعب، وتوجهات نخبه المتنورة، وبوشائج الأخوة التي تربطنا بعضنا ببعض رغم كل سواد التاريخ، وغرور السلاطين. أقف تحية إجلال لأولئك الأبطال الذين سقطوا شهداء على ظهر سفينة مرمرة في أسطول الحرية من أجل أن يوصلوا الغذاء والدواء إلى أهلنا في غزة. إنهم الوجه الحقيقي للشعب التركي. نحن علمنا الإسلام ألا ننسى فضل من أحسن عملا.

 

هناك أمور كشفتها لنا التجربة الديمقراطية للشعب التركي، أو بالأحرى أكدتها: الديمقراطية ليست خيرا مطلقا، فهي مجرد وسيلة، أو طريقة لوضع السلطة في يد هذا أو ذاك، ويمكن أن يساء استخدامها. نعرف من التاريخ أن جلادا مثل هتلر وصل إلى الحكم في ألمانيا عن طريق الانتخابات الديمقراطية، ونعرف أن جزارين كثر يصلون إلى السلطة حتى في ظل الديمقراطيات الغربية المعاصرة. صحيح أنهم لا يقومون بدور هتلر داخل بلدانهم لكنهم ليسوا أقل وحشية ونازية من هتلر خارج بلدانهم، وجورج بوش في أمريكا، وتوني بلير في بريطانيا، وساركوزي في فرنسا، وأنس فو غاسموسن في الدنمارك أمثلة شاخصة للعيان.

وجود هؤلاء الجزارين لا ينفي صفة الديمقراطية عن الطريقة التي يصلون عبرها إلى الحكم، وفي الوقت نفسه لا تلام الديمقراطية على الثغرات التي فيها والتي تسمح بمرور أمثال هؤلاء إلى السلطة. المشكلة هي أن الإنسان هو في آخر المطاف من يتحكم بالديمقراطية، ولذلك لا يمكن دائما ضمان عدم تأثير الضعف في النفس الإنسانية على العملية الديمقراطية.

 

نعرف من تجربتنا في الديمقراطية في واحد من أعرق بلدانها، الدنمارك، أن ذوي النزعات الهدامة هم أقدر على استغلال الديمقراطية من غيرهم، وهم قادرون حتى على تشويه صورة الديمقراطية. لنأخذ مثلا الحزب اليميني المتطرف هنا والذي يوشك أن يصبح أكبر أحزاب البلاد.

كيف تمكن من تحقيق ذلك؟ ذات مرة، قبل عدة سنوات، سأل بعض الصحفيين وزير الخارجية الدنماركي الأسبق ، أوفه أليمن ينسن، أثناء زيارة له إلى الكويت، إن كان حقا أن عشرين بالمئة من الدنماركيين يؤيدون الحزب "العنصري"، فيصوتون له في الانتخابات، فأجاب أنه لا يعتقد أن عشرين بالمئة من الدنماركيين مجانين. بالفعل، إنهم ليسوا مجانين، لكنهم يصوتون لهذا الحزب، واليوم يصوت له أكثر من عشرين بالمئة، ذلك لأن هذا الحزب يتمتع بمقدرة جيدة على معرفة حاجات الناس فيدخلها في برنامجه، ويقاتل من أجلها؛ فمع أن همه الأساسي هو معاداة الأجانب، ومنع استقبال المزيد منهم في البلد – الأمر الذي ربما تؤيده قلة قليلة من الدنماركيين، إلا أن برنامجه السياسي يتضمن سلسلة من الأهداف التي تتعلق بجوهر الحياة اليومية للناس، مثلا في شؤون الصحة، والتقاعد، والضرائب، ودور العجزة، والتعليم، وهو في كل هذه الأمور يزايد على الأحزاب الأخرى، بما فيها اليسارية. لذلك فإن معظم الذين يعطون أصواتهم لهذا الحزب في الانتخابات ليسوا ممن يعادون الأجانب، بل من الذين يدعمون الحزب في المجالات الأخرى التي تتلكأ فيها بقية الأحزاب.

النتيجة النهائية تكون أن الحزب يكبر، ويكتسب زخما كبيرا، ويحقق شيئا من برامجه، لكنه يستخدم القوة التي يكتسبها بالدرجة الأولى في مجال محاربة الأجانب إذ يصبح تأثيره على سن القوانين تأثيرا كاسحا. إنه حزب يفضل حتى البقاء خارج الحكومة، لكن لا تستطيع أية حكومة، يمينية خاصة، الاستغناء عن دعمه لأي مشروع قانون، فيساوم الآخرون معه على حساب قضايا الأجانب.

وأكثر من هذا فإن النجاحات التي يحققها هذا الحزب تدفع الأحزاب الأخرى، حتى اليسارية، إلى تقليده في نهجه، خاصة تجاه الأجانب، والمزايدة عليه فيما يبدو "عنصرية" بغيضة. لذلك لم نعد نلمس أي فارق بين اليمين واليسار فيما يخص الأجانب أو اللاجئين. وهذا يعود قبل كل شيء إلى ذكاء الحزب اليميني المتطرف الذي يفهم سايكولوجيا اللعبة الديمقراطية أفضل من غيره، ويستخدمها ببراعة. في الديمقراطية أيضا يمكن التلاعب بوعي الناس، وتسييرهم إلى حيث لا يريدون.

 

في العراق لم تكن هناك ديمقراطية في عهد صدام حسين، لكن صدام لو أجرى انتخابات ديمقراطية نزيهة عام 1979 فإنه وحزب البعث كانا سيفوزان بأغلبية مطلقة مع أنهما كانا يواصلان بدأب تصفية كل أثر للديمقراطية. لماذا؟ لأن أفقر فئات الشعب كانت ستصوت لهما.

ألم يجعل صدام مرتب من يتطوع جنديا في الجيش أعلى من مرتب أستاذ في الجامعة؟ من أين كان للمتطوعين المساكين من فقراء جنوب العراق وأمييها أن يدركوا أن صدام كان منهمكا في التحضير لأغبى حرب في التاريخ، وأن تلك المرتبات كانت طُعما لتجميع الحطب لنيران قادسيته المشؤومة؟ أغلب الناس يعطون أصواتهم لمن يلبي حاجاتهم الملحة دون أن يروا أبعد من أرنبة أنوفهم.

 

تلك هي، أيها الإخوة، أيضا من نقاط ضعف الديمقراطية في كل مكان، بما فيها تركيا. معظم الذين يصوتون لحزب العدالة والتنمية لا يفعلون ذلك لأنهم موافقون على سياسة أردوغان في سورية، ولا حتى لأنهم إسلاميون، أو يريدون إعادة الخلافة والسلطنة، بل لأسباب كثيرة أخرى تتعلق بالأمور الأكثر التصاقا بحياتهم اليومية. لا غرابة في هذا أبدا.

الشيء الرائع، والذي يستغرق حدوثه مع الأسف على الأقل فترة انتخابية، هو أن المصوتين في الانتخابات يصحون شيئا فشيئا ليروا أنهم يكسبون في بعض مناحي الحياة اليومية بالتصويت لهذا الحزب أو ذاك، أو لهذا الزعيم أو ذاك، لكن ذلك يحصل مقابل خسارة في جوانب أخرى أساسية. في البداية يكتشف ذلك أولئك الذين يتمتعون بوعي أعلى، ثم ينهمر المطر. لهذا قلت إن الشعب التركي بدأ يقول كلمته.

 

بالنسبة إلينا، فإن الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من نتائج الانتخابات في تركيا هو أن لا نتجنى على الشعوب التي لا يعجبنا زعماؤها، وأن نحافظ على ثقتنا بالإرادة الخيرة لكل شعوب العالم. بعض من كتابنا لم يستطيعوا، مع الأسف، حصر غضبهم على سياسة أردوغان تجاه سورية في شخص أردوغان، وأسرفوا في نبش التاريخ، والتحريض على البغضاء بدلا من التأكيد على الأفق الأوسع للمصائر المشتركة.

المفارقة الكبيرة هنا هي أن السياسيين السوريين وعلى رأسهم الرئيس الأسد لم يسيئوا بكلمة واحدة إلى الشعب التركي، وشددوا على الدوام على الصداقة بين الشعبين العربي السوري والتركي. عجبي لهذه الأمة .. يفعل سياسيوها ما يجب أن يفعله كتابها وأدباؤها! وها نحن نقرأ الآن أن ضربة هذا الشعب في تركيا ستظهر آثارها حتى على مسار الحرب الكونية التي تشنها قوى الشر على الشعب السوري. 

مطلوب منا، نحن معشر الذين يفرضون على الناس أن يقرؤوا ما يكتبون، أن نذكّر بما هو مشترك بين شعوبنا، بدلا من أن ننزل شتما وتقريعا بهذا الشعب أو ذاك، ونتفنن في وصم كل تاريخه بالسوء. علينا أن نأخذ العبرة مما ثبت، فالشعب التركي كان على الدوام معنا في الخندق نفسه .. خندق الشعوب المحبة للحرية والسلام.

 

وكلمة أخيرة. أنا أتطلع شخصيا إلى أن يقول الشعب الكردي أيضا كلمته، فلا يترك مسعود البارزاني، يجيّر التضحيات التي دفعها عشرات الآلاف من الأبناء النبلاء لهذا الشعب لمصلحته الشخصية ومصلحة عائلته أو عشيرته، وينتهي الأمر بأن يكون المستفيد من معاناة الشعب الكردي وكفاحه من أجل حقوقه المشروعة إسرائيل، أو غيرها من الذين هم الأعداء الحقيقيون للشعب الكردي. أما في العراق فالأمل معقود على تلك القوى الشريفة التي تعمل بصمت وهدوء لتقول قريبا كلمتها بحق كل العملاء المأجورين اللصوص الذين وصلوا إلى السلطة بفضل الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي.

 

إنه عصر الشعوب، أيها السادة.

 

‏18‏/06‏/2015